رواية عشقك الجزء الثاني من 11-15
المحتويات
فهو فى حياته بآسرها لم ينطق كلمة بابا لأن ببساطة لم يكن له أب يوما ولم يعلم بوجوده إلا منذ وقت قريب وربما هذا ما دفعه للمجئ للإسكندرية ومن أجل أن ينعم ببضعة أيام برفقة رجل من المفترض أن يكون والده
جذبه عاصم إليه مطوقا إياه بقوة مشددا من إحتضانه له هامسا بأذنه
قولها يا أدم قول يا بابا أنت دلوقتى إبنى برضه وأخوك ولا أختك اللى جاى فى السكة هتبقى أنت أخوه وأبوه لأن أنا مش ضامن ألحق أربيه وأشوفه شاب زيك كده فأنت اللى هتقوم بالمهمة دى
لمس عاصم قلبه بما تفوه به سرا فى أذنه فأرتفعت ذراعاه وطوقه بهما وهو محاولا ډفن وجهه بكتف أبيه لينعم بذلك الشعور الذى حرم عليه منذ الصغر
تمتم رياض بإبتسامة وهو يرمقهما بهدوء
ألف مبروك يا عاصم
أنهالت التهانى والمباركات عليهما فحمد رياض ربه أن الله قد أنعم على عاصم وغزل بأنهما سيرزقان بطفل وربما ذلك سيساهم بتخفيف الحزن والضيق عنها نظرا لأنها ستكون مشغولة بأمر حملها ولن تفكر كثيرا بشأن أدم أو أن كيف زوجها أصبح والدا لشاب لم تكن هى والدته
إستطاعت ميس إضفاء جو من المرح وهى تصفق بيدها قائلة بطرافة
مبروك يا خالو بقيت أب مرتين فى نص ساعة تقريبا
قهقه عاصم وأقترب منها جاذبا أذنها بشئ من الدعابة وسرعان ما قبل وجنتيها وهو يدعو لها بصلاح أحوالها هى وزوجها ولكنه إنتبه على أن الوحيد الذى لم يقدم له مباركته هو راسل الذى كان كما هو جالسا بمكانه يطوف بنظراته بين الجميع على الرغم من أن حياء تقف بجوار غزل تبتسم لها ويبدو على وجهها سيمات السعادة من أجلها
ولكن لم تدم جلسته طويلا إذ هب واقفا ومر من جواره مهنئا له تهنئة عابرة
مبروك ييجى ويتربى فى عزك إن شاء الله
لم يزد كلمة أخرى على عبارته المقتضبة نوعا ما ولكن عزز عاصم الأمر لكون راسل دائما فظا ومتعجرفا فى حديثه معه فأكتفى برد تهنئته بكلمة شكر واحدة
خرج من المنزل وهو لا يلوى على شئ تسوقه قدميه حيثما تريد فوجد نفسه بالأخير عند حظيرة الخيول إستند بذراعيه على السياج الخشبى الممتد بطول الحظيرة وظل يتأمل الجياد بأعين جوفاء فمن يراه يظنه يتأمل الخيول بتمعن فى حين أنه ينظر فى الفراغ كأنه ينتظر بزوغ أمل جديد من العدم أو من ذلك الظلام المخيم على السماء حاجبا ضوء القمر مكتفيا بأن يترك له بعض النجوم ليسترشد بها فى السير بالحديقة الشاسعة
من حين لأخر تتنازع بعض الزفرات فى أيهما ستسبق الأخرى فى الإنفلات من معقلها إذا سمح لها بذلك لينفس عن ضيقه ولكن أثناء إنهماكه فى التفكير فيما يحدث سمع رنين هاتفه فأخرجه من جيبه وربما إبتهجت نفسه قليلا لعلمه بهوية المتصل لكون أن تلك المكالمة جاءته فى وقتها
فتح الهاتف قائلا بهدوء
لقد اتصلت بي في الوقت المناسب كنت بحاجة للتحدث معك
جاءه الرد على الطرف الآخر متسائلا
ماذا حدث يبدو من صوتك أنك تعاني من القلق أو الضيق هيا أخبرني
ضغط راسل بأصابعه على عيناه قائلا بحيرة
لا أعرف ماذا أقول لك لأنني أشعر بالچحيم على الأرض ولم أعد أمتلك الطاقة للتحمل والصبر لذلك بالتأكيد لو لم يكن الاڼتحار ممنوعا في ديننا لما كنت أتردد في فعل ذلك.
