رواية الاقتباس بقلم قوت القلوب رشا روميه ج5
المحتويات
لكن يبدو أن الأمر سيتأخر لبعض الوقت زفرت بضيق وهي تعيد هاتفها لجيب سترتها مرة أخرى وسط متابعة معتصم لها ليتطلع حوله متغاضيا عن تهربها من حديثها معه قائلا ...
إحنا مش حينفع نفضل فى وسط الغابة كدة ... لازم نحاول نرجع للكوخ على الأقل .. الجو برد ومش مضمون خالص ...
أومأت عهد بتفهم لتردف موضحة ...
أيوة ... كمان الإنترنت لسه مقطوع ومضطرين ندور على طريق الكوخ بنفسنا...
كان عليهما البحث عن طريق العودة وسط تلك الطرق وبقايا الأمطار والأشجار الكثيفة فوجودهم بهذا الطقس دون حماية لأمر شاق إتخذا أحد الطرق بهدوء وحذر لكن يبقى تساؤل يشغل فكر عهد بقوة لم إختارها دون كاتينا وهو الذى كان يخشى البقاء معها بنفس المكان وإضطر للهرب منها ...
مكتب عيسى للمحاماة ....
أعاد عيسى رأسه للخلف يريح زخم أفكاره التى تضاربت برأسه فتلك القضية محيرة وغامضة بشكل كبير إستغرق وقت طويل للغاية حتى شعر بأنه فقد إحساسه الزمني لما يحيط به ..
دقات متتالية بهاتفه هى التى أيقظته من شروده لترسم تلك الإبتسامة التى تخص صاحبة الرنين وحدها ...
دورا ... وحشتيني ...
قلبت شفتيها كطفلة مستاءة حتى كاد عيسى يتخيل ملامحها بهذا الشكل دون رؤيتها ...
لو كنت وحشتك كنت جيت ... إتأخرت أوى يا إيسووو ...
نظر لتلك الأوراق التى تملأ سطح مكتبه بتملل فكم إشتاق لرؤيتها ...
ڠصب عني ... الوقت سرقني فى الشغل ولسه مخلصتش ...
هبت بإنفعال متفاجئة بطريقتها العفوية ...
يا خبر يا خبر .... شغل وتأخير وحاجات جد و ۏجع دماغ ... وسايب دورا وحدها فى البيت ... ! لأ ... أنا زعلانه ...
حتى بعتابها تدفع بالروح بداخله يعشق حديثها وكلماتها حتى عتابها اللذيذ ليردف ببسمة خفيفة ...
حقك عليا ... أوعدك أول ما أرجع حعوضك عن التأخير ده ...
ضحكت غدير بشقاوة وهي تحاول إستغلال الأمر ...
أكيد أكيد ... !! يعني أطلب وأتدلع ...
عيوني يا شيكولاته ...
دقات قلبها المرتفعة بسماعها كلمته جعلتها تردف بنبرتها العاشقة مبتعدة عن طفولتها وشقاوتها بكلمات لمست قلب عيسى المشتاق ...
حبيب عيون الشيكولاته ... حستناك ... متتأخرش عليا ... إن شا الله تجيب المكتب كله فى البيت بس متبعدش عنى كل ده ...
لم يكن منه سوى نفس الشعور ليجيبها بمحبة ..
جايلك حبيبتي ... حخلص أوام وأجيلك ...
مستنياك ...
أنهى عيسى مكالمته مع غدير والتى أعطته الطاقة لإستكمال يومه كما لو أن له بطارية أوشكت على نفاذ طاقتها وبكلمات محبة من شريان قلبه أعادت له ملئ طاقتها ...
تنفس بهدوء ليخرج أحد البطاقات من محفظته ليقوم بإجراء مكالمة أخرى بحماس جديد ..
ألو ... أستاذ عطية .. معاك الأستاذ عيسى دويدار المحامى ...
أهلا يا متر ...
كنت عاوزك فى المكتب بكره إن شاء الله نتناقش شوية فى القضية قبل ما أشوف حقبلها ولا لأ ...
تحت أمرك يا أستاذ ... بكره بأمر الله حكون عندك فى المكتب ...
بنهاية تلك المكالمة كان على عيسى الإنتهاء من آخر أعماله بالمكتب قبل عودته للبيت الذى إشتاق لصاحبته منذ خروجه منه ...
مطت سندس شفتيها بغيظ وهى تسترق السمع لمكالمة عيسى مع غدير أولا لتتمتم بإستياء ..
هو انا مليش مرة شوية حنية من دول ... مش حيحن عليا أبدا .... !!!
لتتابع مكالمته الثانية والتى إنتهت بندائه لها ...
لو سمحت يا أستاذة سندس ...
وقفت بحماس تعدل من ملابسها بعجالة لتتحرك بدلال نحو مكتبه لتردف ببسمتها العريضة ...
