رواية عشقك من 35-38

موقع أيام نيوز

٣٥ 
حركة بؤبؤ عينيها داخل محجرهما كمن تبحث عن شئ مفقود جعل هبة تشعر بالقلق من أن تكون تعانى سوء أو مكروه فهما لم تتقابلا ثانية منذ تلك المرة التى ذهبت إليها بمنزل زوجها من أجل أن تتقاسما إرث خالها
سحبت هبة يدها من على كتفها وأسرعت بضمھا إليها كمن علمت أنها بحاجة للشعور بالأمان الذى من الممكن أن تقدمه لها بحكم تلك المودة والمحبة بينهما فإستكانت حياء بين ذراعيها مستندة بذقنها على كتف هبة وتنظر لوالد زوجها الواقف بمكان ليس ببعيد
هبة أنتى بتعملى إيه هنا أنتى وأخوكى  
هتفت حياء بسؤالها وهى ترتد بخطواتها للخلف لتفسح مجالا بينهما لترى كل منهما الأخرى بوضوح فتفرست بوجه شقيق هبة ذلك الفتى اليافع والخجول والذى ما أن أتت على ذكره حتى أطرق برأسه أرضا بعد أن أصطبغ وجهه بجمرة قانية ناتجة عن شعوره بالخجل
أجابتها هبة وهى تداعب رأس شقيقها بإبتسامة حانية 
كنت جاية بخصوص موضوع الحاډثة بتاعة وحيد لأن عرفت أنهم قبضوا على اللى ضربه بالعربية فجيت أنا والمحامى أتابع الموضوع علشان وحيد لسه مش بيقدر يخرج ولا يقف على رجليه فأخويا شبط ييجى معايا فجبته وسبت أخويا التانى مع وحيد فى البيت
رآت حياء بوضوح ذلك الحزن الذى سكن عينيها وحروفها وهى تذكر زوجها فرفعت يدها تربت على ذراعها بمواساة ولكن قبل أن تخرج الكلمات المواسية من بين شفتيها الجافتين سبقتها هبة وهى تقول متسائلة 
بس هو أنتى بتعملى إيه هنا يا حياء خير 
آتاها هذا السؤال من هبة بنبرة قلقة فإن كان والد زوجها حرص كل الحرص على عدم إفشاء الصحافة لما أصاب ولده فهى لن تستطيع الكذب عليها فسحبتها من ذراعها ووقفتا بأحد الأركان الهادئة نسبيا نظرا لحركة النشاط بالمكان وقصت عليها كل ما حدث لزوجها وكل كلمة تنطق بها تجعل عينى هبة تزداد إتساعا بل لم تكتفى بذلك بل شهقت وهى تضع يدها على فمها حتى لا يسمعها أحد وهى تبدى تعجبها مما تسمعه
جف حلقها وهى تقول بنبرة متقطعة 
ييا خخبر أبيض كل ده حصل لدكتور راسل ربنا يردهولك بالسلامة يا حياء
مسحت هبة وجهها كمن شعرت بحرارة مفاجئة فأنتباها الحزن على ما تلاقيه حياء بحياتها فهى لا تدوم سعادتها طويلا 
قبضت هبة على كف حياء وضغطت عليه بحنان وقالت وهى تعمل على محو دمعة أنزلقت من عيناها 
حياء لو محتاجة أى حاجة يا حبيبتى قولى متتكسفيش أحنا أخوات وانا تحت أمرك
أشرقت بسمة على شفاه حياء التى لم تذق بالأيام الماضية سوى ملوحة دموعها النازفة على خديها من كثرة بكاءها وإفتقادها لزوجها
فرفعت يدها الأخرى مربتة على ظهر يد هبة 
تسلميلى يا هبة أنا مش محتاجة غير دعواتك ليا وبس أن ربنا يعدى الأزمة دى على خير
إن شاء الله يا حياء ربنا هيفرج كربك بإذن الله
قالت هبة بأمل من أن يجيب الله دعاءها فسمعت صوت المحامى الخاص بها يناديها فأعتذرت مغادرة وأخذت شقيقها مع تركها وعدا لحياء بأنها ستزورها قريبا
رحلت هبة فأستندت حياء على الجدار بجانبها فمالت برأسها عليه وأغمضت عينيها تبتهل  لله بداخلها أن لا ينتهى اليوم إلا وراسل عائدا معها إلى منزلهما فكأنها حرمت على أجفانها النوم وهو بعيد عنها فإن غفت ساعة واحدة تستيقظ بفزع وهى تناديه حتى بعد ذهابها لمنزل أبيه تقضى نهارها باكية وليلها مسهدة و شاكية لربها 
