رواية عشقك من 11-14
المحتويات
بالحجم المتوسط فتبسمت عندما تذكرت أنها كانت دائمة العبث بأرقامها متفكهة بذلك أنها تريد أن تعلم كلمة السر الخاصة بها فتتعالى ضحكات عرفات على ما تفعله يخبرها أنها هى الوحيدة التى تستطيع فتحها فالرقم السرى هو رقم يوم مولدها المدرج بشهادة الميلاد
برغبة طفلة صغيرة أرادت تذكر كيف ستتمكن من فتحها فبعدة خطوات بسيطة بتحريك مؤشر الخزنة بالأرقام التى تعلمها عن ظهر قلب سمعت صوت تكة خفيفة تنبأها بنجاحها فى فعل ذلك
فتبسمت وأدارت المقبض المعدنى وفتحت الخزنة شعور بالاندهاش والصدمة حل على حواسها كاملة فهى ترى الآن عدة صفوف من النقود فالخزنة مملوءة بالنقود التى تم ترتيبها بالفئات العالية فالخزنة مكتظة بالنقود وبعض الحلى والمشغولات الذهبية كمن وجدت صندوقا لكنز قد تم إيداعه بعيدا عن أعين المتطفلين
وضعت يدها على فمها مشدوهة وهى تردد
معقولة دى فلوس بجد ولا أنا اللى بحلم علشان جعانة
بتلك اللحظة شكت بقواها العقلية من أن ما تراه ما هو إلا حلم ينسجه لها عقلها وعندما تمد يدها الآن ستجدها فارغة
ولكن ما تتحسسه بيدها لم يكن وهما أو سرابا فتلك نقود حقيقية والحلى الذهبية أيضا فمديحة لم تكن من هواة إرتداء المشغولات الذهبية على الرغم من أن عرفان كان يغدقها بها
فتلك الحلى الذهبية والماسية التى تركتها بالمنزل بعد رحيلها أخذتها قسمت تتزين بها فكم من مرة شعرت هى بالحزن والحسړة وهى ترى قسمت تتبختر وتتباهى بما ترتديه من إرث شقيقها وزوجته فمديحة لم يكن لها أشقاء أو شقيقات
أخذت حفنة من النقود تقلبها بين يديها لعلها تصدق أن ما تراه حقيقة أغمضت عينيها وهى تردد الشكر لله على عطاياه فتلك النقود هى من ستجعلها تطعم نفسها حتى تبدأ فى البحث عن عمل لتعيل ذاتها فهى يجب عليها التفكير بحياتها المقبلة فالنقود لن تكون كافية وباقية لتعيش بها طوال حياتها
تأففت تلك المراهقة من النظر لنفسها بالمرآة فلما هى مازالت بذلك الجسد الطفولى وأن مفاتنها كأنثى لم تظهر بعد فهى ترى صديقات لها بجسد ممتلئ فمن يراهن لا يصدق أنهن فتيات مازالن بطور النضوج ولكن هى بسبب نحول جسدها الشديد الذى لا تعرف له سببا غير إن والدتها الراحلة كانت هكذا بصباها وحتى ۏفاتها فلعل الأمر يعود للعامل الوراثى ولكن زوجة أبيها إمرأة بجسد متناسق وكم من مرة تركت عيناها للمقارنة بينهما الطرق المستمر على باب الغرفة جعلها ترتدى ثيابها بسرعة وذهبت للباب الذى حرصت على إغلاقه بالمفتاح حتى لا يقتحم أحد عليها الغرفة وهى تقف أمام المرآة بخلوة صنعتها لنفسها للتفتيش عن حل يمكنها من أن تكون فاتنة لجذب أنظار معلمها العزيز
فتحت سهى الباب وهى تبتسم بدون مرح
أيوة يا طنط خير فى إيه
ضيقت زوجة أبيها ما بين حاجبيها متسائلة
فى إيه يا سهى قافلة على نفسك الباب ليه كده
حكت سهى فروة رأسها وهى تقول
بذاكر يا طنط أنتى عارفة بقى فى ثانوى وكده والإمتحانات مبقاش عليها كتير والوقت بيجرى فبلحق ألم المنهج وعلشان كمان ولادك ما يدخلوش الأوضة ويزعجونى ويلعبوا فى كتبى ويشتتوا تفكيرى
عبست زوجة أبيها من ذكرها الدائم لشقيقيها بأنهما أولادها غير مقرة بذلك أنهما شقيقيها من أبيها فهتفت بها بضيق
هم ولادى دول مش أخواتك دايما تقوليلى ولادك ولادك هم جيباهم من الشارع مش أخواتك من أبوكى
قلبت سهى عينيها بملل ونفخت بضيق وهى تقول
بقول لحضرتك ايه يا طنط ممكن تسيبينى علشان أكمل مذاكرتى إذا سمحتى
يأست المرأة من أفعال تلك المراهقة التى لم تتقبل يوما أنها بديلة لأمها على الرغم من محاولتها فى مصداقتها فهى تراها أنها إمرأة مخادعة لزواجها من أبيها وهى من كانت الصديقة المقربة لأمها الراحلة فعقلها جعلها تستنتج أنها كانت طامعة بزوج صديقتها منذ البداية وأنتهزت تلك الفرصة بمۏت أمها وتزوجت زوجها
