رواية عشقك من 35-38
أنا إيلين يا راسل إيلين النعمانى
_______________
٣٧
جلس راسل بالفراش بعدما كان متكئا على الوسادة الموضوعة خلفه يحدق بالقلادة الموضوعة بكف يده تارة ويحدق بوجه إيلين تارة أخرى أصابته رجفة خفيفة ولكن كانت كافية بأن تجعل جسده ينتفض على إثرها فآثار الحمى التى أسقطته بحالة من الإعياء الشديد باليومين الماضيين مازالت ساكنة جسده كتلك الحرارة التى غزت وجهه وأشعرته بصداع جعل من الصعب عليه أن يمعن نظره بما حوله جيدا
معقولة أنتى إيلين بجد
هتف راسل بعبارته وأعتصر جفنيه لعله يتأكد حقا أن من تجلس أمامه الآن هى إيلين وليست شبحا أو طيفا كتلك الأطياف التى زارته بأحلامه المحمومة بمن أوردت قلبه مورد الهلاك وتركته غير عابئة بما سيعانيه ويلقاه برحيلها عنه
أيوة أنا إيلين يا راسل مش مصدق
أماءت إيلين برأسها مرارا كأنها تريد ترسيخ حقيقة وجودها أمامه فأدركتها حالة من السعادة لرؤيته ولكنها لم تكن تريد مقابلته بتلك الظروف العصيبة التى لم تعلم أسبابها حتى الآن فرياض رفض البوح لها بما أصاب ولده مكتفيا بإخبارها أنه أصيب بحالة من المړض والإعياء الناتج عن إرهاقه الشديد بعمله
فوضعت شعرها خلف أذنها متسائلة بشئ من الفضول
بس إيه اللى جرالك خلاك تعبت أوى كده وأنت حياتك عاملة إيه دلوقتى أنا كل اللى فكراه أخر مرة قابلتك فيها قبل ما أسافر روسيا
رد قائلا وهو يتبسم پألم كأنه يسخر من حاله
يااااه دا حصل كتير أوى يا إيلين
قطبت إيلين حاجبيها بتعجب من رنة صوته المرهقة والمټألمة فأشفقت على حاله وهى تقول برقة
شكلك موجوع أوى يا راسل صوتك بيقول أن اللى حصل مش كتير بس لاء دا كمان يوجع الروح والقلب
حرك رأسه صامتا كأنه لم يعد لديه طاقة على أن يخفى معالم الألم عن وجهه وصوته كمن ظل يركض بطريق طويل حتى أنهكه كثرة الركض وليس هذا وحسب بل أصابته الندوب والچروح التى تركت بصماتها واضحة على روحه التى كأنها ستظل معذبة ولن تنال راحتها بيوم كمن أرتكب ذنبا يجهله وسيظل يعانى تبعاته وآثاره لما تبقى من حياته
حاول أن يغير دفة الحديث فتبسمت شفتيه لرؤيتها بعد كل تلك السنوات الطويلة فقال متسائلا
سيبك من كل ده وقوليلى أخبارك إيه وبتعملى إيه فى حياتك دلوقتى
أنزلت ساقها الأيمن الموضوع على ساقها الأيسر وردت قائلة بهدوء لا يخلو من الحزن
بعد بابا ما أتوفى من حوالى عشر سنين وبعده ماما فضلت عايشة مع أهل ماما كنت فاتحة مركز رياضى كبير وقررت أرجع أسكندرية وأستقر هنا وهفتح مركز تانى هنا لأن أنا بقيت زى ما تقول كده بقى عندى هوس بالرياضة واليوجا والعلاج النفسي بالطاقة الروحية والتأمل بقيت شاطرة أوى فى الموضوع ده وخصوصا لما يبقى عندك سلام داخلى وتتعايش مع كل حاجة بتحصل حواليك من غير ضغوط ولا عصبية
مط شفتيه من حماسها بالحديث من الجزء الخاص المتعلق بعملها فهو كان يعلم بشأن حبها للرياضة منذ صغرها ولكنه لا يعلم أنها صارت مهنة لها
نهضت إيلين من مكانها وأقتربت من يده المعلق بها المحلول المغذى فسحبته بعدما رأته قد أنتهى كانت لمستها حانية ولكنها حازمة
ظن أنها ستتركه يعود لنومه ولكنها أحثته على ترك الفراش وهى تقول بإصرار
يلا قوم خدلك شاور وتعال ننزل الجنينة تحت نكمل كلامنا بلاش تسلم نفسك لليأس علشان متتعبش أكتر
رفض راسل ترك الفراش فعاد وأستلقى عليه قائلا بحزم