______________
توقفت عجلات القطار وأصدرت صوتا بإحتكاكها بالقضبان الحديدى جعله يعى أنه وصل لوجهته أخيرا بعد أن ظن أن القطار سيظل يسير طوال العمر ولم تكن وجهته سوى تلك المدينة الأثرية والعريقة المسماة مدينة الأقصر تلك المدينة التاريخية الزاخرة بالأثار الفرعونية القديمة والتى شهدت على بناء حضارة من أعرق الحضارات التى شهدها العالم
أخذ حقيبته الموضوعة على الرف أعلى رأسه وجرها خلفه حتى وصل لباب المقصورة مد قدمه بتردد كأنه يخشى أن تطأ قدميه الأرض بالخارج ولكنه حسم أمره بالاخير بعدما سمع صوت فتاة خلفه تصيح به بنفاذ صبر
ما تخرج بقى يا أستاذ هو أنت خاېف تنزل من القطر مش ناقصين تأخير
إلتفت كرم لمصدر الصوت فرآى فتاة تحمل حقيبة بيدها وأخرى على ظهرها كمن هى ذاهبة لرحلة إلى مخيم ويبدو على وجهها علامات الضيق والنزق
قال كرم بلهجة المعتذر 
أنا أسف يا أنسة أتفضلى
أمعنت الفتاة النظر برماديتيه فلم تفعل شيئا سوى أنها أماءت برأسها وهى تعمل على إبتلاع لعابها وتلك الكلمات التى كانت على وشك قڈفها بوجهه فصوته الدافئ والمعتذر ووسامته التى لم تستطيع نكرانها جعلا من الصعب عليها أن تستمر بإظهار خشونة صوتها وطبيعتها بالتعامل مع الأخرين بإسلوب جاف وخالى من الكياسة
أفسح لها كرم الطريق حتى تستطيع الخروج فبعد إطمئنانه لخروجها من القطار أخذت حقيبته وهو يتبعها فبعد خروجه للشارع أسرع برفع يديه ليشير لسيارة أجرة فوقفت السيارة بالمنتصف بينه وبين تلك الفتاة التى كانت على وشك الشجار معه
فخرج السائق من السيارة وقال بتساؤل وهو يوزع نظراته بينهما 
أنتوا الاتنين شاورتوا للعربية بس مين اللى هيركب فيكم
نظر كرم والفتاة لبعضهما البعض فقبل أن تقول شيئا كان هو حاسما الأمر فرفع يده يشير لها بالدخول للسيارة 
أتفضلى أنتى يا أنسة
تبسمت الفتاة بهدوء ووضعت حقائبها بالسيارة فقبل أن تأخذ مكانها بالمقعد الخلفى نظرت إليه شاكرة إياه لطفه فرد إبتسامتها بإبتسامة هادئة وبضع كلمات تعبر عن أنه لم يفعل سوى ما يقتضيه الذوق
فبعد رحيل السيارة بالفتاة وقفت سيارة أخرى بالقرب منه وسأله السائق 
عايز تاكسى يا أستاذ
حرك كرم رأسه بالإيجاب وأستقل السيارة وأخبر السائق بالعنوان المفترض به أن يصل إليه والذى لم يكن سوى منزل أحد أقارب والده والذى هاتفه يخبره بضرورة تدبير شقة له ليستأجرها بعد أن تم نقل عمله لإحدى المدارس الثانوية الخاصة بالفتيان فهو لم يريد العمل بمدارس خاصة بالفتيات ثانية
صف السائق السيارة أمام منزل قديم ولكن مازال رونق الألوان والرسومات الفرعونية تنطق على جدرانه بعظمته فناول كرم السائق نقوده وأخذ حقيبته فرحل السائق وصعد كرم الدرج الصغير حتى وصل أمام الباب
مد يده ليدق الجرس فأسرع فتى صغير بفتح الباب وهو يقول بضحكة صاخبة 
هااا فتحت الباب قبل ما ترن الجرس
إبتسم كرم على جملة الصغير فداعب رأسه وهو يقول بصوت هادئ 
جدو فين يا عسل أنت
ركض الصغير لداخل المنزل وهو يصيح 
جدى جدى فى واحد عايزك
نهض رجل أشيب من على أريكته الخشبية العتيقة فأخذ عصاه يستند عليها حتى وصل للباب فتهلل وجهه وفتح ذراعيه مرحبا بقدوم كرم 
يا ألف أهلا وسهلا يا ولدى أتفضل
بادله كرم ترحيبه بترحيب أكثر حرارة فشد من إحتضانه وربت على ظهره عدة مرات قبل أن يطلق سراحه من بين ذراعيه فعاد مكملا لحديثه
دا الأقصر كلها نورت يا ولد الغالى