أفندم يا أستاذ عيسى ...
كمن تبدل تماما ليعود لشخصيته الجدية التى تثير چنونها أردف بعملية ...
المفروض بكرة فيه جلسة فى المحكمة لقضية التبديد وإحنا حنطالب بالتأجيل ... إتفضلي المذكرة دى عشان تقدميها بكرة فى المحكمة ..
مدت سندس يدها تلتقط الورقة التى يشير بها عيسى إليها قبل أن تجيبه ..
تمام يا أستاذ عيسى ... متقلقش خالص ...
كانت ستستطرد حديثها حينما قابلها عيسى بإنهاء الحديث ...
تقدرى تتفضلي إنت تروحي ... أنا لسه قاعد شوية ... و وإنت خارجة خلي عم شاكر يعمل لي كوباية شاى تقيلة ...
أنا ممكن أقعد .. أنا ...
قاطعها عيسى بصرامة ..
مفيش داعي ... إتفضلي إنت ...
زمت فمها الممتعض وهو تقضم شفتها السفلية بحركة لا إرادية بإضطراب لتضطر لمغادرة المكتب رغم أن مازال الوقت مبكرا إلا أنه حازم تماما بطلباته وهي لن تخالفة مهما تطلب الأمر فهي لا تريد سوى إرضاءه فقط ...
حي النعماني ...
كيوم روتيني أنهت شجن يوم عملها كالمعتاد بهدوء تام وبعض الحالات السطحية التى تعد على أصابع اليد الواحدة بهذا المستوصف قليل الإمكانيات ..
خلعت معطفها الأبيض ردئ الخامة وهي تلوح لرفيقتها رؤى مودعة ...
سلام بقى يا رؤى .. أشوفك بكره ...
سلام ... سلمى لي على أختك اللي بتحكي عليها طول النهار دي ...
إبتسمت شجن بالإيجاب لتنتبه أنها تتحدث عن نغم طيلة اليوم فهي تشعر بأنها مسؤولة منها رغم الفارق البسيط بين عمريهما إلا أن بساطة نغم وبرائتها يجعلانها تشعر بالقلق والمسؤولية تجاهها ...
خرجت من المستوصف متجهة مباشرة نحو المكتبة لإصطحاب نغم للعودة إلى البيت ...
ولقرب المسافة بين عمل كلاهما كانت شجن بدقائق قليلة تقف بمقدمة المكتبة لتدق رقم أختها تحثها على الخروج كما إتفقتا من قبل ...
ك يمامة وديعة خرجت نغم من المكتبة لمقابلة شجن وهي تلملم شفتيها الرقيقتان عن إبتسامتها المتحمسة للقاء أختها ...
جيتي بدري يا شجن ..!!
سحبت شجن ذراع أختها تعلقة بذراعها وهي تسألها كأم حنون وليست أخت كبرى ..
ها ... عملتي إيه النهاردة ...
ما كانت إلا بعفوية تلقائية وهى تجيبها بحماس هادئ ...
الشغل هنا حلو أوى ... أنا حبيته ...
بنظرة شقية إنقلبت بها شجن من إهتمام أم لأخت وصديقة ...
هو مين إللي حبيتيه بالظبط ...!!
قوست نغم حاجبيها بعدم فهم لمقصدها لتتسائل عن ذلك ..
مش فاهمة ... !!
ضحكت شجن بإبتسامتها المتسعة وهي تعيد خصلة شعرها القصير الذى تناثر بفعل الرياح لتلك الليلة الشتوية ...
لا ولا حاجة ... خليك كدة زى ما إنت حتبقى الدنيا تمام .. طالما مش فاهمة يبقى هو ده المطلوب ...
ليست غبية أو محدودة الذكاء لكن بالفعل لم تدرك مقصد أختها فهي تحب الوضوح ولا يجذبها الغموض بالمرة فمن أراد قربه منها عليه التحرك مباشرة تجاهها فهي لا تحبذ أى من تلك التلميحات التى تجهد عقلها ...
وبرغم بساطتها ووضوحها التلقائي إلا أن شجن على النقيض منها تماما تفهم الغموض وتعشق الفضول والأفكار الضمنية هي فتاة ليست معتادة ولا سهلة التوقع كأختها البريئة وذلك ما يجعلها تخشى أن تنصدم نغم بواقع ليست معتادة عليه لكن حتى الآن فالأمور تسير بشكل طبيعي فى نصابها ...
سويسرا الغابة ...
الغريب أعمى ولو كان بصيرا جملة لا خلاف عليها فمن يدرك مكانا لا يعرفه وسط جبال و طرق متداخلة وأشجار كثيفة و من يستطيع أن يعلم وجهته وسط تلك الأجواء والطقس السئ بدون توجيه ..!!
