رواية عشقك الجزء الثاني من 16-20
ج٢١٦
تعجب عمرو من إصرار طبيبه على أن يرجئ إتمام زواجه وأنه لابد له أن يأخذ وقته كافيا قبل التفكير فى الخوض بتلك الحياة الزوجية والتى يخشى أن يخفق بها منذ البداية وعلى الرغم من أن الطبيب محق بكل مخاوفه إلا أن كبرياء عمرو الذى تملكه جعله رافضا الإنصات لما يقوله مؤكدا له أن تلك الزيجة ستتم بشكل أو بأخر وأن سهى ستصير زوجته وهذا مما لاشك فيه وسيبذل قصارى جهده لتحقيق تلك السعادة التى ينشدها كدواء لندوبه الغائرة فى روحه البائسة فصار كمن ظل حبيسا وقتا طويلا فى نفق ضيق مظلم وما أن وجد قبس من نور ركض لاهثا خلفه دون التروى بأن ربما ذلك النور سيتسبب فى إيذاءه دون أن يدرى
فدائما للبدايات بريق لامع يجذب النفس الظمأنة لأى بارقة أمل ولكن يبقى الندم والمرارة فى الأخير خاصة أن تم تشكيل طفولة عمرو وفق معايير خالية من الأمان والسلام النفسى اللذان كانا من المفترض أن ينعم بهما وهو طفل صغير لم يكن يعلم شيئا عن عالم الكبار المحفوف ببعض المحظورات والتى تم جره إليها رغما عنه ودون إرادته وهو فى سن مبكر
أرتسمت معالم الدهشة على وجه عمرو من إصرار الطبيب على رفضه الذى رآى أنه متعنتا به فأشاح بوجهه عنه زافرا أنفاسه بضيق وسرعان ما قال وهو يشير له بالإنصراف
أظن الجلسة كده خلصت ممكن حضرتك تتفضل مع السلامة
لم يكن الطبيب لينفعل بسبب صرفه له هكذا فمهنته تحتم عليه إتباع الحلم والرشد فى التعامل مع مرضاه وربما كان عمرو أكثرهم أهمية لديه ونبع ذلك الإهتمام لديه من أنه لم يواجه حالة كحالته من قبل وهو أن يقوم بمعالجة شاب من سلوكه الغير سوى حتى إن كان ذلك الأمر بدأ بالظهور فى بعض المجتمعات الشرقية إلا أن هناك بعض التقاليد التى تحكم ذلك المجتمع الذى يعيشون فيه
خلع الطبيب نظارته ووضعها فى جيب سترته ورد قائلا بهدوء كعادته
عمر المشكلة ما بتتحل طول ما أنت بتحاول تهرب منها يا عمرو وأنا بكلمك لمصلحتك وأنا لو كنت شايف أن مصلحتك تتجوز حاليا أكيد مكنتش هقولك الكلام ده أنا دكتورك وأدرى واحد بحالتك وظروفك أنت عامل زى واحد كان قاعد بقاله سنين على كرسى متحرك ولما جتله الفرصة يقف على رجليه بقى عايز يجرى مش يمشى خطوة خطوة فى الأول وهو مش عارف أن تسرعه ده ممكن يخليه يقع تانى
أولاه عمرو ظهره ورد قائلا بعدم إقتناع لمحاولاته المتكررة فى إقناعه بالتروى فى التفكير بشأن زواجه
وأنا برضه أدرى بنفسى ومصلحتى يا دكتور
أنحنى الطبيب ولملم أغراضه قائلا بعتاب
أنت دماغك ناشفة بس صدقنى ممكن ټندم أنا هسيبك دلوقتى وأتمنى الجلسة الجاية تكون أهدى من كده وياريت تفكر فى كلامى
دون أن يكلف نفسه عناء وداع طبيبه كان يتجه صوب أحد أدراج مكتبه الخشبى وأخرج منه تلك الأوراق التى مفاداها أن سهى ستصبح مالكة لنصف أملاكه ما أن يتم عقد قرانهما
أخذ الأوراق وخرج من المكتب ووصل لسيارته وهو بنيته الذهاب لزيارتها كما تم الإتفاق بينهما وصل لمنزل عروسه يحمل الهدايا والورود ويحمل فى قلبه أيضا شعوران متغايران يتنازع كل منهما فى السيطرة عليه إلا أنه نفض ذلك عن عقله ما أن رآى زوجة والد خطيبته تفتح له الباب وهى باسمة تدعوه للدخول فناولها ما يحمله بين يديه وولج لغرفة المعيشة ينتظر مجئ والد سهى ومجيئها هى أيضا ولم يكد يمر خمس دقائق حتى وجد سهى تلج الغرفة بإستحياء وخجل لم يرى منهما سوى لمحة خاطفة اليوم وهو من دام معرفته لها أكثر من عامين
