رواية عشقك الفصل من 18-20
المحتويات
منذ سنوات فلما عاد يخفق من جديد
ربما طرح هذا السؤال على ذاته بوقت متأخر فهو لم يشعر بعمق المشاعر التى غرق بها إلا بعدما وصلت للحافة ټغرق كل ماعداها من شعور بالكراهية أو المقت أو الرغبة بإكمال حياته مكتفيا بإبنته فقط
فتحاشى كل منهما النظر لوجه الآخر كأن النظرات ستفضخ خبايا النفوس وتلك المشاعر حديثة العهد بقلبين وجدا الراحة بعد عناء من المقاومة
وضعت أخر قطعة من ثيابها بتلك الحقيبة الصغيرة التى أتت بها صالحة فهى قضت هنا وقتا ليس بالكثير ولكنها تشعر كأنها قضت عمرا بأكمله فكيف ستعود لرتابة حياتها بعدما أعتاد على أن تفيق على صوت الصغيرة بالصباح أو تراه جالسا على رأس المائدة يتناول إفطاره قبل رحيله ولا يغفل عن أن يهديها إبتسامة تجعل قلبها ينتفض بين أضلعها كالعصفور وتفقده أحوالها قبل خلودها للنوم ولكن يجب عليها الرحيل فكما أخبرتها صالحة بأنه لا يحق لها المكوث هنا أكثر من ذلك
رجفة سرت بقدميها بسبب كبتها دموعها جعلتها عاجزة عن الوقوف فجلست على الفراش بجوار الحقيبة ووضعت يدها على فمها حتى لا يستمع أحد لبكاءها فطافت عيناها بالغرفة وبالفراش أيضا كأنها صارت تحفظ كل ركن بالغرفة فعلقت عيناها بصورته المعلقة على الجدار
فتركت مكانها ووقفت أمام الصورة تبسمت من بين دموعها وهى تقول
مين كان يصدق أن أنا أحبك كل الحب ده واللى كان يشوفنا يقول أن مش بعيد حد فينا يخلص على التانى
أفتر ثغرها عن إبتسامة وهى تتذكر كل المشادات الكلامية بينهما منذ أن قابلته أول مرة يأست من كتمان دموعها التى عادت وألحت عليها
فعادت للحقيبة تلملم ما تبقى لها من أغراض فكلما أسرعت بالخروج من هنا كان هذا أفضل لكليهما
سمعت طرقة خفيفة على باب الغرفة وصوته يناديها من الخارج فحملت الحقيبة وفتحت الباب بعدما عملت على محو دموعها حتى لا يراها
فتحت الباب وحاولت الإبتسام وهى تقول
كويس أنك جيت علشان أسلم عليك قبل ما أمشى
قطب جبينه من قولها فإلى أين هى ذاهبة فهو ليس له علم بما تنتوى فعله فنظر للحقيبة بيدها وتصاعدت نظرته لوجهها ثانية وهو يقول بغرابة
هتمشى تروحى فين يا حياء
خفضت وجهها أرضا تحاول بلع تلك الغصة بحلقها فقالت
هرجع بيتى أنا خلاص دلوقتى بقيت كويسة وخفيت وأنا مش لاقية كلام اشكرك بيه على اللى عملته معايا وملوش لازمة أن أفضل هنا أكتر من كده فشكرا على كل حاجة
لا ينتظر منها كلمة شكر أو إمتنان فهو لم يفكر بأمر رحيلها مطلقا و لا يريدها أن تذهب ويعود هو لما كان عليه سابقا فلم يتفوه سوى بتلك الكلمات
حياء خليكى هنا
هزت رأسها نفيا وقالت
مش هقدر أقعد تانى أكتر من كده خلاص فأرجوك سيبنى أمشى عن إذنك
تقدمت خطوة للأمام لعله يتنحنى جانبا ويجعلها تخرج من الغرفة ولكنه ظل كالسد المنيع حاجبا عنها رؤية شئ خارج إطار الباب
همت بفتح فمها ثانية لتقول شيئا ولكنها سمعته يقول
حياء تتجوزينى
19 "
أفلتت الحقيبة من بين أصابعها ساقطة على الأرض فأستقرت بجوار قدميها اللتان شعرت بهما بأنهما أصبحتا كالهلام ولم يكن سريان تلك الډماء الحارة بشرايينها كافية لوصف ما شعرت به بعدما سمعت قوله وتصريحه فهل أذنيها خدعتها وألتقطت حروف خاطئة لتفسرها هى على أهواءها المغرمة أم أنه حقا أدلى بإعترافه توا بأنه يريدها زوجة يقترن إسمها بإسمه فلن تكون مجهولة الهوية بل سيكون هو هويتها أصلها وموطنها
ولكن !
