رواية عشقك من 11-14
استغرقها الأمر عشر دقائق كاملة لتستوعب ما ألقاه المحامى عليها ذلك القول الذى كان أشد وقعا من الحجارة كمن تلقت صڤعة قوية أو دلو من الماء المثلج بليلة شديدة البرودة تزاحمت أفكارها وتداخلت ببعضها البعض تحاول الخروج من تلك الحړب الطاحنة بعقلها تريد الخروج ظافرة بشئ تقنع به ذاتها من أنها لم تسمع شئ خاطئ كالذى ألقاه عليها ذلك الرجل الكهل
طفرت شفتيها الباهتتين بصيحة خاڤتة مذهولة وهى تعيد ما قاله المحامى
مم مش بنتهم إزاى يعنى حضرتك بتقول إيه
لم يكن شحوب وجهها وأصفرار لونها كافيا لإقناع ذلك الجالس بجانبها من أنها لم تكن تعلم بهذا الشأن يشعر كأنه طعن بخنجر الخېانة وذهبت كل أماله وأحلامه هباءا منثورا لابد له من أنه يتخيل ما حدث أو أن ربما المحامى يمازحها قليلا
فتبسم نادر إبتسامة مذهولة وهو يقول
هو حضرتك بتهزر معاها ولا إيه لو بتهزر كفاية كده هى أعصابها تعبانة لوحدها
بادرت قسمت بالرد عوضا عن المحامى قائلة بلهجة المنتصر
لاء يا دكتور نادر اللى سمعتوه صح هى فعلا مش بنت أخويا دول جايبنها من ملجأ ومنعرفلهاش أهل يعنى زى ما الناس بتقول كده بنت حرام
بوصفها ونعتها لها بهاتين الكلمتين كمن أستلت سکينا حادا وأخذت بتقطيع جسدها إربا إربا غير عابئة بها أو تشعر بالرأفة تجاهها فقسمت نصبت نفسها قاضيا وجلادا لتصدر الحكم عليها بعدم أهليتها ومشروعيتها بأنها إبنة شقيقها لتعود وتنفذ بها الحكم من كلمات أشد قسۏة من كل نعت وصفة يوصف بها إنسان
أول من خصها بنظرة مؤنبة كان ذلك الرجل الذي لا يملك حيلة ولا حلا فهو كان المحامى الخاص بعرفان وصديقه أيضا ويعلم غلاظة قلب شقيقته
فلم يستيطع كبح كلماته التى أنطلقت من فمه كالسهام
أظن يا ست قسمت ميصحش كده وراعى برضه أنها أتربت وعاشت عمرها كله وهى فاكرة أنهم أهلها فمتجيش دلوقتى وتقوليلها كلمة زى دى دى مش ذنبها حاجة
فعاد وحول بصره لحياء التى أنهمرت دموعها على وجهها كسماء أذنت للسحب المختزنة بإفراغ أمطارها فإلى متى ستظل تبكى ربما للباقية المتبقية من حياتها
حاول أن يواسيها ولكن لم يجد ما يقوله سوى كلمات يعلم أنها لا تسمن ولا تغنى من جوع ولكن لا يملك غيرها
هدى نفسك يا بنتى وبطلى عياط دا كله أمر ربنا
بظاهر يدها جففت حياء عينيها فأبتلعت لعابها قبل أن تقول بإصرار
أنا عايزة أعرف كل حاجة حصلت وأنا بقيت بنتهم إزاى عايزة أفهم لأن مش فاهمة أى حاجة خالص
خلع المحامى نظارته ووضعها على الأوراق ضم كفيه يفركهما ببعضهما البعض فأخذ أنفاسه قدر إستطاعته قبل أن يبدأ بتذكر أحداث الماضى وماحدث منذ أثنان وعشرون عاما
عودة لوقت سابق
صيحات مټألمة وصړاخ يدوى بين أرجاء المشفى الخاصة بالولادة يقف عرفان وصديقه أمام إحدى الغرف يستمعان لصړاخ زوجته التى تضع مولودهما الأول بعد سنوات طوال من الانتظار لذلك الحدث السعيد
ربت صديقه على كتفه يحاول تهدئته ليكف عن الذهاب والمجئ برواق المشفى
إهدى يا عرفان أن شاء الله خير ومراتك هتقوم بالسلامة
رفع عرفان أكف الضراعة يدعو لله بأن يمن عليه بسلامة زوجته ومولوده وماهى إلا دقائق حتى ساد الصمت وسمعا صوت بكاء مولود
تتابعت أنفاس عرفان بالسعادة بعد علمه بأن زوجته وضعت مولودها ولكن عندما رآى الطبيب يخرج إليه بوجه شاحب بعض الشئ كمن يحمل له نبأ سيئ
ولكن لم يدع الطبيب حيرته تدوم أكثر فأخبره بما سينتوى فعله