مش عايز أقوم عايز أنام يا إيلين
أغلق عينيه فظن أنها ستتركه بحاله إلا أنها أعادت حديثها ثانية قائلة بدعابة
هتقوم لوحدك ولا تحب أخلى الحرس ييجوا يشيلوك وأعتبر نفسك مخطۏف
فتح عيناه فجأة بعد سماع كلمتها الأخيرة فتلك الكلمة أخبرته إياها حياء من قبل وهى تمزح معه فقبض على غطاء إحدى وسائد الفراش پألم فلم يكتفى بذلك بل سحب الوسادة ووضعها على رأسه كأنه يحاول إخفاء معالم الحزن والحسړة والقهر
ولكن تلك الصيحة الطفولية التى دوى صوتها بالغرفة جعلته يسرع بمحو تلك العبرة الحارة التى سقطت من عيناه قبل أن يزيح الوسادة عن رأسه
بااابى
قالت سجود وهى تقفز بجانبه على الفراش فعلى الفور أعتدل بجلسته وأخذها بين ذراعيه وهو يقبل رأسها بحنان
فنظرت إليه الصغيرة قائلة بإلحاح
بابى هى مامى راحت فين مجتش معانا ليه
ما أن يأتى أحد على ذكرها حتى تصبح أنفاسه ثقيلة كأنه لا طاقة له على أن يلتقطها بصورة منتظمة أو أنها ستظل عالقة برئتيه ويشعر بثقلها الجاثم على صدره
هبت إيلين لنجدته على الرغم من جهلها من تكون زوجته أو ماذا حدث له فهى لا تعلم سوى أن تلك الصغيرة الجميلة هى إبنته فهى قابلتها منذ مجيئها ولا تنكر أنها إستطاعت أن تجعلها تقع بغرامها على الفور من عفويتها بحديثها وأفعالها الطفولية التى لا تخلو من المشاكسة
فداعبت رأسها بحنان وهى تقول بإبتسامة
سجود ماما هتيجى قريب يا حبيبتى
بسماع راسل قول إيلين قال محدثا نفسه
يارب ما ترجع وأنا بالحالة دى علشان مأذيهاش لأن قلبى محروق وموجوع منها وعقابى ليها هيكون صعب
تتقاذفه الحيرة والرغبة فعقل يرفض عودتها وقلب يتمنى لو أن يرى طيفها ليعاتبه على ما فعلته فلما هان الود عليها هكذا بل أنها حطمت قلبه بدم بارد فهو لن ينسى حديثها المهين بحقه من أنها غير مسئولة عن سوء إختياره وأنها لم تكن تحبه لأنه لا يستحق أو أنه غير قابل للحب
تتابعت أنفاسه وأهتاجت أكثر عندما تذكر كل كلمة مهينة قالتها بحقه فإن كان منذ برهة تمنى أن لا يقابلها حتى لا يسبب لها أذى صار الآن يتمنى لو تقع بقبضة يده ويذيقها من شتى ألوان العڈاب سيجعلها تتجرع الندم على كل كلمة تفوهت بها سيصبح كابوسا يطاردها جاعلا إياها لا تهنأ بعيشها سيجعل أملها فى أن يمنحها الغفران كروح تتنازع على البقاء قبل أن تبلغ النزع الأخير
لم يخرج من شروده وأفكاره إلا على جذب سجود لذراعه فهى ترى يومان كافيان لعدم حصولها على دلاله ولعدم رؤيتها لحياء فهى الآن ستطالب بحقها كإبنة مدللة كأنها تعى مدى تأثيرها على أبيها
فنظرت إليه وقالت بوداعة وبراءة تأسر القلوب بزرقاوتيها
بابى يلا قوم علشان نروح لمامى هى سافرت تانى ليه عايزة أروح لها هى كانت بتقول هتعملى مفاجأة فى عيد ميلادى
آهات مزقت شغاف قلبه وهو يهمس بإسمها لنفسه فكيف يحقق لصغيرته مطلبها وهو أصبح من المحال فهو لا يعلم أين هى الآن ولا يريد أن يعلم فخيرا لها وله ألا يتقابلا الآن
ولكن ربما حيلة صغيرة من تلك الحيل التى كانت يستخدمها سابقا لإسكاتها ستفيده الآن فداعب وجنة صغيرته وهو يقول بحنو بالغ
ماهى يا روحى راحت علشان تجيبلك هدية عيد ميلادك وهتيجى ودلوقتى إسبقينى على تحت على ما أخد شاور وأجى معاكى نشوف الخيل سوا
شبت سجود من مكانها وتعلقت بعنقه تقبله قبلات متتابعة فتركت الفراش وركضت للخارج فنظر لإيلين التى شعرت بحرج طفيف وهى تراه يترك الفراش