مهلا فالأمر ليس هينا كما رغب قلبها فكثير من الأمور يجب أخذها بعين الإعتبار فمثلا لما تقدم بعرضه للزواج منها بهذا الوقت تحديدا هل نابع من شعوره بالشفة هل يريد حمايتها كطفلة ضلت طريق العودة لمنزلها أم ماهو السبب الحقيقى لتفوهه بهاتان الكلمتان اللتان أصابت حواسها بشعوران متغايران منهما السعيد المختص بقلبها والضيق المتصل بعقلها فهى لا تريد منه شفقة ولا إحسانا فإن كان الأمر كذلك فهى لن ترتضى بأن تصبح له زوجة فما أقسى ذلك الشعور
أشاحت بوجهها عن مرمى بصره لعله لايرى إلتماع الدموع بعينيها وهى تقول
وعايز تتجوزنى ليه علشان صعبت عليك إن مبقاش ليا أهل ولا علشان إيه أكيد طبعا عمرى ما أقبل أتجوز شفقة
دموعها الخائڼة التى فرت من عينيها أسرعت هى بمسحها فاليته لم يأتى الآن وكانت رحلت هى بهدوء ولكن أن ترحل الآن ويرافقها عرضه لهو بالأمر الممېت فستظل تجلد ذاتها بمنطق القلب والعقل فقلبها لن يرحم كونها أنها أضاعت فرصة كتلك لتشبعه هياما من فيض الغرام والعقل سيصفها بالسخافة والحماقة لأنها وافقت وتصبح أسيرة إمتنانه فإن كان ما حدث لها مؤخرا أمات كل شعور بداخلها إلا انها لم تستطيع نسيان كبرياءها كفتاة نشأت على معاملة الجميع لها بأنها فتاة تستحق الأفضل بدون الحاجة لها بالشعور بالإمتنان أو الضعف من جانبها
قبل أن تعاود حديثها مرة ثانية قطع عليها الحديث وهو يقول بثقة وهدوء
وليه متقوليش أن عايزك تتجوزينى علشان أنا بحبك يا حياء
ران الصمت عليها بل أصبح ثقيلا كمن تحمل فوق رأسها حجرا يكاد يسحق عظامها فهل اليوم هو يوم المفاجأت من جانبه فبدأ الأمر بأخبارها برغبته فى الزواج منها متمما الأمر بإخبارها بأنه يحبها
رفعت يدها تتحسس جبينها فلعلها أصيبت بحمى مفاجئة جعلتها تتوهم الأمر برمته أم أنها تلقت ضړبة على رأسها أثناء عقابها من عاصم أدت لفقدانها شيئا من عقلها جعلتها ترى وتسمع أشياء ليس لها وجود
فنفضت رأسها تقول بنبرة مذهولة
هو اللى أنا سمعته ده بجد ولا أنا اللى بقيت أتخيل كتير الفترة دى
شقت إبتسامة شفتيه وهو يراها هكذا فهو لم يظن أن أعترافه سيجعلها تفعل ذلك ولكنه أراد لها المزيد فتلك المرة أكتسب صوته دفئا جعله يشدو بتلك الكلمة ثانية
أنا بحبك يا حياء بحبك مسمعتنيش
فغرت فاها لتهم بالرد عليه فوجدت سجود تقترب منها ووقفت بالمنتصف بينهما فأول ما استرعى إنتباه الصغيرة هى تلك الحقيبة بجوار قدم حياء
فتمعنت النظر بها ورفعت رأسها الصغير وهى تقول بصوت مرتجف
مامى أنتى راحة فين أنتى هتسافرى تانى وتسبينى
إستدارت لأبيها وشدت كف يده العريض وهى تقول بتوسل ودموع بدأت بالتساقط من زرقاوتيها فناشدته بصوتها الطفولى العذب
بابى قولى لمامى متسافرش تانى وتسيبتى يا بابى سجود هتعيط وتزعل و مش هتاكل تانى
أنحنى راسل إليها وجلس القرفصاء أمامها فمسد بيده على ذراعيها صعودا وهبوطا فحقا هو عاجز الآن على أن يعطيها جوابا يرضيها فمن بيدها القرار هى حياء ولا أحد غيرها وهو لا يستطيع أنها يجعلها تقبل به مرغمة فهى يريدها راضية وأن تأخذ وتعطى وتملأ قلبه حبا فهو لا يريد علاقة من طرف واحد مرة أخرى فبالسابق أتقنت صوفيا خداعه بالحب وأتضح الأمر أنه هو من تعلق بحبائل الهوى البالية
رأته حياء يرفع رأسه عن وجه إبنته وينظر إليها رأت بعيناه الحيرة ولكن كأن لسانه عاجزا عن التعبير فهى لن تستطيع نكران ذلك الشعور المفعم بالحب الذى أنتشر بحواسها بعد سماعه يخبرها إياها صريحة أنه يريدها زوجة من أجل حبه لها
أخرجها من شرودها وتفكيرها صوت
متابعة القراءة