رواية عشقك من 35-38
المحتويات
والشوكة من يده على طرف الطبق الخزفى بحدة حتى كاد يقسم الطبق لنصفين فهب واقفا مكانه قائلا بسخرية
لو إحنا مضايقينك يا رياض باشا معلش إستحمل بقى ماهو مبقاش ليا مكان تانى ولا تحب أقعد فى الشارع زى المتشردين
وضع رياض سجود أرضا وهو ينظر لوفاء قائلا بهدوء
لو سمحتى يا ست وفاء خدى سجود
فعاد ونظر لإيلين وسوزانا مستأنفا حديثه
وإنتى كمان يا سوزانا أنتى و إيلين أتفضلوا على أوضكم علشان عايز أتكلم مع إبنى المحترم شوية ومش عايز حد حاضر فى الدور الأرضى نهائى
إستمعن لقوله فأخذت وفاء سجود وذهبت سوزانا وإيلين كل منهما لغرفتها فيما كان راسل ما زال واقفا عند رأس المائدة على الطرف الآخر فإستقام رياض بوقفته وأشار إليه بأن يتبعه
تعال ورايا يا محترم ومش عايز قلة أدب زى عوايدك مفهوم
إن كان من قبل يتحداه بكل كلمة يقولها فالأن لا طاقة له على الجدال أو الشجار معه فتبعه بصمت لغرفة المعيشة رآه يجلس بمكانه المعتاد كأن تلك السنوات الطويلة لم تمر ومازال يجلس جلسته المعتادة التى كان يتلصص عليها وهو صغير فدائما هالة القوة والسلطان تحيط به وكره هو كثيرا ذلك السلطان الذى تسبب بتصدع العلاقة بينهما وأصبحت علاقة شبه منعدمة بين الإبن وأباه
أقعد يا راسل
جاءه هذا الأمر من والده فبأقصى مقعد كان جالسا واضعا مرفقيه على ذراعى المقعد طال تحديق كل منهما بالأخر حتى ظنا أن تلك الجلسة ستنتهى بالصمت مثلما بدأت
ولكن تخلى رياض عن هذا الصمت وهو يقول بعدما زفر بقوة
أنا كنت عايز أقولك أن بخصوص البيت أنا ساويت مشكلة البنك ودفعتلك ديونك والبيت لسه ملكك وكمان المستشفى خليت المحامى يتابع الموضوع وإن شاء الله ممكن ترجعلك قريب وأنت ترجع تزاول مهنتك عادى
ظن أن بعد قوله سيرى بوادر السعادة والفرح على وجهه ولكن ظل كما هو بملامح وجه مبهمة لا تنم على شئ كأنه لم يستمع لما أخبره به
بلل راسل شفتيه الجافتين بطرف لسانه وأجابه بصوت مرهق
أنا لا عايز أرجع البيت ولا عايز أرجع شغلى حاليا بمعنى أصح مش عايز أعمل أى حاجة فى حياتى دلوقتى
أسند راسل رأسه لطرف مقعده محملقا فى السقف وهو يقول كأنه يحدث نفسه
حاسس أن معنديش طاقة حتى أتكلم مش أشتغل حتى الهوا اللى بتنفسه بقيت أحس أنه بيضايقنى محدش حاسس بيا ولا باللى أنا فيه أنا زى اللى واقف فى وسط الڼار ومطلوب منه أنه يتحرق بس من غير ما يتكلم ولا يطلع ليه صوت زى اللى متعلق فى حبل المشنقة ومطلوب منه يضحك وهو بيتعدم
شعر بيد أبيه على كتفه فأعاد رأسه المائل لوضعه الطبيعى فهو لم يكن يعلم أنه ترك مكانه إلا بعدما وجده يقف بجانبه رفع راسل وجهه إليه بصمت فلو يعلم كم هى حاجته له الآن فلن يصدق رياض نفسه فرغم ذلك الجفاء والبرود بعلاقتهما إلا أن مازال ذلك الجزء الصغير بغياهب عقله وقلبه يتمنى لو كان له الأب الذى يريد