تركت سهى الباب وجلست خلف مكتبها الصغير وبدأت بفتح كتبها لعل زوجة أبيها تعلم أنها هكذا أنهت المناقشة والجدال بينهما فما كان منها سوى أن خرجت من الغرفة تغلق الباب بعد أن أخبرتها بضرورة تناول طعامها
نظرت سهى بهاتفها ووجدت أن الوقت مازال مبكرا على موعد ذهابها لدروس اللغة الفرنسية فهى تنتظر الموعد بترقب وشوق لرؤية كرم فلم تكفيها رؤيته بالمدرسة ولكن وجوم ملأ وجهها بعدما تذكرت صديقتها التى لن تتركها تنعم بحلمها الوردى وستظل توكزها من وقت لأخر لكى تغض البصر عن التحديق والحملقة بكرم
ذاكرت ما عليها من دروس وأدت ما عليها من واجبات حتى تثير إنتباه وإعجاب معلمها بفطنتها وبراعتها باللغة الفرنسية فكم تشعر هى بالفخر عند إشادته بذكاءها الحاد وأنها هى الطالبة الأفضل بين زميلاتها
فبعد أن رأت إقتراب الموعد قفزت من على مقعدها تتجه لخزانة ثيابها فوقع إختيارها على ثوب باللون الرمادى فأرتدته ووضعت حجاب على رأسها ولكنها ازاحته قليلا من مقدمة رأسها فظهر شعرها واضحا لكل من يراها فهى فكرت أن هكذا لن تأثم فهى مرتدية الحجاب تلك القناعة الغريبة التى أصابت جيلا بأكمله بأن بتلك الفعلة هى ترتدى الحجاب ولا حرج ولا ذنب عليها بأن يرى الناس مقدمة شعرها
بعد أن أنتهت أخذت حقيبتها على ظهرها وخرجت من الشقة هاتفت صديقتها التى سرعان ما وجدتها خارجة من البناية المجاورة
تبسمت لها ولكن ما كان من صديقتها سوى مد يدها تسحب للأمام حجابها المنزلق فعاتبتها بلين
كده يا سهى خارجة من البيت ونص شعرك تقريبا باين
أصابها الضيق من فعل صديقتها الذى رأته أفسد مظهرها الذى كلفها عناء الوقوف كثيرا امام المرآة فصاحت بها
يوووه حلو كده بوظتيلى الدنيا
تبسمت صديقتها بحزن وهى تقول
قصدك بسترك من فتن الدنيا يا سهى هو أنتى فاكرة أنك كده لابسة الحجاب يا حبيبتى الحجاب له احترامه هتلبسيه بما يرضى الله كان بها مش هتحترميه يبقى متلبيسهوش خالص مش ماشية وشعرك باين وتقولى على نفسك محجبة بلاش يا سهى حجاب الموضة ده اللى هيوديكى فى داهية
عملت يد سهى على ضبط الحجاب وهى تشعر بغليان دماءها من أقوال وأفعال صديقتها ولكنها لم تشأ أن تثار بينهما مشادة كلامية أو شجارا وتتأخران على موعدهما
بعد ذلك تأبطت ذراعها تجرها معها وهى تدمدم بسخط
دا كان يوم ما يعلم بيه إلا ربنا لما اتولدنا فى يوم واحد وأتصاحبنا يا شيخة يلا بينا
تبسمت الفتاة على قولها ولكنها لم تعقب على ما قالته فهى تعلمها خير العلم وتعلم أن خلف تلك الافعال والتصرفات الچنونية بعد الأحيان فتاة تشعر بالتخبط والحيرة فبرحيل والدتها فقدت مأمنها ومن كانت تبوح لها بالصغيرة قبل الكبيرة غير راغبة فى منح زوجة أبيها هذا الدور مكتفية بذاتها وبصداقتها لها فهى تحاول ما أمكنها أن تكون عونا لها على مجاهدة نفسها بتلك المرحلة العمرية التى تمر بها من تغيير رداء الطفولة برداء الشباب الزاهى الذى ربما يكون بعض الأحيان براقا يعمى الأبصار عن رؤية الأمور بعقلانية فعنفوان الشباب إذا لم تلجمه القيم والأخلاق صار فسادا يعيث فى الأرض خړابا ودمارا
فكم من مرة أخطأ كرم فى شرح الدرس حتى أثار غرابة الطالبات فهن غير معتادات على ذلك فذلك التيه الذى يشعر به يختبرونه منه لأول مرة فحاول نفض ذهنه عن تلك الأفكار التى تداخلت ببعضها البعض فمنذ مقابلته لراسل وماحدث له بيوم إحتفال هند بمولدها وهو يسير بمتاهة من إقدامه على تنفيذ ما قاله راسل بأن يستمر بحبه لهند وبين أن يتخلى عن ذلك ويفكر بالاڼتقام منها على إھانتها له
وصل لحافة صبره وطاقته على الإحتمال فعلا صوته قائلا بإرهاق
معلش كفاية كده ونكمل الحصة الجاية
لملمت الطالبات كتبهن يستعدن للمغادرة ولكن سهى لم ترتضى الرحيل إلا أن تكون أخر من يغادر فالوقت الذى خصصته لرؤياه لم ينقضى مثلما أرادت
فأقتربت منه تبدى إهتمامها وهى تقول
مالك يا مستر كرم حضرتك تعبان
رفع كرم وجهه بعدما كان يطرق برأسه أرضا فأستند بها على أحد كفيه مغمغما
شوية يا سهى المرة الجاية هعوضلكم الوقت اللى مكملش
طب حضرتك ....