منور
هتفت بها سهى وهى تجلس على أحد المقاعد البعيدة عن تلك الأريكة الجالس عليها وفتحت ذراعيها لشقيقها الصغير الذى أقتحم الغرفة صائحا بسعادة يناديها قبل أن يهم عمرو بالرد على تحيتها التى أقتصرت على كلمة واحدة
أجلست شقيقها على ساقيها ولفت ذراعيها حوله فيما كان ظهر الصغير يستند إليها بوداعة إبتسم لهما عمرو قائلا بمداعبة للصغير
مفيش أزيك يا عمو عمرو ولا أنت بخيل زى أختك
شهقت سهى بصوت منخفض بينما ضيقت عينيها ورمقته بنظرة محذرة من أن يسهب فى طرائفه والتى ستنهال نتائجها عليه بما لا يريده فرفع يديه بإستسلام مستطردا
أنا بهزر بس بلاش نظرة ريا وسکينة دى كأنك هتقومى تكتمى نفسى كمان شوية
وضعت يدها على فمها لتقمع صوت ضحكتها وهى تتخيل نفسها تعمل على سلبه أنفاسه كسفاحة تهوى القټل من أجل المال إلا أنها عادت لرزانتها وملامحها الجادة والصارمة ما أن رآت أبيها على وشك الدخول لغرفة المعيشة
فبعد أن تبادل معه عمرو المصافحة وعبارات التحية والترحيب نظر والدها إليها قائلا بأمر لطيف
سهى قولى لماما تحضر العشا علشان عمرو يتعشى معانا النهاردة
إلا أن عمرو رد قائلا برفض لطيف
معلش يا عمى متتعبوش نفسكم
وضعت سهى شقيقها أرضا وهبت واقفة وهى تقول دون أن تنظر إليه ولكن ڤضح صوتها ما تشعر به من خجل
دا أنا اللى عاملة الأكل بإيدى النهاردة علشان تقولى بعرف أطبخ ولا لاء
حاجبيه المرتفعين بدهشة لم يكونا كافيين للتعبير عن دهشته مما سمعه من لطف حديثها والذى لم يرى منه إلا اليسير بمحادثات هاتفية قصيرة لم تكن تغنى ولا تسمن من جوع ولكنها كانت كافية بالنسبة له فى أن يبدأ فى ترسيخ أولى دعائم التفاهم المتبادل بينهما
فما كان من أمره من رفض لقبول دعوة العشاء صار بطى النسيان بعد أن أعاد والدها إلحاحه بأن يتناول معهم الطعام فكانت تلك هى المرة الأولى فى حياته تقريبا يجلس وسط دفء عائلى تدور الأحاديث بينهما بين الجدية والتفكه والتندر والسؤال عن خطط المستقبل ورغم عدم شعوره بالجوع إلا أنه لم يترك طعاما مما قامت زوجة والد سهى بوضعه له فى طبقه ولكن قبل إنتهاء العشاء سمعوا صوت الجرس فقام أحد الصغيران بفتح الباب
ضيق عمرو عينيه ما أن أبصر ذلك الزائر والذى لم يكن أحد سوى إبن عم سهى المدعو حاتم ملأه شعور بالضيق العارم لرؤيته فهما لم ينشأ بينهما سوى عدم قبول احدهما للأخر وبدأ الأمر منذ يوم الخطبة
أقترب حاتم من عمه وهو يقول مازحا
شكل حماتى هتحبنى أوى
رمقه عمه بنظرة عطوفة ورفع يده داعيا إياه للجلوس وهو يقول بحنان
أكيد هتحبك يلا بسم الله معانا
جلس حاتم ونظر لعمرو قائلا بجفاء
أزيك يا أستاذ عمرو
إبتلع عمرو ما فى جوفه من الطعام ورد قائلا بإبتسامة صفراء
الحمد لله تمام أخبارك إيه أنت يا استاذ حاتم منور إسكندرية أنت لسه واصل من بلدكم ولا ايه
وضع حاتم ملعقة من الأرز فى فمه وأجابه برنة صوت متشفية
