رواية عشقك من 11-14

موقع أيام نيوز

بجسدها داخل معطفه السميك بدت كطفلة خائڤة حائرة أشبه للمتشردة منها لتلك الفتاة التى يعلمها فماذا حدث لها فإن كان أسرع فى مساعدتها بالخروج من قسم الشرطة بدون أن يوجه لها كلمة غير أنه أراد معرفة سبب القبض عليها فطار عقله بعدما أخبره الشرطى بتلك التهمة النكراء التى وجهها لها فبعد عدة محاولات إستطاع هو حل الأمر و اصر على أن لا يترك مكتب الضابط إلا وهى برفقته
ابتلع غصة خفيفة ألجمت لسانه منذ أن أستقلا السيارة فخرج صوته هادئا بتساؤل 
أنسة حياء أنتى كويسة هو مين اللى عمل فيكى كده وفين نادر هو مش أنتوا أتجوزتوا إزاى يسيبك يحصلك كده لأن الصراحة مش مصدق ولا كلمة من اللى قولتيها جوا
أنفرجت شفتيها الجافتين ولكن سرعان ما ضمتهما سريعا بعد تسرب عبراتها إليهما بديهيا ضمت معطفه الذى ڠرقت بين طياته ففاحت منه رائحة عطر ربما كان هو الأمثل بذلك الوقت حتى لا تفقد وعيها نتيجة لضغوطها النفسية العصيبة
ففغرت فاها تستنشق أكبر قدرا من الهواء قبل أن تقول بخفوت 
دكتور راسل أنا مقدرة مساعدتك ليا ووقوفك جمبى النهاردة بس أرجوك متسألنيش على حاجة والبالطو بتاعك أنا هبقى ابعتهولك على المستشفى
يأس من الحصول على جواب يشفى فضوله فأماء برأسه بهدوء سائلا إياها 
طب تحبى اوصلك فين أوصلك بيتكم
لاء
صيحة محتجة كانت هى الأسرع فى إجابته فزاد الشك بعقله فلم هى رافضة العودة لمنزلها قبل أن يفتح فمه للحديث سبقته هى القول 
لو سمحت هقولك على عنوان وصلنى ليه لو مش هزعجك
كأن تلك التى تحدثه ليست حياء التى لم تخلو مقابلتهما سويا من المشادات الكلامية طالقة العنان للسانها فى الرد على كل ما كان يشاكسها به فعلى الفور وافق على مطلبها فأخبرته بالعنوان المفترض به إيصالها إليه فقاد السيارة حتى وصل لذلك المكان الذى أخبرته به
فقطب حاجبيه وأخفض رأسه عبر الواجهة الزجاجية الأمامية للسيارة ليستطلع ذلك المكان الذى توقفت به
فألتفت إليها قائلا بغرابة 
معقولة أنتى كنتى عيزانى أوصلك هنا للمكان ده طب ليه 
١٤
سبق جوابها على سؤاله صوت المؤذن يردد آذان الظهر فى ذلك المسجد الكبير على مشارف ذلك الحى الفقير فصمتت تردد الأذان تنتظر أن ينتهى المؤذن فطفق يردد هو الآخر بصوت هامس وعيناه عالقة بهؤلاء الأطفال الراكضون خلف الكرة يحاول كل منهم النيل منها ليستطيع أحدهم ركلها بقوة ويكون مصيرها الاصطدام بمقدمة السيارة فالوقت الذى أستغرقها لتردد الأذان منحها السكون وبعض الهدوء وشئ من التفكير فى منحه إجابة تكون شافية وكافية حتى لا يبادر بسؤالها عن شئ أخر بإنتهاء المؤذن عادت هى لقول ما إستطاعت حبكه بعقلها فهى يجب عليها الحفاظ على البقية المتبقية من كبرياءها الذى كان على وشك الهدر والدعس بخسة ودناءة شكرى وزوجته المصون قسمت
فأزدردت لعابها قائلة بصوت هادئ 
المسجد ده كان بابا الله يرحمه بناه والحى ده كان مولود ومتربى فيه وكان معتز بحياته هنا علشان كده بنى المسجد وكمان ده
أشارت بيدها لمبنى ملحق بالمسجد عبارة عن طابقين فسيحين فبالطابق الأول لافتة كبيرة كتب عليها دار الحياء لتحفيظ القرآن الكريم والطابق الثانى شقة سكنية
فعاودت حديثها قائلة بإبتسامة حنين 
بابا بنى المبنى ده علشان الاولاد فى الحى يتعلموا حفظ القرأن والدور التانى شقة كنا بنقعد فيها فى شهر رمضان كنا بنقضى الشهر كله هنا بس من ساعة ما سافرت أمريكا أكمل تعليمى وأنا مجتش هنا إلا دلوقتى تقريبا كنت نسياه ودلوقتى أفتكرته وحابة أن أعيش الذكريات اللى كانت ليا مع بابا وماما هنا