تسلم يا حاج سويلم دا نورك وأسف لو كنت أزعجتكم 
نطق كرم بعبارته وهو يسير بجوار سويلم حتى وصلا لغرفة فسيحة يطلقون عليها المضيفة 
فتبسم له سويلم وربت على كتفه وهو يقول بحنين 
الله يرحمه أبوك كان غالى عليا أوى ونشيلك فوق الراس ثوانى وجايلك
خرج سويلم من الحجرة فجلس كرم بإستحياء وهو يستطلع الصور المعلقة على الجدار وأثاث الغرفة فلمح ذلك الصغير الذى أطل برأسه وعاد يختبئ ثانية
فأشار له كرم بالاقتراب قائلا بلهجة ودية 
تعال أنت عمال تستخبى منى ليه تعال إسمك إيه
تقدم منه الصغير بخجل فبإقترابه منه رفعه عن الأرض ووضعه على ساقه فرد الصغير قائلا بصوت خاڤت 
إسمى سويلم زى جدى
قبله كرم على وجنته وأخرج من جيبه نقودا وأعطاها له ولكن الصغير رفض أخذها بل أنه فر هاربا من الغرفة وهو يرى جده يعود ثانية فبعد أن أخذ كرم ضيافته كاملة أصر على الحاج سويلم بأن يدله على تلك الشقة التى سيستأجرها
فخرجا من المنزل وسارا قليلا حتى وقفا أمام منزل مكون من طابق واحد فقال الحاج سويلم وهو يشير بعصاه 
البيت أهو يا ولدى ومتقلقش من أى حاجة دى بيتى برضه
لم يكن يعلم كرم أن المنزل مملوكا للحاج سويلم فأصر أن يدفع ثمن إقامته به فقال بإلحاح 
حتى لو بيتك يا حاج سويلم أنا هدفع إيجاره زيى زى الغريب وأرجوك مترفضش وإلا هشوف أى مكان تانى
وه إيه دماغك الناشفة دى عاد خش يا ولدى وأرتاح ونبجى نتكلم بعدين 
قال الحاج سويلم بصرامة فتبسم كرم على قوله فهو تارة يتحدث بلغة أهل الصعيد وتارة أخرى يحدثه بلهجته فعلى الرغم من بساطة مظهره إلا أنه رجل ذو شأن ببلدته وليس هذا فقط فزواجه من تلك المرأة الألمانية التى أغرمت به أثناء زيارتها للأقصر كانت قصة تتغنى بها الألسن من وقوع إمرأة أجنبية بحب رجل صعيدى بل أنها أنجبت له ولده الوحيد وتوفت بعد ذلك ورفض هو الزواج من أنثى غيرها وفاءا لهذا الحب
ولج كرم المنزل وجد كل شئ مرتب ونظيف ووجد مبرد الطعام ممتلئ بالخضروات والفاكهة واللحوم وكل ما يلزمه فدلف لغرفة النوم ووضع حقيبته فهو بحاجة لحمام دافئ يزيل به عناء السفر وشعوره بالتعرق
فأثناء فتح حقيبته وجد أول شئ يطالعه صورة هند ولا يعلم لما يصر على تعذيب نفسه وهى من كانت بين يديه بل أنها كانت راغبة به وأعلنتها صريحة ولكن هو من قطع كل الجسور بينهما فرفع الصورة وحدق بها لحظات حتى قرر وضعها تحت وسادته وأخذ ثيابه وولج للمرحاض وعقله لا ينفك عن التفكير عن ماسيكون حالها بعد فراقهما فهل هى صادقة بإعترافها بحبه أم ستنساه بأول فرصة ستتاح لها لنسيانه وتعود لحياتها السابقة 
_______________
داخل غرفة وكيل النيابة و بعد قضاء المحامى وقت لا بأس به يعرض ما لديه من إثباتات وأدلة توحى بأن قضية القټل كانت من تدبير أخرين للإيقاع براسل أعاد وكيل النيابة النظر بشاشة الهاتف لمشاهدة ذلك الفيديو الخاص بجلسة نادر ونصر وهما يفشيان جوانب إرتكاب چريمة قتل سعيد كاملة من أنهما عملا على إرسال رجل متنكرا بلباس طبى ويضع على وجهه قناع كالذى يستخدمه الأطباء والعاملين بالمشفى فهما كانا يراقبان كل غدوة وروحة لراسل فبعلمهما أنه تشاجر مع أحد من العاملين لديه أسرعا بإرسال قاټل مأجور لإنهاء المهمة سريعا قبل أن ينتبه أحد على شئ
فبعد إطمئنان الرجل لوجود سعيد بالمشفى لأخذ متعلقاته بعدما أصر راسل على تركه العمل وألقاه خارج مشفاه وعاد

تم نسخ الرابط