رواية عشقك ج2 من 21-24
المحتويات
إرتداء سترته السوداء التى تضارب لونها مع قميصه الأبيض المفتوح قليلا أخذ قنينة عطره الفاخر ونثر منها على ثيابه التى توحى بمدى أناقته وثراءه اللامحدود وذوقه الراقى فى إنتقاء الثياب التى يحرص دائما على أن تناسب جسده الرياضى ووسامته الفجة الظاهرة للعيان خاصة بملامحه الأوروبية الصرفة فلو تحدث بالإيطالية أو أى من تلك اللغات الأجنبية التى يتحدث بها لن يشك أحد فى أمر أنه غربى الأصل والمنشأ ولكن الحقيقة خلاف ذلك فرغم قضاء سنوات طفولته ومراهقته وشبابه فى صقلية إلا أنه ما أن يتفوه بكلمة باللغة العربية وخاصة اللهجة المصرية العامية يجعل المستمع له يشك فى أمره ولطالما أثار ذلك الأمر حبا لديه كأنه مستمتعا بجعل من يقف أمامه فى حيرة من أمره إلا أنه ما أن تذكر معشوقته التى بصدد الذهاب الى منزل أسرتها الآن لإتمام خطبتهما
تمنى لو كان نشأ وترعرع هنا فى إسكندرية وأن يكون ألتقى بها منذ نعومة أظافرها لعل ذلك كان سيساهم بتغيير الكثير من الأمور فى حياته
دقائق معدودة ويراها أمامه وستظل له ما تبقى منه عمره وعند هذا الحد من التفكير شعر بأنه يحلق فى الهواء وأن قدميه لا تلامسان الأرض قضم سبابته ما أن تذكر تلك الطقوس الخاصة بالخطبة والتى لابد أن يكون على علم ودراية بها فحتما سيتوجب عليه أولا قراءة الفاتحة قبل البدء فى مناقشة أمور الزواج وهو لم يحفظ شيئا من القرآن الذى من المفترض أن يكون على علم به حتى ولو اليسير منه بحكم أنه شاب مسلم ولكنه وجد الحل سريعا إذ أخرج هاتفه وبحث عن فاتحة الكتاب وبدأ بحفظها وربما ساهمت سرعة بديهته فى أن يحفظ الأيات الكريمة
خرج من غرفته بأحد الفنادق الفاخرة لكونه لم يشأ أن يظل فى المنزل وتعلم حياء أو بيرى أنه لم يسافر كما سبق وزعم أنه سيسافر لأجل أمر هام قاد سيارته وهو مازال يردد أيات سورة الفاتحة ولكن كلما أمعن فى معنى الكلمات تنتابه حالة من الفضول لفهم معناها
وصل لذلك الحى الذى تقطن به محبوبته فخرج من السيارة وحمل الهدايا التى إبتاعها من أجلها هى وأسرتها ومن ثم ولج لداخل المنزل وضغط زر الجرس
فتح له والدها الباب قائلا بإبتسامة بشوشة
أهلا وسهلا يا إبنى أتفضل نورتنا
أنبسطت أساريره ما أن رآى إستقبال والد عروسه الودود له فإطمئن وولج للداخل ووضع ما بيده قائلا بإبتسامة عريضة
دا نورك يا عمى
إستقبله بلال هو الآخر مرحبا بقدومه ودعاه للجلوس فجلس على يساره بينما جلس أباه على يمينه فتمنى ديفيد أن تنتهى تلك الليلة بسلام خاصة وأنه صار جالسا بين والد ياسمين وشقيقها كأنه يجلس بين إثنان من المحققان واللذان يبدو عليهما أنهما لن يتركانه حتى يحصلان على ما يريدان من معلومات بشأنه وشأن عائلته وعمله وكل ما يمت له بصلة
حك بلال ذقنه ومن ثم قال متسائلا بتعجب لم يستطع إخفاءه بنبرة صوته
استاذ تميم أنت بتقول إنك غنى ورجل أعمال بس أنا لما سألت عليك ملقتش أى معلومات خالص حتى أنا تقريبا عارف معظم رجال الأعمال فى إسكندرية لأن بشتغل مع عاصم النعمانى حتى لما سألته أنه يعرف حد بالاسم ده قالى لاء
هذا ما كان يخشاه ديفيد فأى أحمق هو إن ظن أن أسرتها ستوافق على زواجه منها دون أن يحصلوا على المعلومات الكافية عن زوج إبنتهم المستقبلى ولم يكن ذكر إسم عاصم النعمانى يثير به الدهشة فهو سبق له معرفة ما يخص عائلتها سواء أبيها أو شقيقها أو والدتها