إسترسلت بحديثها ظنا منها أنها تحدث ذاتها تقص عليه سبب بناء المسجد والمبنى تذكر نفسها بتلك الأيام الغابرة فهى لم تطأ ذلك الحى منذ سنوات فبخضم تلك المأساة والمعاناة التى واجهتها بالأونة الأخيرة غفلت عن ذلك المكان فهى لم يكن لديها الوقت الكافى لتعيد ترتيب حياتها بهدوء فكل الصدمات جاءت تباعا ولكن من لطف الله ورحمته بأن جعلها تتذكر ما كانت تنساه وبأن ذلك الحى سيكون مآواها الآن فالمحامى لم يأتى على ذكر تلك الشقة لكونها ملحقة بدار تحفيظ القرآن الكريم وبالمسجد فقسمت لن تهتم بذلك وهى من صارت تملك عدة منازل وبنايات سكنية فخمة تدر ربحا وفيرا
لماذا مازال عقله رافضا تلك الأسباب والمبررات فحتى صوتها الذى شابه الحنين لم يكن كافيا لإقناعه بإنها فتاة حنت لماضيها وجاءت لتستعيد ذكرياتها ولكن قبل أن ينبث ببنت شفة كانت هى الأسرع بفتح باب السيارة من جانبها وترجلت منها وأغلقت الباب سريعا
فهتفت به قبل أن تحث الخطى على الابتعاد 
مع السلامة يا دكتور راسل والبالطو إن شاء الله هبعتهولك
بخطوات قليلة وجدها تقطع المسافة بين السيارة وبين المبنى ورآها تلج للداخل فترجل من السيارة ووقف بجوار بابها لهنيهة وسرعان ما ولج للمسجد فتوضأ وأدى الصلاة خلف الإمام وبعد الانتهاء أقترب من إمام المسجد
فتبسم للرجل العجوز وجلس بجواره فتبسم له الإمام بدوره وعلم أنه يريد منه شيئا فسبقه القول قائلا بتساؤل 
خير يا ابنى شكلك عايز تسأل على حاجة
هز راسل رأسه بحركة خفيفة قائلا بفضول 
قولى يا شيخ هو المسجد ده ودار تحفيظ القرآن اللى جمبه فعلا اللى بناهم المرحوم عرفان الطيب
أيوة يا ابنى هو اللى بناهم وكمان فى شقة هنا كان هو ومراته الله يرحمها وبنته بيجوا هنا فى الشهر الكريم علشان كان بيقضى الشهر كله هنا وكمان كان بيعمل موائد إفطار للصائمين الله يرحمه كان راجل خير 
قالها الإمام وطغى على صوته الحزن بتذكره عرفان فرفع يده يدعو لله بالرحمة والمغفرة وعاد يدير مسبحته بين أصابعه فشكره راسل ونهض تاركا مكانه وخرج من المسجد رفع يده ينظر لساعته فوجدها تشير للواحدة ظهرا
فشهق بخفوت 
ياخبر أبيض دا كان فى عملية المفروض هعملها الساعة ١٢ والوقت أتأخر
أخرج هاتفه فوجده مغلقا لنفاذ شحن البطارية فطفلته لابد أنها تنتظره هى الأخرى فبدون تردد أخذ سيارته ينطلق للمشفى لتأدية عمله وهناك سيخبر وفاء بضرورة الذهاب لسجود لعدم تمكنه من فعل ذلك
أمام نافذة عريضة ..كانت تختفى عن الأنظار خلف الستار الأبيض فبعد أن دلفت للمبنى وصعدت الدرج تذكرت أنها لا تحمل معها مفتاح للشقة فقبل أن تندب حظها تذكرت نسخة المفتاح الاحتياطى التى كانت تضعها مديحة ببوتقة الكهرباء تواريها عن الأنظار وكانت تفعل ذلك تحسبا لنسيانها أو ضياع مفتاحها ففتشت حياء عنه ووجدته وأدارته بمقبض الباب وولجت للداخل تغلقه خلفها فضغطت على زر الإنارة فطافت عيناها بالصالة فالاثاث مرتب وبحالة جيدة ولكن ربما تكسوه ذرات الغبار أستندت على الباب بجسدها تغلق عيناها بشعور الإرهاق الذى سحق خلاياها وما تبقى لها من قدرة لا تعلم كم ظلت واقفة هكذا حتى قررت تحريك قدميها وأقتربت من النافذة التى مكنتها من رؤية الشارع بوضوح فقبل أن تزيح الستائر لتغيير الجو الخانق بالشقة لمحته وهو يستقل سيارته ينطلق بها