زاد الأمر سوءا إنقطاع خدمة الإنترنت ليبقى معتصم و عهد يتخبطان بطريقهم بحثا عن طريق العودة للكوخ الذى ضلوا وجهتهم له ..
فبعد بحث لوقت لا بأس به وتداخل الطرق بعضهم ببعض بمخيلاتهم إضطرا للوقوف محلهم فقد سقط غشاء الليل فوق رؤوسهم ولم يعد بإستطاعتهم إكمال بحثهم فهم لا يحملون أى حقائب بها وسائل مساعدة ..
إتجها نحو مجموعة من الأشجار الضخمة بجانب الطريق ليلجئا إليها تحميهم ولو بصورة قليلة من البرد الذى يحيط بهم ...
جلس معتصم مستندا بجذع أحد الأشجار لتنزوى عهد بعيدا عنه لتتخذ جذع آخر ليقضيا تلك الليلة فى العراء دون الوصول للكوخ ...
أغلقت سحاب سترتها السميكة ثم رفعت غطاء رأسها تحكمة بقوة لتغمض عيناها المنهكة بصمت محاولة إلتماس غفوة قليلة سرعان ما إستغرقت بالنوم فهذا موعد نومها المعتاد ..
لكن تلك الياقوتتان البراقتان بلونهما الأسود كانا يطالعانها من بعيد لم يسقطهما عنها وهى تستكين بوداعة تمحى شراستها التى تغلف حياتها ...
دنا منها ببطء شديد يطالع ملامحها الناعمة وسط ضوء القمر المتسلل من بين فروع الأشجار ليترك العنان لقلبه الذى سرقته لقد دق .. نعم دق قلبه لتلك المتوحشة فكيف له بإستعادة قلبه الذى إستولت عليه ...
بعد وقت طويل من إستراقه النظر لنعومتها الغير معتادة داعب النعاس جفنيه ليعود لجذع الشجرة خاصته مستغرقا بالنوم وسط الطبيعة والأجواء الباردة ...
بيت النجار ...
تتوقت زكيه لعودة بناتها بحماس شديد لتنتظرهم بالشرفة كعادتها خشية وقوعهم بلقاء غير محسوب من صباح أو إبنتها ...
ردت روحها برؤيتهما تتقدمان بأول الحي كنجمتان تشعان بريق وتوهج كم هي محظوظة بهما لتتمتم بقراءة المعوذات بصوت خفيض لحمايتهن من شرور نفوس من تقع عيناه عليهما ...
دلفت بعد صعودهما بسلام لتقابلهم بوجهها البشوش وضحكتها الطيبة تستقبلهم بباب الشقة ...
حمد الله على سلامتكم .. ربنا يحرسكم من العين ..
ألقت نغم بنفسها أولا بأحضان والدتها فقد إشتاقت لها ...
وحشتيني يا ماما ...
تلتها شجن بدورها بإختلاف طبع كل منهما لتقبلها بإشتياق ...
أخبارك يا زوزو .. وحشتيني ...
أغلقت زكيه الباب من خلفهم وقد أشرقت ملامحها بحماس وسعادة ممزوجتان ببعضهما البعض وهي تخبر إبنتيها بهذا الخبر السعيد ...
مبروك يا شجن ... أخيرا حنفرح يا بنات ...
تهلل وجه شجن بسعادة وإتسعت إبتسامة نغم فرؤية والدتهم سعيدة إلى هذا الحد أطلق بمخيلة كل منهما ما تتمناه لتهتف شجن على الفور ...
حنسيب البيت ...!
بينما هتفت نغم بحالمية ..
لقيتي العقد ...!!
تطلعت زكيه بوجه كلاهما فما دار بمخيلتهما بعيد تماما عما كانت ستخبرهم به لتقل حدة حماسها بعض الشيء ثم أجابتهم ...
لأ .. ولا حنسيب البيت ... ولا لقيت العقد ... دى شجن جالها عريس ...
لم تكن أحلامهم متعلقة بزواج وهروب من مجهول لمجهول آخر فشجن تتلخص أحلامها بأمل وحيد .. الخروج من هذا البيت وترك كل مشاكلهم مع عمهم وزوجته وابنائه خلف ظهورهم لتردف بإحباط ..
جواز إيه وعريس إيه يا ماما ... كان نفسي تقوليلنا خلاص نسيب البيت ده ونمشي ...
بينما عقبت نغم بهدوء مستكين ...
أو نلاقي العقد ونبيع الشقة ونخلص ونبعد عن مرات عمي وقرفها ...
زاغت عينا زكيه بين بناتها اليائسات لتجيبهم بإستسلام ...
كان على عيني يا بنات ... بس من ناحية دى وصية أبوكم إني أحافظ على حقه ... ومن ناحية تانية معندناش القدرة إننا نسيب البيت ونسكن بره
متابعة القراءة