حضرتك مراتك ولدت بس للاسف حصل ڼزيف جامد وحصلها مضاعفات ومضطرين نشيلها الرحم فأنا قولت أبلغ حضرتك
لم يكن لديه الوقت الكافى للتفكير بالأمر فهو ما يعنيه أن يأمن سلامة زوجته فأجاب الطبيب بلهفة
المهم مراتى تبقى كويسة يا دكتور أعمل اللى فيه الصالح
لم ينتظر الطبيب أن يعيدها عرفان ثانية فعاد للداخل يعمل على إنقاذ حياة مديحة بعد أن أخذ الإذن من ما يعنيه الأمر فالخبر السيئ رافق فرحته بأن صار لديه مولود صغير ولكن تلك إرادة الله ومشيئته فلن يبدى إعتراضا
جالسا على مقعد بجوار الفراش يراقب حركة زوجته المتململة فهى بدأت تفيق من تخديرها فتبسم بوجهها قائلا بحنان
حمد الله على السلامة يا حبيبتى
ضمت مديحة شفتيها الجافتين فخرج صوتها من بينهما خاڤتا وهى تسأل على الصغير
إبنى فين يا عرفان
نهض عرفان من مقعده وأقترب من مهد صغير فحمل تلك الصغيرة الجميلة النائمة وأقترب ثانية من فراش زوجته وضعها بين ذراعيها وهو يقول
قصدك بنتنا يا مديحة ربنا رزقنا ببنت زى القمر كلها أنتى
ضمت مديحة الصغيرة إليها وهى تقبل جبينها الغض فبدأت الصغيرة تلبط الهواء بيديها وقدميها يخرج صوتها مستاءا كمن لديها إعتراض على إفاقتها من نعاسها
فإزدادت إبتسامة مديحة وهى تداعب وجهها
هنسميها حياء يا عرفان
سعد الأبوين بالصغيرة على الرغم من الحزن الذى أكتنف قلب مديحة بعد علمها بأنها لن تستطيع الإنجاب ثانية فأسرع عرفان بتقديم العطايا والهدايا والمنح للعاملين على ولادة صغيرته
ليمر شهران كاملان وتبدأ الصغيرة رحلة معاناة مع المړض بعد إكتشاف الأطباء إصابتها بأمراض بالقلب حاول عرفان مرارا أن ينقذ الصغيرة حتى أنه بدأ بالاستعداد لمغادرة البلاد والرحيل لبلاد الغرب لمعالجة الطفلة ولكن إرادة الله حالت بين ذلك فبيوم فجع عرفان ومديحة بخبر إعلان الطبيب عن ۏفاة إبنتهما
يأس وحزن ملأ حياتهما وأصيبت مديحة بوعكة صحية ونفسية جعلتها طريحة الفراش لم يجد عرفان حلا أو مخرجا من ذلك الأمر
فتقدم له صديقه بنصيحة وهو جالسا برفقته
طب ما تشوفوا طفل يا عرفان تتكفلوا بيه وتربوه وأعتبروه أبنكم ويعوضكم
تغضن جبين عرفان بتفكير فهو يعلم أن لا يوجد بالدين الاسلامي ما يسمى بالتبنى فأجابه قائلا بإستنكار
أنت عارف أن التبنى حرام شرعا
ربت صديقه على ساقه وهو يحاول إفهامه مقصده
أنا مش قصدى تتبناه قصدى تكفلوه وتربوه
لقى إقتراح صديقه هوى بنفس عرفان فأخبر زوجته بما أقترحه صديقه فلم يلقى منها جوابا فهى تعيش مغيبة تتصرف بآلية وليست تلك هى زوجته التى كانت مفعمة بالحياة والنشاط
فأمام أحد ديار الرعاية للأطفال صف عرفان سيارته يصطحب زوجته وصديقه أخذ يد زوجته تسير بجانبه وعيناها جامدة وقسمات وجهها تنبأ بقدوم إحدى نوبات البكاء أثناء سيرهم بالحديقة تسمرت مديحة بوقفتها مما جعل زوجها يلتفت إليها ليعلم لما هى رافضة السير
فناداها بحنان وهو يقبض على كفها
مديحة مالك وقفتى ليه
رفعت مديحة يدها تشير بها تنسكب دموعها على وجهها وهى تلفظ حروفها بنحيب
بنتى أهى يا عرفان حياء أهى
نظر عرفان حيث تشير زوجته فرآى على مقربة منهم إمرأة يبدو عليها أنها تعمل بالدار تحمل رضيعة صغيرة تحاول أن تجعلها تكف عن بكاءها تهدهدها وهى تروح ذهابا ومجيئا بمكانها
قبل أن يفقه أحد منهم شيئا كانت مديحة تقترب من تلك المرأة وأخذت الرضيعة منها فظلت تقبلها بلهفة حتى أثارت غرابة المرأة ولكن ظنت المرأة أن ربما تكون هى أم تلك الصغيرة