فأزاحت الستائر جانبا وفتحت زجاج النافذة وأبتعدت بعد ذلك قبل أن يراها أحد وهى مازالت بتلك الحالة الرثة والمزرية ذهبت لتلك الغرفة التى كانت مخصصة لها بالإقامة فيها فرأت الدمى المحشوة التى تراصت على الفراش وأيضا الأغطية التى ما أن رأتها شعرت بالنعاس يداهم جفنيها فهى لم تنم منذ البارحة بدون تفكير أرتمت على الفراش تسحب الأغطية على جسدها لتغفو قليلا فهى حتى لم تنزع عنها معطف راسل بمجرد وضع رأسها المثقل بالهموم على الوسادة حتى ڠرقت بسبات عميق لم يخلو نومها من إستعادة أحداث ليلة البارحة فتنكمش ملامح وجهها بتذكر جلوسها وسط السجينات اللاتى لم تنجو من شرهن إلا بحماية إمرأة لها ولكن تبدل ذلك الکابوس بحلم أخر فأنقبضت أساريرها وهى ترى نفسها راكضة بطريق مظلم لا تعلم إلى أين هى ذاهبة كأنه نفق ضيق فكلما زاد ركضها زاد النفق ضيقا حتى شعرت بجسدها يكاد يسحق بين جدارين مطبقان عليها من كل جانب فصړخت تنادى لعل أحد يساعدها فكلما أطبقت عليها الجدران زادت بمناجاة الله تنادى وتردد ما تيسر لها من القرآن الكريم فوضعت وجهها بين كفيها تبكى وتنادى ولم تشعر إلا بيد تربت على كتفها ونسمات عليلة تلامسها كمن جاءتها بعد يوم شديد الحرارة رفعت رأسها لترى من يربت على كتفها بذلك الحنان الطاغى فلم تستبين ملامحه جيدا
فهتفت به متسائلة 
أنت مين 
خلى بالك من الحية يا حياء
لم تسمع منه سوى تلك الكلمة ووجدت نفسها تنظر حيث تشير يده فرآت حية عملاقة تكشر عن أنيابها صوت فحيحها جعل الډماء تفر هاربة من عروقها فرأتها تزحف إليها  وكلما أقتربت زحفت هى بجسدها للخلف حتى دنت منها تفتح فمها ولكنها أستيقظت من نومها وهى تشهق بصوت مسموع كمن ظلت حبيسة بقاع البحر وحان وقت خروجها منه
وضعت يدها على صدرها بعدما هبت جالسة بالفراش وهى تردد 
بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
ظلت تتحسس وجهها وجسدها معقبة 
الحمد لله يارب أنه كابوس الحمد لله
نظرت حولها كأنها تتذكر أين هى الآن فالغرفة غارقة بالظلام بعدما كان يملأها نور الصباح فعلمت أن المساء قد حل الآن وربما هى نائمة منذ وقت طويل فنظرت للساعة المعلقة على الجدار وجدتها لا تعمل فزفرت بخفوت وأزاحت الأغطية عنها وتركت الفراش
وقفت بجوار الفراش تتحسس معدتها فتقلصات شديدة أصابتها ناتجة عن شعورها بالجوع ففكرت أن تتحمم أولا وتصلى ما فاتها من الصلاة ولتبحث عن شئ تأكله فتحت خزانة الثياب فظلت تجيل ببصرها تبحث عن شئ ترتديه فتلك الثياب كانت لها وهى مراهقة فالأن ربما لن يكون قياسها مناسبا ولكن لا حل أمامها غيرها فتناولت ثياب نظيفة وولجت للمرحاض قضت وقتها به وبعد أن أنتهت خرجت تعقص شعرها بمنشفة فوقفت أمام المرآة فرغما عنها تبسمت على مظهرها بتلك الثياب البيتية التى لا تصل لكاحليها ولا معصميها ولكن الشئ الوحيد الذى وجدته فضفاضا هو ثوب الصلاة فأرتدته وأدت ما عليها من صلاة
تلك الغرفة التى كانت مخصصة لعرفان وزوجته كانت هى الاولى بزيارتها لها لتفتش عن نقود فولجت الغرفة بسكون سرعان ما انتشر الضوء بالغرفة بعد ضغطها زر المصباح الكهربائي فتشت بالأدراج وأسفل الوسائد ولم تجد شيئا 
فجلست على الفراش تتحسه بيدها تنزلق دموعها بصمت فأتجهت بعد ذلك لخزانة الثياب الخشبية التى تحوى ثيابا لمن رحلوا عن عالمها تاركين إياها ټصارع الحياة وحدها
فتحتها من المنتصف فرأت تلك الخزنة
تم نسخ الرابط