أنهى راسل عبارته وقبض على كفه حتى برزت عروق يده الزرقاء رافق ذلك إحتدام نظراته كلما تذكر ما حدث منذ مجئ أدم وزوجته التى لم تعد تفوت مناسبة إلا وتذكره بحقارة أفعاله وأنها لم تعد كما كانت فى السابق بل صارت نموذجا للمرأة التى حملت مشعل الاڼتقام لكل فتاة وإمرأة لاقت الخيبة والخذلان من حبيبها ولن تهدأ قبل أن ترد حق كل إمرأة عانت القهر والحسړة
سمع راسل منه صوت زفرة خاڤتة تلاها قوله الهادئ الذى لم يخلو من التأنيب
لقد حذرتك من قبل وقلت لك أن خير ما تفعله مع زوجتك أن تخبرها الحقيقة ولكنك تصلبت برأيك وظللت تدور فى الفراغ ولا تنسى تحذيرى لك من الا تقدم على الكذب بشأن ساندرا والصغير ولكن رأسك اليابس هو ما أودعك هكذا بين شقى الرحى فعليك تحمل نتائج أفعالك
إهتاج راسل لقول محدثه فهو كان بحاجة لأن يطمئنه بحديثه وليس أن يأتى هو الأخر ليأنبه على تصرفاته فصاح به بحنق
أتعلم أنت على حق وخطئى هو معرفتى بك أيها السمج السفيه التافه لعڼة الله عليك
تعالت صوت الضحكات على الطرف الآخر مما زاد فى شعوره بالحنق والنزق إلا أنه سمعه يقول بهدوء مغلف بالبرود
ستظل كما أنت يا راسل فمنذ معرفتى بك وأنت هكذا اذا لم تسمع منى ما يرضيك تشعر سريعا بالسخط ولكنك تعلم أننى لن أكون مثل الاخرين وأتملقك وإن لم تكف عن شتمى سأسمعك أنا أيضا ما لا يرضيك
صمت لبرهة ومن ثم عاد مستطردا
دعنا من هذا الآن واخبرنى كيف تجرى الأمور يبدو أن زوجتك بدأت فى أخذ حق هذان العامان على أكمل وجه وإلا لما كنت عصبى المزاج هكذا فهل أنت مازلت مصرا على تطليقها
صړخ راسل قائلا برفض قاطع
لا لن أطلقها ما دمت على قيد الحياة فحتى وإن كنت فكرت فى هذا بوقت سابق فالأن لن أفعلها لن أفعلها أفهمت لن أترك زوجتى تصير ملك لرجل أخر إلا بموتى
إهدأ راسل فالصړاخ لن يفيدك بشئ وعوضا عن أن تصرخ فى أذنى المسكينة هكذا أذهب وأخبرها هى بذلك كان الله فى عونها فأنا حقا أشفق عليها كونها زوجة لك
ما أن أنتهى من قوله ضحك بخفوت وهذا ما زاد فى جنون راسل وسرعان ما أجابه بعدما هدأ قليلا
أصبحت لا تترك لى مجال للحديث معها ودائما ما تهرب من بين يديى كالحلم فلا أعلم كيف كنت أتصور أن بإمكانى أن أحيا بدونها ففراقها كالمۏت تماما بالنسبة لى فأنا حائر تائه وكأننى سأظل غريقا ولن أصل لشاطئ أمن أبدا أاخبرك بشئ هيا أغلق الهاتف فأنا قد سئمت منك أنت الآخر
لم يدع له مجال للرد إذ أسرع بإغلاق الهاتف ويعلم أنه سيعاود الأتصال به فى وقت قريب فلا شئ يؤثر بعلاقتهما على الرغم من الصراع اللفظى بها إلا أنهما معتادان على هذا منذ دراستهما سويا فى إنجلترا وعادت أواصر الصداقة بينهما عندما عادا وإلتقيا مرة أخرى فى كندا
فى الداخل...أنفض مجلسهم فى غرفة المعيشة فمنهم من ذهب لغرفته ومنهم من فضل الخروج للحديقة كحياء التى رآت أن الوقت مازال مبكرا على خلودها للنوم أو إذا صح القول والتعبير مازال لديها الليل بأكمله لأن تشكو دمعاتها الفياضة لوسادتها عما لاقته فى يومها من جهد مبذول لأن تحاول إرضاء كبرياءها
وافها أدم عند الباب متسائلا بوجه باسم
أنتى راحة فين حياء دلوقتى
إلتفتت إليه حياء برأسها وردت قائلة بهدوء