كأن تلك الرسالة المختزنة بعيناه وترفض شفتاه البوح بها وصلت لرياض وإستطاع قراءتها بوضوح فسحبه من مرفقه حتى إستقام بوقفته أمامه فبدون أى مقدمات بغير فائدة كان رياض يحتضنه بحنان قائلا بندم حقيقى
سامحنى يا إبنى على اللى حصل منى زمان أنا عارف أن ۏجعتك كتير وبدل ما أكون ليك أب بقيت ولا كأن واحد عدوك سامحنى يا راسل ولو الباقى من عمرى فضلت أطلب منك السماح مش هزهق لحد ما تسامحنى سامحنى
غص رياض بكلمته الأخبرة نتيجة لتجمع الدموع بعيناه إلا أنه لم يحاول إخفاء ندمه والتظاهر بالصلابة والجمود بل ترك عيناه على سجيتها تذرف دموع الندم لعل ولده يصدق أنه نادما حقا
همهم راسل بصوت متقطع كأنه يخشى بكاءه هو الآخر
ممش عا عارف أقولك إيه بس صدقنى جه عليا أوقات كتير كان نفسى تيجى وتاخدنى فى حضنك لما كنت أشوفك بتحضن وجدى ولا عاصم كنت بحس بالۏجع وأنت حتى مش عايز تبص فى وشى زى ما أكون عار وعايز تخلص منه سواء أمى غلطت أو أنت أنا مكنش ليا ذنب مكنش ليا ذنب عيشت يتيم الأب وأنت لسه على قيد الحياة ولولا صفى الدين جوز ماما وفاء كان ممكن اكون بنى أدم مش سوى كان ممكن أكون ضايع أو أكون زى الغريق اللى شايف الكل واقف على البر وهو اللى بيغرق كنت أنت أول طعم للۏجع والألم فى حياتى
تركه يتحدث طويلا أراده أن يقول كل ما يعتمل بقلبه من أوجاع وندوب مكتفيا بالبدء أن يربت على ظهره بحنان وحب فبالحقيقة لم يكن رياض يكره راسل ولكن كان يكره كونه أنه لم يعد لديه الدليل والحجة على أنه مازال محبا ووفيا لزوجته الأولى التى كان يزعم أنها هى الوحيدة التى أحبها ولن يستطيع مس أو لمس إمرأة غيرها ليأتى راسل هادما لمعتقده
أنا أسف يا إبنى على كل اللى عملته فيك أسف
نطق بها رياض بسهولة فظن راسل أنه سمع كلمة الأسف سهوا منه إلا أنه أعادها مرارا وتكرارا فمن يرى رياض النعمانى الآن لن يصدق أنه يقدم إعتذاره وأسفه بتلك السهولة ولكن كأن أسفه كان مرضيا لراسل
فأجابه بهدوء
كفاية إعتذار وإن كان على أن أسامحك أو لاء فإحنا عايشين مع بعض والأيام كفيلة تصلح اللى أتكسر بينا
حتى وإن كان تعبيره عن مسامحته له تم بطريقة مبهمة إلا أن ذلك كان كافيا لأن يجعله يشعر بالراحة والهدوء فبعد أن أبتعد راسل عنه إبتسم له وهو يقول برجاء
طب خليك أنت وبنتك هنا على طول ومتمشيش يعنى مش تقعد فترة وتمشى لاء عايزك تفضل هنا على طول فى قصر النعمانى ولو عايز هدورلك على مراتك وأرجعهالك
عند عرضه الأخير له أغلق راسل عيناه متمتما پألم
مش عايزك تدور عليها ولا ترجعها حتى إختارت وخلاص وبالنسبة لوجودى هنا
حرك راسل رأسه بالإيجاب فرد مستطردا بالموافقة
متخافش خلاص مبقتش حابب أمشى من هنا وأرجع البيت هناك علشان ....
