روة عشقك من 43-46
أفترشا الأرض وأسند راسل ظهره للسور تتصاعد رأسها وتهبط تزامنا مع صعود وهبوط صدره وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه اللاهثة جراء وقوفه أمامها ليتلقى جسدها بين ذراعيه ويحول بين سقوطها من على السور فإختلال توازنهما سويا كان ولا شك سيودى بحياتهما معا فهى بإمكانها سماع دقات قلبه النابضة پخوف شديد وهى واضعة رأسها على صدره مستكينة وعيناها تتساقط منها الدموع فكلما تتذكر ما حدث معهما منذ برهة تعود وتقبض بيديها على كتفيه كأنها تريد التأكد من أنه مازال هنا وأنهما مازالا على قيد الحياة بعد ما كادا يسقطان بالحديقة فلو كان حدث هذا كانا سيلقيان حتفهما على الفور فالمسافة بين الأرض والسطح بعيدة وتقدر بعدة أمتار ليست بالقليلة
سالت دموعها على عنقه وهى ډافنة وجهها بتجويفه فقالت وصوتها مازال يرتعش پخوف
ليه كده يا راسل معقولة كنا ھنموت إحنا الاتنين دلوقتى
فصيحتها المنادية بإسمه لم تكن سوى صړخة خوف وهى ترى ظهره منحنى على السور تزيد هى من إحتمال سقوطه وهو متشبث بها بين ساعديه إلا أنها أسرعت بالابتعاد لتخفف من ضغطها على جسده فالله أنقذهما إذ كان السور بالإرتفاع المناسب الذى مكن راسل من إنقاذها وإنقاذ نفسه فإحتمال سقوطه كان وشيكا نظرا لطوله الفارع
أغمض عينيه بإرهاق قائلا بخفوت
الحمد لله أنها عدت على خير
أنتظر ريثما إستعادت هدوءها فحدق بها بتعبير مبهم وخشيت هى أن تمعن النظر بوجهه فكيف وصلا إلى تلك الحالة
فقال وهو يحل أزرار قميصه الأولى كأنه يشعر بالإختناق
يعنى فضلتى تستفزينى يا حياء وتعملى عمايلك دى لحد ما قربتى تجننينى وخلتينى فقدت أعصابى بس لو بتفكرى أن كان ممكن أذيكى بحاجة زى دى تبقى غلطانة
ردت نظرته لها وهى تقول بصوت جاف
كنت بتحاول تخوفنى مش كده علشان تبينلى أنك تقدر تأذينى فى الوقت اللى أنت عايزه يا راسل بس كده كان ممكن تموتنى
قبض على كتفيها وأبعدها عنه بجفاء فهو ممتعض من نفسه ومنها ومن كل ما يحيط به فأنفاسه صارت تسبب له الضيق فما بال رؤيته لنظراتها التى أشبعته إتهاما بأنه كان قاصدا بث الړعب بنفسها ولكن ليست تلك الحقيقة فهو كان يحسب حسابا لكل فعل يصدر منه بحقها وهو ليس معتوها ليجعلها تلقى حتفها هكذا فإن كان جعلها تظن ذلك فهو كان على علم ودراية بأنه قادرا على إنقاذها قبل أن يمسها سوء ولكن ربما أخطأ بتقدير طوله وأرتفاع السور لذلك كان من المحتمل أن يسقطا سويا
عبس راسل بوجهها وقال بإنفعال
لو اللى بتفكرى فيه ده صح كنت أنا كمان هقع معاكى يعنى مكنتيش هتموتى لوحدك وإحتمال كنت مت قبل منك وياريت ده كان حصل خلينى أخلص من حياتى اللى خلاص زهقت منها
ترك مكانه ونفض ثيابه من الأتربة العالقة بها وتركها جالسة مكانها وهبط الدرج مهرولا حتى وصل للحديقة رأى إبنته تركض هنا وهناك خلف هرة صغيرة إبتاعها لها بعد إلحاحها الشديد
فجلس أسفل إحدى الشجيرات وأسند ظهره ورأسه لها فأغمض عينيه يلعن نفسه مرارا وتكرارا على تفكيره وعلى تلك الحالة من الضعف التى سكنته
فلما يصر على تعذيب نفسه هكذا
أفمن أجل قلبه وذلك الشعور النابض به صار يلتمس لها العذر تلو الآخر فتارة عصبى وتارة يحاول ممارسة الهدوء وهى بكلتا الحالتين أفعالها لا تفى بالغرض المطلوب منها من أن تحاول إعطاءه الجواب الذى يريح قلبه وعقله ولكنها صارت متمكنة من تعذيبه بل تجعله يرقص على ألحانها فما عليها سوى إظهار وداعتها وتذرف بندقيتها الدموع ويجد قلبه ينشق لنصفين لمجرد بكاءها ولكن إلى متى سيظل ضعيفا قبالتها فحتما لو إستمرت بأفعالها تلك سيأتى الوقت ويتهدم كل شئ بينهما ولن يكون الإكتفاء بجلب زوجة أخرى بل ربما سيصير الفراق حتميا