إبتسم ديفيد إبتسامة هادئة أبعد ما تكون عن تلك الفوضى التى ثارت بداخله من قول بلال فرد قائلا بثقة أجاد إستخدامها
استاذ بلال أنا قولتلكم أنا فعلا غنى ورجل أعمال بس مش هنا فى إسكندرية لاء فى صقلية إيطاليا وإن انا عشت عمري كله هناك لما أهلى اتوفوا فى حاډثة لأن جدتى أم بابا كانت من صقلية ولما كنت هنا فى اجازة مرة وشوفت الانسة ياسمين عجبتنى بس لما عرفت انها اتخطبت سافرت ورجعت تانى وكان ليا نصيب اشوفها تانى انا مكنتش برجع إسكندرية إلا اجازات كام يوم وبس بس دلوقتى قررت انقل شغلى كله هنا لو اتجوزت انا وياسمين لأن قولت كفاية غربة لحد كده ودلوقتى هيبقى عندى سبب أن استقر هنا بعد مكنتش طايق البلد علشان اهلى مش فيها حتى فى صقلية بدير شركة بإسم ديفيد دانيال وده إسم أخو جدتى والشركة كانت بتاعته وملوش ورثة غيرها واتنقلت الشركة ليا بحكم إن وريث جدتى ودى بطاقتى الشخصية أهى بإسم تميم
حاول إدماغ كذباته بدليل واضح وصريح من أنه لم يخبرهما سوى الحقيقة فأخرج هويته الشخصية وهاتفه من جيب سترته ناول الهوية لوالد ياسمين وبحث فى هاتفه عن إسم تلك الشركة التى يمتكلها وناول الهاتف لبلال ليستطلع على كافة المعلومات حول إمتلاكه لشركة خاصة بالإستيراد والتصدير
بس متأخذنيش ده مش دليل كافى إن يخلينى أتأكد من كلامك
قال بلال بصراحة متناهية فشقيقته أغلى ما يملك بعد أبويه لذلك لن يوافق على زواجها من أول رجل يطرق بابهم دون أن يتحرى كافة المعلومات عنه
ضيقا عليه الخناق بأسئلتهما التى لم يكفان عن طرحها وحاول هو قدر إمكانه أن يتحلى بالصبر حتى لا يقوم من مكانه وېصرخ فى وجهيهما بأنه لا يريد منهما سوى معشوقته حتى لو اضطره الأمر بأن يعطيهما كافة الضمانات القانونية اللازمة بأن يطمئنان على أنها ستحيا سعيدة ومدللة ومترفة بثراء لا حد له
ولم يلجم لسانه الذى أوشك على أن ينفلت عقاله سوى رؤيتها قادمة إليهم تحمل صينية المشروبات وتبدو وهى تسير كالعازفة على أوتار قلبه بألحان جعلته يأخذ أنفاسه بصعوبة وكأن ليس هناك سبيل من تفادى ذلك الشعور بالإشتياق والذى جعل عليه من العسير أن يتنفس براحة فكيف له أن يعثر على الراحة وهى باتت على بعد عدة خطوات منه ولا يفصلهما سوى منضدة صغيرة ولكن هناك عوائق أخرى لم يرد التفكير بشأنها الآن
أتت والدتها من خلفها وهى تقول باسمة
أهلا وسهلا بيك يا إبنى أتفضل
أشارت إليه بأن يأخذ كوب المشروب بعدما وضعت ياسمين الصينية على المنضدة وجلست بالقرب من أبيها تفرك يديها بقماش ثوبها وتتفادى النظر إليه ولكن إستطاعت تمييز رائحة عطره الفواحة خاصة أنها تعلم أى من العطور يستخدمها أبيها وشقيقها فزاد إضطرابها أكثر خاصة بعد تلك اللمحة الخاطفة التى ألقتها عليه ومن ثم عادت تطرق برأسها أرضا ولكن كانت النظرة كفيلة بأن تجعل حواسها تستيقظ فجأة وتعى على مدى وسامته وأناقته
فهمست بقرارة نفسها
إهدى يا ياسمين هو أه حلو ووسيم بس الحلاوة والوسامة مش كل حاجة بس إيه الاحساس الغريب اللى أنا حساه ده
يبدو أنها شردت بأفكارها وحديثها الصامت ولم تنتبه إلا على رنين جرس الباب فنهضت والدتها لترى من الزائر لهم فى هذا الوقت فتحت الباب بإبتسامة سرعان ما تلاشت شيئا فشيئا بعد رؤية من يقف أمامها حملقت فى وجهه مشدوهة ومن ثم نظرت إلى غرفة المعيشةلتطمئن أن لا أحد بإمكانه رؤيته
فعادت ببصرها إليه ورمقته بنظرة حادة وتساءلت بصوت خاڤت ملأه الجفاء والضيق والرغبة الشديدة فى أن ينصرف
أنت إيه اللى جابك هنا دلوقتى وعايز إيه
يتبع !!!!