فتلعثمت بحديثها وهى تتجه صوب الباب
أ أنا هستناك تحت علشان علشان نكمل كلامنا يا راسل بس متتأخرش
خرجت وأغلقت الباب خلفها فهو ظن أنه قادرا على السير ولكن أرتجاف ساقيه جعله يعود ويجلس على طرف الفراش فقدميه ثقيلتان وربما يعود ذلك لقضاءه اليومين الماضيين نائما علاوة على تلك الحمى التى أنهكت جسده ولكن هو لقى ما أشد من ذلك سوءا فلن يكون القيام من فراشه والذهاب للمرحاض أمرا شاقا خاصة أنه لا يريد أن ترى صغيرته مدى ضعفه وشعوره بالخذلان من تلك التى لم يضع بباله يوما من أنها ستكون كطعڼة الخڼجر بقلبه ولن يبرأ بعدها أبدا كمرته الأولى
أنت أقوى من كل اللى بيحصل ده لازم تقاوم
شحذ قوته فنجح بترك الفراش وذهب للمرحاض فشعوره بالخواء جعله يجلس بالمغطس كأنه يتهيأ للنوم ثانية فأسند رأسه لحافة المغطس وترك العنان لتلك الدموع الأبية التى لم يذرفها إلا بأقسى ظروفه فتتابعت شهقاته ولولا أنه يخشى أن يراه أحد هكذا أو يسمع صوته لكان صوت صيحته وصراخه هز أرجاء القصر ولن يخرسه شئ سوى إنقطاع أحباله الصوتية وإصابة حنجرته بالتلف
ليه يا حبيبتى تعملى فيا كده ليه يا حياء
قضم شفته السفلى ليوقف أرتجافها عندما جال طيفها بمخيلته وجهها المضئ الباعث على سريان الشوق بعروقه وصړاخ خلاياه مطالبة بها فهى كانت بين يديه كالحلم الدافئ فأنامله مازالت تشعر كيف كانت تتوهج وجنتيها أسفلها عندما يلاطفها فهل كل هذا الخجل والنعومة والرقة كانت أدوات بيديها لخداعه فحتى وإن كان مستاء منها فما زال قلبه رافضا تصديق كل ما حدث
بروده الماء جعلته يعى على أنه قضى وقتا أكثر من اللازم بالمغطس فالبرودة تسربت لأطرافه وهزت أوصاله بإنتفاضة قوية فأنهى إغتساله وأرتدى مأزر أبيض وتوضأ وخرج للغرفة بحث عن ثيابه وجد كل شئ مرتب بغرفة الثياب الواسعة فأخذ منها ما يريد وأرتداه وخرج يتهيأ للصلاة فلا سلوى ولا منجا له الآن سوى اللجوء إلى الله
______________
منذ متى وهى أصبحت شديدة العناية بمظهرها من أجل زوجها هكذا منذ تلك الليلة التى تهدمت بها حصونها الهشة التى شيدتها من وهم أنها تكرهه وترفض أن تكون له زوجة بالإكراه ولكن هو إستطاع أن يجعلها تشعر برعونة وسخافة أفعالها وأفكارها على الرغم من أنه كثيرا من الأحيان يتصرف بغرابة ولا يعطيها جواب يريح به بالها من كثرة تفكيرها بما يشغله أو يفعله ولكن تلك اللحظات الحالمة التى تقضيها برفقته هى من تجعلها تراه على حقيقته المجردة كرجل يهيم بها عشقا وراغبا فى ودها ووصالها بوصال المحبين والمغرمين
فالليلة عقدت عزمها على أن تجعله يبوح بسر مناداته لها بذلك اللفظ التحببى ماسة ولن تتركه إلا إذا أخبرها الحقيقة كاملة
كده كله تمام
أنتهت من زينتها التى ستسلب عقله لا محالة وخرجت من غرفة الثياب فلم ينتبه عليها بادئ الأمر لإنهماكه بإنهاء عمله على حاسوبه الشخصى وهو جالسا على تلك الأريكة العريضة والوثيرة
ضيق عمران عينيه وقطب حاجبيه من إستنشاقه لرائحة ذلك العطر الأنثوى الفواح فرفع عيناه عن الحاسوب فوجدها تقف على مقربة منه واضعة يديها بخصرها النحيل وتبتسم له بغواية
فتح فمه حتى كاد يصل للأرض فقال وهو يجاهد على إبتلاع لعابه
يا خبر أبيض معقولة أنتى ميس ولا حورية نازلة من الجنة
أطاحت بما تبقى من عقله وهى تخطو بخطواتها المدللة تجاهه فأنحنت إليه قائلة بهمس ناعم ورقيق