شعر بثقل على ساقيه ففتح عيناه على الفور ووجد صغيرته تطالعه بزرقاوتيها الوديعة وهى تبتسم إبتسامة صافية من شأنها أن تنسيه همومه ولو مؤقتا
رفع كف يده العرض ووضع خصيلاتها الناعمة المنسدلة حول وجهها خلف أذنها فقبل وجنتها المكتنزة والمشربة بحمرة حفيفة تضفى عليها رونقا خلابا كقطعة الحلوى
رفعت سجود يديها ورمقت والدها بحب وناولته تلك الزهرة البيضاء التى قامت بقطفها من الحديقة وهى تقول بشغب طفولى محبب لنفسه العاشقة لها
بابى الوردة دى إسمها سجود مامى قالتلى كده
بعد ذكرها لحياء أختفت إبتسامته التى كانت تزين محياه منبسط الأسارير بعد تلك اللحظات التى كانت أشبه بالمحڼة
فعاد وإبتسم بدون مرح قائلا
أه يا روحى أنتى أحلى من الوردة وأنتى وردة بابى ودنيتى كلها
هى بس
هاتان الكلمتان الصادرتان من إيلين وصلت لمسامعه وجعلته يحيد بناظريه عن وجه إبنته ليمنح تلك المتحدثة إنتباهه على قولها
فبعد جلوسها بجوارهما رأت إيلين كيف كان جالسا يضم صغيرته كأنها جوهرة نفيسة أو كنز ثمين فبتلك المدة القصيرة التى عاشتها هنا إستطاعت معرفة قوة تلك الرابطة بينه وبين صغيرته ومتعجبة قليلا من أنه شغوفا بحب إبنته على الرغم مما حدث من والدتها الحقيقية بحقه عندما أخبرها بشأن زيجته الأولى
داعبت وجنة سجود التى إبتسمت لها وسرعان ما أخفت وجهها بصدر أبيها لشعورها بالخجل فإبتسمت إيلين بدورها وهى تقول بصوتها الناعم الرقيق
عسولة أوى سجود واللى عنده بنت زيها مظنش أنه يفضل زعلان ومكشر ومهموم كده على طول كفاية أنك تبص فى وشها الجميل ده وتنسى كل مشاكلك
ضم صغيرته إليه أكثر فهى محقة بشأن كل ما قالته ولكن قلبه مقسوم لشطرين أحدهما خاص بصغيرته والأخر خاص بمعشوقته العنيدة والتى لن تهدأ وتكف عن أفعالها إلا إذا صارا كندين متواجهان بحرب ضارية وربما تنتهى بنهاية أحدهما
قبلة رقيقة ومحبة وضعها على رأس صغيرته التى يبدو أنها تتهيأ للنعاس وعلم ذلك من كونها كفت عن حركتها المفرطة وأسندت رأسها لصدره بوداعة ولا تثرثر أو تحاول جذب إنتباهه مثلما تفعل
فناداها همسا
سيجو أنتى هتنامى يا روحى
حركت الصغيرة رأسها بالإيجاب فقالت إيلين وهى تمد يديها لحملها
أنا هوديها أوضتها علشان تنام
ما كادت إيلين تضع يديها على الصغيرة حتى وجدت يدان تمسكان بمعصميها بقوة وحزم فنظرت إيلين بجانبها وجدت حياء منحنية إليها تناظرها بعداء سافر تراه بعيناها لأول مرة منذ مقابلتهما
كزت حياء على أسنانها وقالت بتحذير وتحدى
متحاوليش تقربى من بنتى تانى مفهوم كفاية هسيبهولك هو متبقيش طماعة بزيادة
نفضت حياء يد إيلين ومازال راسل ينظر لها بتعجب ودهشة من هجومها الغير مبرر إلا تحت بند الغيرة فإن كانت تغار هكذا فلما تترك الأمور تأخذ ذلك المنحنى الخطړ
فأخذ راسل دوره من حدة حديثها حيث نظرت إليه وكأنه تأنبه على سرعة إيجاده من تأخذ دورها بحياته وحياة صغيرته فهتفت به بسخرية مبطنة
أنا لسه موجودة هنا وطالما أنا موجودة محدش يهتم ببنتى غيرى يا دكتور ماشى