فتبسمت بوجهها وهى تقول
هو حضرتك أمها طب كويس أن أنتم جيتوا علشان تاخدوها
زرعت مديحة الصغيرة بين ذراعيها تأبى أن يقترب منها أحدا أو أن يأخذها منها فأستجابت الصغيرة لحنان ذراعيها وغفت بعد بكاءها
وكل هذا وعرفان وصديقه ينظران لها ولما تفعله فأقتربت منه مهللة الوجه وهى تصيح بصوت مملوء بالسعادة
بنتنا أهى يا عرفان حياء رجعت رجعت لحضنى تانى
لم يكن من العسير بمكان أن تصير تلك الفتاة بحوزتهما لتنفيذ رغبة زوجته فى أخذ الرضيعة التى شاء الله لها بأن تكون بعمر إبنتهما المتوفاة حديثها وهكذا صارت الرضيعة إبنة لعرفان ومديحة
مسح المحامى دمعة فرت من إحدى عينيه على تذكر صديقه وعاد من سرد ما حدث ماضيا على صوت نهنهة حياء
فأخرج ورقة أخرى من بين طيات الأوراق ورفعها أمام وجه حياء وهو يقول بشفقة
دى ورقة التبنى بتاعتك من الملجأ
أخذتها منه حياء بأصابع مرتجفة تجيل ببصرها على تلك الورقة التى شابها الاصفرار ربما بسبب أحتفاظه بها منذ سنوات طوال ولكن سؤال أخر ألح عليها تريد منه إجابة
بمحرمة ورقية مسحت عينيها وأنفها وهى تتساءل
طب طالما أنا مش بنتهم ليه سمانى على إسمه وبقى اسمى حياء عرفان الطيب
تذكر المحامى تلك الخدعة التى أستطاع هو وعرفان ممارستها خشية من ظهور ابويها الحقيقين فزفر بتعب وربما بعض الندم وهو يجيبها
لما عرفان بيه الله يرحمه شاف مراته اتعلقت بيكى وهو كمان حبك زى بنته خافوا يظهر ليكى أهل ويتحرموا منك فأنا وعرفان بيه دفعنا فلوس وخلينا شهادة ميلاد بنته الحقيقية ليكى أنتى وخفينا شهادة ۏفاتها فبقيتى أنتى عايشة بهوية بنتهم وبشهادة ميلادها علشان أنتوا الاتنين كنتوا تقريبا نفس السن فخفينا من السجلات شهادة الۏفاة الحقيقية وبكده بقت حياء عرفان الطيب اللى مفروض انها ماټت بقت أنتى وشهادة الۏفاة الوحيدة اللى فضلت معايا أهى
أخرج ورقة أخرى تثبت صحة قوله أن من كانت تحمل إسم حياء عرفان الطيب قد وافتها المنية منذ ما يقرب من أثنان وعشرون عاما لتحيا هى بهوية مزيفة وبإسم فتاة أخرى
فعاد معقبا يبدى ندمه
أنا عارف أن اللى عملناه ده كان غلط بس حبهم ليكى خلاهم أتصرفوا كده وأنتوا كنتى عارفة هم بيحبوكى قد إيه لدرجة أن كان يوم كتب كتابك كان عرفان بيه طلب منى أن أجهز اوراق نقل نص أملاكه بإسمك وكان قايلى أجيبهم وأجى علشان يوقعها وكانوا ناويين يقولولك الحقيقة بس بعد ما يكون أمن مستقبلك بس أمر الله نافذ وحصلت الحاډثة وأنتى عرفتى كل حاجة دلوقتى
سبقها نادر بالحديث تلك المرة وكأن قسمت وشكرى ماهما إلا مشاهدان فقط بدون أن يتحدثان أثناء محادثة حياء والمحامى
فكسا إحمرار طفيف وجهه وهو يقول بثقة
بس كده حياء على الأوراق الرسمية بنته وتورث منه كمان ولا إيه يا حضرة المحامى
صيحة محتجة خرجت من جوف قسمت وهى تهب من مجلسها فبتخيلها أن يشاركها أحد بهذا الإرث الضخم جعلها تشعر بالسخط على من سيفكر فقط فى أن يأخذ منها ولو قرشا واحدا مما سيصبح بحوزتها
فبدون أن تعى كانت تقترب من نادر توكزه بكتفه بشئ من الجفاء والقسۏة معا
إسمع يا دكتور أنت اللى بتفكر فيه ده شيله من دماغك لو فكرت بس مجرد تفكير تعمل حركة كده ولا كده علشان تاخد مليم واحد بس ههد الدنيا على دماغك اه أنا أعملها أوى وبمنتهى البساطة هقدر أثبت