قبل أن تكمل حديثها وجدت صديقتها تسحبها من ذراعها وهى قائلة بسرعة
ألف سلامة عليك يا مستر كرم
دفعتها حتى تتقدمها بالسير فكم تمنت لو تقذفها بالحقيبة فى وجهها البهى الطلة فدائما ما تفسد عليها أوقاتها فلم تأبه صديقتها لنظراتها الڼارية فأرادت إكمال إثارة ڠضبها
فأخرجت لسانها لإغاظتها وقالت
أحسن أحسن وهفضل أفسد عليكى كل حاجة بتفكرى فيها بعقلك الأهبل ده
فعقدت سهى ذراعيها قائلة بحيرة
بس أنا بحبه أعمل ايه يعنى بحب كرم بحبه
غفلت هى عن أن مكانه القريب منهما مكنه من سماع قولها فشحب وجهه على الفور بسماع قول تلك الفتاة فبما تهذى هى الآن ففكر أن كل ذلك التودد بصوتها لم يكن سوى شعورها تجاهه وليس إحتراما منها له كونه معلمها وهى تلميذته تيبست قدماه وتصنمت ملامحه وتلك الجملة التى تركتها تلك الفتاة قبل رحيلها تتردد بأذنيه مرارا و تكرارا
تشق مقدمة تلك السفينة الماء تطرحها على جانبيها كأنها تسابق الوقت والحقيقة فالوقت الذى أستغرقته بالوصول من اليونان إلى مصر وبالأخص مدينة الإسكندرية كان الأفيد لها هى تلك المرأة التى تقف تستند على السور المعدنى على سطح السفينة تنظر للماء المنجرف بفعل الأمواج وثقل محتوى تلك السفينة الضخمة شعرت ببرودة مفاجئة وكيف لا وهى من أقتربت من موطنها ذلك الوطن الذى هجرته منذ أعوام فتلك النسمات الرقيقة التى ما برحت ټضرب وجهها كلسعات خفيفة جعلت الدموع تتجمع بمآقيها هاتان العينان التى لا يراهما أحد إلا وقع صريعا ببحر عشقهما فهى من كانت يطلقون عليها فاتنة الإسكندرية ومن أجمل ما أنجبت من صبايا بتذكرها ذلك اللقب تبسمت شفتيها النضرتين كأن السنوات توقفت عندما كانت بالعشرين من عمرها ولكن تلك الشعيرات الفضية التى أختلطت بخصيلاتها النحاسية كانت الأدعى بتذكيرها بسنوات عمرها الأثنى والأربعون فلا يستطيع أحد رؤيتها إلا أذا كان قريبا منها فتلك الشعيرات هى دليلها الوحيد على مرور تلك السنوات فلم تنال من شئ أخر من جمالها
تطاير ثوبها حول كاحليها وشعرها سأمت من إعادة ترتيبه خلف أذنيها فالهواء كأنه سعيد بتخريب تسريحتها الأنيقة والوقورة خفضت وجهها تنظر لثوبها بشقيه الأبيض والأسود فالشق الأبيض بجانبها الأيمن والشق الأسود بجانبها الأيسر فربما هذا الثوب كان هو الأنسب لعودتها إلى الأسكندرية فهى عائدة بفرحة وخوف بسعادة وشقاء عائدة بكل شئ ونقيضه
فقبل أن تنسكب دموعها شعرت بيد دافئة
متابعة القراءة