بتر حديثه على الفور فهو لن يستطيع العودة لمنزله القديم حتى لا يقيم بمكان كانت هى متواجدة به وتظل الذكريات تؤلمة وتجلده بسوط الهجران والأسى فهناك كل ركن بالمنزل كان شاهدا على عشقه لها فكيف يضع جنبه على فراشهما وهى ليست جواره فبالقصر هنا لم يتشاركا شئ سويا لم تقيم معه تحت سقف ذلك القصر ولم تشاركه فراشه الجديد فهنا لن يجد بصمتها على كل ما يحيط به
فحتى إن حاول الهروب من أثرها فكيف يمحو أثارها بقلبه فتلك الشجاعة المزيفة التى يزعم أنه يملكها وأنه قادرا على تخطى الصعاب دليلا واضحا على أنه واهم إذا ظن أنه سيستطيع أن يتأقلم على غيابها عنه فإن كان تجاوز الأمر بعد زواجه الأول فهو متيقن من أنه لا يستطيع فعل ذلك الآن فعشقه لها فريد من نوعه فحتى الآن لا أحد يعلم بأمر تسلله من القصر ليلا للبحث عنها لعلها تكون عادت للإسكندرية ثانية ويعود مع أول ظهور خيوط النهار فلم يترك مكان من تلك الأماكن التى كانت ترتادها دائما إلا وبحث عنها فعلى الرغم من علمه بأنها خارج البلاد إلا أنه يخرج بأمل من أنها لم تتحمل الفراق وعادت سريعا ولكن صورها التى ترسل إليه كانت كافية لجعله يأنب نفسه على الانجراف خلف أوهامه
_______________
لم يكن الأذن الممنوح له من الطبيب برؤية أبيه عن قرب بغرفة العناية الفائقة لا يتعدى الإطمئنان عليه فيما لا يزيد عن خمس دقائق فالطبيب يراه يأتى يوميا لزيارة أبيه وتفقد أحواله الصحية التى لم تنبأ بخير سوى أنها تؤول من سيئ لأسوء فعمرو كأنه لا يعى حتى الآن كيف بمشادة كلامية بينهما أظهر بها حقيقته تجعل أبيه يرقد بالمشفى بين الحياة والمۏت فكل يوم يأتى ويأمل أن يخبره الطبيب بأن أحواله أخذة بطور التحسن ولكن لا يسمع سوى أن الوضع لا يبشر بالخير بل يجب عليه أن يتهيأ للأسوء
جر مقعد حديدى خاص بالمشفى وجلس بجوار الفراش بتردد أخذ يد والده فتلامسهما سويا والذى أسفر عن شعور عمرو ببرودة تنطلق بسائر جسده جعله يعيد يد أبيه بجانبه مرة أخرى
دقق عمرو النظر بوجه أبيه وهو يقول كأن صوته لم يعد به حياة أو شعور
طولت أوى يا بابا حتى لما رجعتلك بعد السنين دى كلها هربت منى برضه كأننا مش هنتقابل أبدا كأب وإبنه تعرف إن أستنيتك كتير علشان تيجى تاخدنى أو حتى تبين أن أنا إبنك وأنك حابب أن أعيش معاك بس أنت ما صدقت وسبتنى سبتنى لواحد قذر هو اللى يربينى ودلوقتى أنا اللى سيبت نفسى للشيطان بقيت ماشى على خطاك مش بتقولوا من شابه أباه فما ظلم أهو أنا كمان أبتديت فى طريق الظلم فوق قوم وقولى إيه رأيك فى اللى عملته قوووم
صړخ عمرو بصوت عالى ودمعت عيناه فإنكفأ باكيا ورأسه منحنى على طرف الفراش ولكن شعر بملمس أصابع على ذراعه فرفع رأسه بسرعة ونظر لأبيه
فأتسعت مقلتيه وهو يرى أبيه يحاول فتح عيناه ببطئ فكلما حاول فتحها عاد وأغلقها ثانية فظن عمرو بالبداية من أنه يتوهم أن أبيه فتح عيناه ولكن صوت همهمة خاڤتة تسللت لمسامعه من فم أبيه وهو يناديه بعدما سحب قناع الأكسجين الموضوع على أنفه وفمه
عمرو
أقترب عمرو بوجهه من وجه أبيه قائلا بدهشة
بابا أنت فوقت خلاص هنادى للدكتور
عندما حاول عمرو الابتعاد شد فواز على يده قدر قوته الواهنة من رقوده بالمشفى فخرج صوته ضعيفا
إسمعنى يا عمرو دلوقتى لازم تبعد عن الطريق اللى أنت ماشى فيه مش لازم تكمل فيه لأنه هيقضى عليك يا إبنى أنا زمان سلمت نفسى للشيطان وعضيت الإيد اللى أتمدتلى وأتسببت فى خړاب بيت بأكمله
زوى عمرو حاجبيه متسائلا
خړاب بيت! مش فاهم تقصد ايه قصدك أنك طلقت ماما وسيبتى أنا كمان
هز فواز رأسه بضعف فقال پألم
مش أنتوا بس لاء الراجل اللى كنت شغال عنده ووقعت فى غرام بنته وكنت عارف أن من المستحيل أنها تكون ليا وخصوصا أنها مخطوبة وبتحب خطيبها الڼار ولعت فى قلبى زيادة حاولت أفرقهم شككتها فيه وخليتها تشوف بعينها أنه بېخونها مع واحدة تانية وهو فى الأساس مكنش واعى للى بيعمله وأنا اللى زقيت عليه الست اللى كانت معاه علشان
متابعة القراءة