حملت الصغيرة من بين ذراعيه ولفت سجود ذراعيها حول عنق حياء ووضعت رأسها على كتفها فزادت من ضم الصغيرة لها كأنها ترسل لهما رسالة بليغة من أنها هى فقط من رآت بها سجود صورة والدتها التى كانت تنتظرها دوما حتى وإن كانت الصغيرة لا تعى كون حياء زوجة أبيها وليست هى من أنجبتها ولكن يكفى حياء أنها قطعة من زوجها الحبيب والذى تعلم أنه وصل لأقصى درجات الڠضب من أفعالها ولكنها مجبرة على ما تفعله فلو كان الأمر سهلا لكانت أخبرته بكل شئ ولكن كل شئ سيتهدم إذا علم راسل خاصة وأنه عصبى المزاج بل يعانى من عصبية مفرطة قادرة على جعل الأمور أسوء
____________
لم يكن تلك المرة متشددا برأيه أن يمكث بالغرفة المنفصلة بالحديقة بل وافق على عرض خالته عندما أقترحت عليه أن يقيم بإحدى الغرف بالطابق الثانى من المنزل فأولا وأخيرا هى خالته وإبنتها مازالت زوجته حتى الآن لذلك صعد للغرفة بدون أن ينبس ببنت شفة فولج للداخل ودارت عيناه بأرجاء الغرفة كافة فمساحتها الفسيحة ربما تعادل مساحة شقته بذاك الحى الفقير وآثاثها الفاخر ربما لن يستطيع شراءه إلا بعد عمله بكد لمدة سنوات
فكل تلك الدلائل والظواهر تثبت له مدى الفرق الشاسع بينه وبينها وكأن ألف جدار بينه وبينها وليس جدار واحد كالذى يفصل بين الغرفتين
طرقت الخادمة الباب وهى تحمل له الطعام الذى أوصتها به سيدة المنزل الأولى ففتح كرم الباب متسائلا بتهذيب
إيه ده
تبسمت الخادمة وهى تقول بإحترام
حضرتك ده أكل الهانم الكبيرة قالتلى أجبهولك علشان لو حبيت تتعشى قبل ما تنام
أراد الرفض بالبداية إلا أنه شعر بالحرج من رد الخادمة بما تحمله من طياب الأكل فدعاها للدخول ووضعت الصينية على المنضدة وخرجت بعد أن سألته إذا كان يريد منها شيئا أخر قبل ذهابها وأجابها بأنه لا يريد سوى بعض أقراص الدواء لعل الصداع الذى ألم برأسه يهدأ قليلا فأخبرته أن بأحد الجوارير يمكن أن يجد ما يريده
ضغط على جانبى رأسه قائلا پألم
أه يا دماغى ايه الصداع ده دماغى ھتنفجر
فتش بالمكان المخصص لوضع الأقراص ووجد ما يريده فتناول الدواء وولج للمرحاض ووضع رأسه أسفل صنبور الماء لم يشعر بما يفعل إلا بعدما إبتل رأسه وتساقطت الماء على ثيابه فتناول منشفة وجفف رأسه وخرج من المرحاض
يا الله هدومى أتبلت وانا أساسا مش معايا هدوم
قالها بسخط وهو يخلع عنه قميصه وألقاه على المقعد حتى يجف
جلس أمام الصينية ونظر للطعام عدة ثوانى فبدأ بتناوله ببطئ وهو يفكر بوضعه الحالى وعندما شعر بالإكتفاء من الطعام والتفكير خرج للشرفة بعدما أرتدى قميصه الذى مازال رطبا من الماء ولكن هذا أفضل من أن يخرج بجزعه عاريا وهو ليس بمنزله
إسند ذراعيه على السور وأنحنى بجزعه العلوى ينظر للأشجار بالحديقة تارة وينظر للسماء تارة أخرى إلا أنه أسترعى إنتباهه صوت حركة بالغرفة المجاورة فالغرفتان متصلتان بشرفة واحدة
فسار بخطوات وئيدة حتى وصل لباب الشرفة الأخر المفتوح على مصراعيه ولم يكن يعلم أن تلك الغرفة تخص هند فوقف بجانب أحد شقى الباب الزجاجى ونظر بداخل الغرفة وجد زوجته تخرج من غرفة الثياب ترتدى ثياب النوم خاصتها والتى لم تكن سوى ثوب أسود قصير ورداء من اللون نفسه
فإن كان سبق ورآها بثياب مماثلة إلا أن تلك المرة كأنها تختلف عن سابقيها ولا يعلم مصدر تلك الحرارة التى غزت وجهه فجأة فرفع يده ومسح وجهه وكأن جبينه صار متعرقا بغزارة
أرتطمت يده بزجاج الباب فأنتبهت هى على الصوت قبل أن تستلقى على الفراش فإستدارت للخلف وحدقت به وهى تضم