كنت هخرج أشم شوية هوا فى الجنينة قبل ما أنام
سكتت لهنيهة وسرعان ما عقبت
كنت عايز منى حاجة
وضع أدم يديه بجيبى بنطاله وخفض نظراته أرضا كأن هناك شعور خفى لن يستطع البوح به لأحد غيرها فغمغم قائلا بصوت خفيض
كنت عايز أتكلم معاكى حياء حاسس إن أنا تايه حاجات كتير جوايا مش فاهمها
تفهمت هى حالته لكونها سبقته فى ذلك الأمر عندما وجدت ذاتها وجها لوجه مع عائلتها التى لم تكن تعلم عنهم شيئا وتعلم أيضا كيفية الشعور بالغربة وسط إناس لم يجمعها بهم فى البداية سوى رابط الډم فقط دون وجود أى مشاعر وعواطف أخرى
أشارت بيدها لأن يسبقها فى الخروج من الباب وهى تقول بتفهم
فهماك يا أدم تعال نقعد فى الجنينة وقول عايز تقول إيه
خرجا للحديقة حتى وصلا لذلك المجلس القريب من حظيرة الخيول والذى اعتاد مالك ذلك القصر الجلوس به دائما وهناك العديد من الرجال المنتشرين فى الحديقة وقريبا من الحظيرة لذلك لن يكونا بخلوة وحدهما وهذا الذى لن تقبل به يوما سواء معه أو مع أحد غيره فالوحيد الأحق بخلوتها أو أن يقتحمها وقتما يشاء هو زوجها فقط حتى وإن كانت الأمور بينهما الآن تجرى على نحو سيئ
جلست قبالته على مقعد يفصل بينهما منضدة عريضة وشبكت يديها ووضعتهما على ساقيها قائلة وهى تنظر لذلك الجواد الأبيض الذى أعتادت على أن تمتطيه عندما تشعر بالضيق
أتفضل قول يا أدم مالك فى إيه سمعاك
أسند أدم ظهره لمقعده وحدق فى النجوم المتلألئة بالسماء وصدرت عنه آهة تعبر عن لوعة نفسه من شعوره بالحيرة والتخبط
بالرغم من أن كنت فرحان جدا أن جيت هنا وهشوف بابا ويعرف إن أنا إبنه إلا أنا دلوقتى حاسس أن هتسبب فى خلافات بينه وبين مراته أو أن وجودى فى قصر النعمانى مش هيبقى قرار صائب تفتكرى أرجع فرنسا تانى وأبقى أجى أزوره أو هو يزورنى لأن لاحظت أن فى حاجة مش مفهومة بين الكل هو ده كله بسببى
عند سؤاله الذى ختم به حديثه نظرت إليه حياء نظرة خاطفة ومالبثت أن قالت بإبتسامة أليمة
لاء يا أدم اللى هم فيه مش بسببك ولا حاجة دى مشاكل موجودة من زمان بس زى ما تقول لسه كلنا عايشين فى ۏجعها فمتشغلش بالك وصدقنى وجودك مش هو السبب بكرة تعرف الكل على حقيقته سواء عمتك سوزانا أو غزل أو ميس بس عايز فعلا تعيش فى البيت ده مرتاح يبقى أكتر واحد تبقى قريب منه غير باباك هو عمى رياض وهتعرف قد ايه هو راجل ذكى وحكيم فى تصرفاته
أنحنى أدم قليلا للأمام وألتصق كفيه ببعضهما ووضعهما قريبا من فمه تأملها مليا لبضع لحظات كأنه يحاول إيجاد صيغة ملائمة ليصيغ بها كلماته والتى يعلم أنها ربما ستثير إستياءها قليلا ولكن ما لبث أن سألها بحذر
بس ليه مذكرتيش إسم جوزك حياء عمى راسل
زمت حياء شفتيها بل حاولت أن تمطهما لعلها تبرر عدم ذكر إسم زوجها وأن ذلك جاء سهوا منها ولكن ما أن حاولت فتح فمها لتتحدث سمعت صوت حوافر أحد الجياد وهى ټضرب الأرض ركضا فإستدرات برأسها للخلف وجدت زوجها قادما يمتطى جواد أسود لم يكن يلائم أحد غيره بمزاجه المتقلب والكئيب معظم أوقاته
أقترب راسل منهما بجواده متسائلا بشئ من الإلحاح
أنتوا قاعدين هنا بتعملوا إيه
مازال كما هو يأسرها بجاذبيته القاټلة والتى دلت عليها بتلك اللحظة
متابعة القراءة