أنار الله دروبكم وأسعد قلوبكم وفرج كروبكم ورزقكم سعادة الدارين
ج٢٢٤
جل ما فعله ذلك الواقف أمامها أنه راح يمسد على لحيته الطويلة والتى خالط سوادها المشيب ولكن رغم ذلك بدت نظراته قوية جامحة كذلك الجموح الذى تسبب فى إنشقاقه عن عائلته منذ سنوات طوال وصار منبوذا بينهم حتى أن لا أحد منهم صار يعترف برابط الډم الذى يربطه ويجمعه بهم على الرغم من أن هيئته تبدو للناظرين إليه من أنه شيخ جليل وقور ولا يعلم أحد ما يخفيه خلف ذلك الجلباب الأبيض واللحية الكثيفة وعلامات التقوى والورع التى تجعل من لا يعرفه يظنه أحد أقطاب علوم الدين والشريعة الإسلامية
خفض بصره عن وجهها وظل يتمتم بعبارات الإستغفار وهو يدير مسبحته الطويلة بين أصابعه كأنه بذلك يقدم حسن نواياه فى زيارته لهم خاصة أن لا أحد منهم رآه منذ ما يقرب من الخمس سنوات حتى ظنوا أنه ربما لقى حتفه على يد رجال الشرطة أو هؤلاء الناس الذين يعمل معهم تحت ستار الجهاد فى سبيل الله وماهم إلا تجار للدين ويرتكبون أفظع الچرائم بإسم الإسلام من كونهم حماة القرآن والسنة ويحق لهم تطبيق حدود الله حسب أهواءهم وأطماعم والله ورسوله أبرياء منهم ومن كل ما ينصب نفسه قاضيا للحكم على حياة البشر والأبرياء طبقا لقوانين وضعوها تخدم مصالحهم هم أولا دون مراعاة لحرمة النفس البشرية والتى لم يعطى الله الحق لأحد بسلبها إلا بشروط تم تشريعها من كتابه وسنة رسوله وليس أحكام هوجاء تجرم الأبرياء ويتم قټلهم بدون وجه حق
بعد أن أتم عد حبات مسبحته وضعها بمعصمه ومن ثم عاد ينظر إليها قائلا بصوت قوى يظهر مدى عداءه لها
هى دى مقابلتك لأخو جوزك بعد السنين دى كلها يا مرات أخويا مفيش حمد الله على السلامة ولا أتفضل هو ده واجب الضيافة
عادت تنظر خلفها ومن ثم رشقته بنظرة حادة قائلة من بين أسنانها
وأنت يا ترى جايلنا دلوقتى ليه جايبلنا مصېبة معاك زى مصايبك اللى محدش بيدبس فيها غير جوزى وإبنى إحنا ما صدقنا أنك اختفيت السنين دى كلها وافتكرناك مت
عدل من ياقة جلبابه وتأكد من أن عقال رأسه مازال موجودا حتى ذلك اللثام الذى يبدو عليه أنه كان يخفى به وجهه حتى لا يراه أحد من ساكنى الحى وربما يجد رجال الشرطة فى أثره ويلقون القبض عليه خاصة أنه مطلوب للعدالة ولم يتم العثور عليه لتنفيذ الأحكام الصادرة بحقه
ربت على صدره ليكبح جماح نفسه من أن يدفعها من أمامه ويدخل المنزل عنوة فإن طالت وقفته هكذا أمام باب المنزل لن يكون ذلك فى مصلحته مد يده وأسندها للجدار ومن ثم قال بنفاذ صبر
هو فين جوزك خلينى أشوفه مبحبش رغى النسوان الكتير ده
عندما همت بالرد عليه وجدت زوجها يأتى من خلفها متسائلا بلطف بعد إفتقاده لعودتها وتأخرها كل هذا لرؤية من يكون الطارق على باب منزلهما
هو فى إيه أنتى أتأخرتى ليه كده هو مين اللى على الباب
مد زوجها يده وجذب الباب ليفتحه قليلا ليرى من هذا الذى تسبب فى تأخير عودة زوجته لمجلسهم بغرفة المعيشة وما أن أبصر شقيقه الذى يكبره بثلاثة أعوام فقط يقف أمامه بعد سنوات من الغياب وهو
متابعة القراءة