هو أنت متعرفش أن خلاص استقريت هنا فى إسكندرية من حوالى أسبوعين كده حتى إشتريت شقة فى عمارة فى نفس الشارع هنا علشان أكون جمب عمى ما هو من ريحة والدى الله يرحمه
بهت عمرو مما سمعه منه فسهى لم تأتى له على ذكر ذلك وما أن نظر إليها وجدها تأكل بهدوء كأن الأمر لا يعنيها وظل حاتم يتحدث طوال الوقت ويضحك حتى وإن لم يكن هناك ما يستدعى الضحك ولكن شعر عمرو بأنه لن يحتمل الجلوس معه دقيقة أخرى
فبعد إنتهاءهم من تناول العشاء أنتقل عمرو وسهى لغرفة المعيشة مرة أخرى وترك الباب مفتوحا حدق بها مليا ومن ثم سألها بإلحاح وصوته يفضح شعوره بالغيرة
أنتى ليه مقولتليش على موضوع إبن عمك ده
تجعد جبينها من شعورها بالدهشة لسؤاله اللحوح فردت قائلة بعفوية
وأنت إيه اللى يهمك فى موضوع حاتم يعيش هنا يعيش فى البلد ولا حتى فى المريخ هو يخصك فى إيه ثم أنا مالى ما يقعد مكان ما هو عايز
ما أن رآت تغير ملامح وجهه من ردها زفرت بخفوت وعادت مستطردة بهدوء قدر المستطاع
أنت عارف أن عمى الله يرحمه اتوفى بعد خطوبتنا بمدة بسيطة ومراته ماټت بعد منه بشهرين تقريبا وفضل حاتم هناك لحد اخته ما اتجوزت وبعدين قسم الأرض بينه وبين بابا وكل واحد خد نصيبه وهو قال حابب يعيش هنا لأن البلد من بعد مۏت باباه ومامته وجواز اخته مبقاش طايق يقعد فيها لوحده فجه على اسكندرية علشان يبقى جمب عمه وكده يعنى بس هى دى كل الحكاية وانا مقولتكش لأن مش شايفة إن الموضوع مهم أوى يعنى
حاول تغيير دفة الحديث خاصة أنه بدأ يشعر بالاستياء من أنها لا تبالى بالأمر فى حين أنه شعر بأن مجئ حاتم للسكن قريبا منهم ينطوى على شئ من المؤكد أنه سيكون غير سار بالنسبة له
وضع يده فى جيب سترته وأخرج منها ورقتان مطويتان بعناية فبعد تأكده من أن بإمكانها أن تأخذ الورق منه مد يده لها بهما وهو يقول بجدية
سهى ده ورق التنازل عن نص ثروتى ليكى زى ما قولتلك قبل كده خديه واقريه وشوفيه
بللت سهى شفتيها بطرف لسانها بعدما عملت على ضمهما بقوة كأنها تمنح نفسها الوقت الكافى بصياغة حديثها والذى تخشى أنه يترك فى نفسه أثرا سيئا لكونها ترى أن ذلك المال ربما حصل عليه بطرق غير مشروعة
نظرت للباب لتأكدها أن لا أحد يتلصص على جلستهما ومن ثم قالت بحذر
عمرو الفلوس دى مقدرش أخدها وخصوصا إن يعنى متأخذنيش أكيد هى فيها فلوس حرام متنساش أن أول ما عرفتك كنت شغال فى عصابة
لفحه جوابها على ما قاله كلفحة هواء ساخن ألهب وجهه حتى كاد يشعر بإحتراقه الوشيك فرغم عدوله عن سلوكياته السيئة إلا أنه لم يفكر بشأن ذلك الثراء الذى ينعم به وأن أبيه الراحل جمع ماله من الإتجار فى الممنوعات والأعمال المشپوهة تحت إمرة أدريانو وعلل الأمر أنه لم يكن مذنب بذلك بل حصل على النقود كإرث طبيعى من والده
حدق بالورقتان ومن ثم حملق فى وجهها فاغرا فاه دلالة على شعوره الطفيف بالدهشة والتعجب من رفضها وصراحتها فأخفض وجهه قليلا عنها متسائلا
يعنى أنتى مش موافقة
هزت سهى رأسها رافضة قبول ذلك المال وفركت يديها قائلة بإعتذار لبق
لاء مش موافقة وياريت تحاول تخلص من أى شبهة فى فلوسك لأن الحړام مبيجبش لصاحبه إلا الخړاب والدمار وإن كنا هنتجوز ونعيش مع بعض فأنا مش حابة أعيش من مال حرام يا عمرو وأنت فاهمنى عايزة جوزى يصرف عليا بفلوسه اللى