رواية عشقك من 28-30
٢٨
ظن أن إبتسامته الساخرة والمتهكمة ربما تؤثر بوالده والذى لم يكن له والدا يوما سوى أن إسمه وكنيته يترافقان مع إسمه ولكن عمرو وجدها فرصة سانحة للمجئ لأخذ بعض النقود من أبيه مثلما كان يفعل دائما دون علم والدته التى تظن أن ولدها لايرغب برؤية أبيه الذى تخلى عنه منذ زمن طويل ولكن كان عمرو أشد ذكاءا وفطنة من والدته إذا حافظ على التواصل مع أبيه من خلال بعض الزيارات القصيرة التى كانت تقتصر على مجيئه من أجل أخذ المال
فإن كان أبيه فاحش الثراء فلما لا يأخذ ما يريده وقتما يشاء فيكفى أنه تركه يحيا برفقة رجل أخر والذى لم تكن العلاقة بينهما على ود منذ أن وعى أن ذلك الرجل لم يكن أبيه بل أنه زوج والدته
وضع فواز يديه بجيبى رداءه المنزلى وهو يقول بإبتسامة متهكمة مثلما فعل ولده منذ دقيقة
وحشتك ! جايز المهم عايز كام يا عمرو المرة دى أصل كل مرة المبلغ بيختلف على حسب مدة إقامتك فى إسكندرية بس الغريب أن أمك مش حاسة ده كله أنك بتجيلى
ضحك عمرو بصوت صاخب فلبث أن قال بعد أن ندت عنه نهدة قلة حيلة مصطنعة
أعمل إيه بس يا بابا كل ما أقول مجيش أسكندرية ألاقيك وحشنى كده من غير مناسبة فبضطر أقول لماما أن مسافر مع أصحابى وأجيلك شوفت أنا إبن بار إزاى
غمز بعينيه بوقاحة فلم يتعجب فواز من أفعال ولده فمن شابه أباه فما ظلم فعمرو بإمكانه إدعاء البراءة واللطف وقتما يشاء وحتما يثير أعجاب من حوله ويفعل ذلك مع الجميع ...عدا أبيه
تبسم فواز على قوله فأقترب منه وحاوط كتفيه بذراعه ليجعله يسير بجانبه فمن يراهما يظنهما أب وإبن عاړكا الحياة سويا بحلوها ومرها وليس والد يرى ولده صدفة
رفع فواز يده الأخرى وربت على صدر عمرو قائلا
بقولك إيه يا عمرو الشويتين دول تعملهم على أمك مش عليا أنا فهات من الآخر وقول عايز كام وأه هو أنت راجع أمريكا أمتى
بأحد راحتيه أزاح ذراع أبيه من حول كتفيه وهو يردد بجفاء
لاء شكلى لسه قاعد هنا شوية والصراحة الفلوس اللى كانت معايا خلصت وسيبت الفندق اللى كنت قاعد فيه فقولت مفيش غير بيت بابا حبيبى اللى أقعد فيه أقعد فى الشارع يعنى دا حتى ميصحش يا بابا قولتلى هنام فى أى أوضة بقى فوق صح تصبح على خير
خطى عمرو تجاه حقيبته المنزوية بجوار أحد المقاعد فسحبها من مقبضها وجرها خلفه ينادى بصوت جهورى على أحد من الخدم ليضع له حقيبته بالغرفة التى سيقطنها بمنزل أبيه
أى حد ييجى يطلعلى الشنطة منكم
لم يستمع لأمره أحد فهم يتلقون الأوامر من سيدهم وصاحب المنزل الذى لم يحاول صرف ولده بل وجدها فرصة جيدة من وجود أحد معه بالمنزل عدا الخدم
فنادى فواز على إحدى الخادمات التى جاءت تهرول من المطبخ فأمرها بإيداع حقيبة ولده بإحدى الغرف التى تتواجد بكثرة فى هذا المنزل الكبير بل أنه آمرها بتحضير الطعام وأن تأخذه له لكى يتناول طعامه قبل نومه فنظر له عمرو من خلف كتفه نظرة ساخرة من أنه يحاول أن يكون الأب اللطيف الذى يعنيه أمر وشأن ولده الوحيد
يا سلام عليك وعلى حنيتك يا بابا
قالها عمرو بسخرية وهو يصعد الدرج حتى وصل للغرفة التى سيسكنها فصرف الخادمة وأغلق الباب وأرتمى على الفراش فهو لم يأتى لهنا إلا من أجل تعكير صفو مزاج أبيه
سمع رنين هاتفه بإسم زوج والدته على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي فملأه النفور والإشمئزاز من مجرد رؤية إسمه فأغلق الهاتف حتى لا يستمع لرنينه ثانية
حقېر
تمتم بها عمرو وهو يترك الفراش لعل إغتساله بالماء البارد سيطفئ ذلك اللهيب المشتعل بأوردته أخذ ثيابه وولج للمرحاض وبعد إنتهاءه خرج وهو يجفف رأسه بالمنشفة فخرج للشرفة يتأمل السماء الذى لم يرى بها نجمة ولا قمر فالسماء معتمة تثير بالنفس الخۏف من ذلك الظلام الذى لا ينيره سوى مصابيح الإنارة بحديقة المنزل فكم تشبه تلك العتمة حياته منذ أن نشأ بكنف زوج والدته الذى يدعى المثالية والكمال أمام والدته وأمام الجميع فمعه هو فالأمر غير ذلك فكل تلك الخصال الخبيثة التى يتصف بها لم يكتسبها إلا منه
لم يخفى عاصم إندهاشه من رؤية ذلك الطارق على باب غرفة مكتبه فبعد سماعه صوت الطرقات العالية كأن القادم يشعر بالضيق من إنتظاره أن يصدر أمرا بالسماح له بالدخول وجد عمران ماثلا أمامه بتعبير وجه مبهم لا يعلم هل أتى بخير أم بشړ خاصة أنه ظل بضع ثوان واقفا مكانه كأنه يخشى الإقتراب أو أنه يبحث عن أى كلمات يقولها ليبرر بها مجيئه
تبادلا الإثنان النظرات بينهما حتى قرر عاصم كسر جمود الصمت فرفع يده يشير له بالجلوس قائلا بهدوء
أتفضل يا عمران أقعد ولا هتفضل واقف كده كتير خير
خطى عمران خطواته بثبات تجاه ذلك المقعد أمام المكتب الأنيق فجلس واضعا ساق على الأخرى بعد أن عمل على حل أزرار سترته
فحدق بعاصم مطولا وراحت الكلمات تنساب من بين شفتيه بكل سهولة ويسر
أنا جايلك النهاردة بخصوص موضوع مهم وكنت حابب إن إحنا نتكلم فيه بشكل متحضر
أقترب عاصم من حافة المكتب وأرتكز بمرفقيه وتلاحما كفيه قائلا بإهتمام لا يخلو من الفضول
خير موضوع إيه ده اللى عايزنى فيه
قبل أن يفه عمران بكلمة كان عقل عاصم يضع عدة سيناريوهات محتملة لمجيئه ولكنه لم يجد أى منهم أكثر واقعية سوى أنه ربما جاء من أجل أن يطالبه بحل ميثاق الزواج بينه وبين عمته غزل فإن كان هذا مطلبه
فهو يطلب المستحيل !
ولكنه لم يشأ أن يسبقه بالقول بل تركه يبدأ بقول ما لديه فحمحم عمران قبل أن يقول بهدوء وثقة
أنا جايلك النهاردة علشان حابب أن الخلاف اللى بين العيلتين ينتهى وأن نبدأ مع بعض صفحة جديدة وبما أنك أكبر منى فأنا جيت لحد عندك ورافع راية السلام زى ما بيقولوا وكمان كنت حابب أن النسب بين العيلتين ميتقطعش فزى ما غزل مراتك ولسه على ذمتك فأنا حابب أتجوز ميس بنت أختك وحفيدة رياض باشا النعمانى
فرفع عاصم حاجبه الأيسر قائلا بغرابة
تتجوز ميس ! أنت عايز تقنعنى أن مرة واحدة خلاص بقيت حابب أن العيلتين يرجعوا زى زمان لاء وكمان تمد فى النسب
تبسم عمران إبتسامة جانبية أعطت ثغره الرجولى طابع السخرية
أنت ناسى إن كنت بحب ميس من ساعة ما أتولدت دا المفروض أنت أكتر واحد هتحس بيها بما أنك أنت كمان حبيت غزل من أول ما أتولدت والظاهر عليك لسه مغرم بيها وعايزها ترجعلك فإيه رأيك ميس قصاد غزل
أنتفض عاصم من على مقعده بعد سماع الشق الأخير من حديثه فتلك ليست مقايضة من أجل العمل فإبنة شقيقته ليست متاع يمكن أن يقايضه من أجل أهواءه الشخصية
فعقد حاجبيه قائلا بحدة