رواية عشقك الجزء الثاني من 27-29
المحتويات
هو ليعيدها إلى أسرتها فلو كان قادرا على إخبار حياء بحقيقة زواجه منها لعلها تساعده فى تحسين أوضاعه مع زوجته لم يكن سيتردد فى فعل ذلك إلا أن شقيقته لن تكون رحيمة به هى الأخرى إذ لن تكف عن تأنيبه لفعله ذلك دون علمها وهو لم يعد لديه متسع من الصبر ليسمع تأنيبا أو تقريعا من أحد بيد أن حياء سافرت مع زوجها لأداء العمرة فهو من أخطأ منذ البداية وعليه تحمل نتائج أخطاءه
رغم شعورها بالحرية بعدما خرجت السيارة من ذلك البيت العتيق والذى لم يثير بها سوى الضيق والإنقباض إلا أنها ظلت جالسة بهدوء تنظر أمامها كأنها شاردة ولا ترى شيئا وما أن وصلت سيارة زوجها إلى ذلك الحى الذى يقع به منزل والدها تتابعت أنفاسها كأنها تستنشق أولى نسمات فجر حريتها بعد ليل آسرها الطويل
صف ديفيد السيارة أمام المنزل وقبل أن تترجل منها قبض على ذراعها قائلا بصدق ونبرة مبهمة
هتوحشينى يا ياسمين هتوحشينى أوى خلى بالك من نفسك
رغم شعور السعادة المتغلغل فى أوردتها بتلك اللحظة التى رآت نفسها على بعد خطوات من أن ترى والديها وشقيقها إلا أنها لا تعلم سر ذلك الشعور المخيف من أنها لن تراه ثانية وكأن عبارته جاءتها وداعا وموذنا برحيله الدائم عن عالمها وقبل أن تفه بكلمة ترك ذراعها وأشار لها بالخروج من السيارة كأنها طائر صغير وتم فتح قفصه الذهبى ليطير بعيدا عن مالكه
خرجت ياسمين من السيارة وأخذت حقيبتها ووجدته ينطلق بعد ذلك مخلفا سحابة ترابية حجبت رؤيتها له وهو يغادر ولا تعلم لما تسمرت قدميها مكانها ولم تحاول تحريكها لتلج إلى المنزل فيأست من فهم ما اعتراها أو لما فعل ذلك وهى من ظنت أنها ما أن تخبره بشأن أنها تخلصت من جنينها سيفعل المستحيل ليتأكد من إذا كانت صادقة أم كاذبة ولكنه حقا فاجأها بتقبله الأمر ولم يفعل أكثر من صياحه فى وجهها ومن ثم سكن غضبه وأعادها لمنزل أبيها
ولجت للداخل وضغطت زر الجرس ففتحت والدتها الباب وصاحت بسعادة كأنها لا تصدق عيناها بأنها تراها أمامها
ياسمين بنتى حبيبتى ونور عيني
طوقتها والدتها بذراعيها كأنها لن تتركها أبدا فإحتضنتها ياسمين وظلت تبكى على كتف والدتها وهما واقفتان أمام الباب فقالت ياسمين بغصة
ماما أنتوا وحشتنونى أوى وكنت محتجالكم
ربتت والدتها على ظهرها لعلها تكف عن البكاء فجذبتها للداخل وأغلقت الباب بعدما جرت حقيبتها إلى منتصف الصالة نظرت ياسمين حولها ومن ثم سألت والدتها بإهتمام
هو بابا فين يا ماما هو فى المسجد
نظرت والدتها تلقائيا إلى باب غرفة نومهما فزوجها منذ ماحدث لها وهو راقدا فى فراشه ولا يغادره فأطرقت برأسها أرضا وتساقطت عبراتها وهى تجيبها
أبوكى جوا فى الأوضة من ساعة اللى حصلك وهو راقد عيان فى سريره
ركضت ياسمين إلى غرفة أبيها وما أن فتحت الباب وجدته مستلقيا على فراشه لا حول له ولا قوة فأرتمت على صدره وأجهشت بالبكاء قائلة بأنين
بابا يا حبيبى مالك ألف سلامة عليك
لم يصدق والدها أنه عاد وسمع صوتها ثانية فتهلل وجهه وكأنه برأ من وهنه ومرضه بلمح البصر وضمھا إليه قائلا بلهفة
ياسمين أنتى رجعتى يا حبيبتى يا حبيبة أبوكى اللى كان ھيموت بحسرته عليكى يا نور عيونى
تابعتهما والدتها وهى واقفة أمام باب الغرفة فكل منهما مطوقا الأخر بذراعيه ويبكيان بصوت مسموع فزوجها والذى فشل الطبيب فى أن يجعله يبرأ من مرضه الذى لم يصيبه فى المقام الأول إلا بعد شعوره الساحق بالذنب تجاهها من أنه هو من قام بتزويجها من هذا الشاب وكان يظن أنه بذلك سيجعلها بمأمن ومنأى عن دمار وخړاب كان من المحتمل أن يلاحقها ولكن عوضا عن أن يأمن لها حياة هادئة ألقاها بين براثن شاب أقل ما يقال عنه أنه أحد أعوان إبليس
إسترد عافيته فجأة وراح يسألها عن أحوالها وما حدث لها بالأيام الماضية
قوليلى عمل فيكى ايه وإيه اللى حصلك منه يا حبيبتى
حاولت ياسمين إجابته قدر إمكانها بهدوء
معملش حاجة يا بابا بالرغم من أنه كان حبسنى فى البيت إلا أنه متعرضليش بأذى فدلوقتى إرتاح ونتكلم بعدين لأن أنا كمان محتاجة أرتاح
لم ترد أن تشق عليه بكثرة الحديث فطمأنته أنها عادت ولا حاجة له أن يشعر بالقلق وليأخذ قسط من الراحة على أن تنال منها حاجتها هى الأخرى كونها لم تذق للنوم طعما بصورة منتظمة إلا أوقات متفرقة فما أن خرجت من غرفة والدها ورفضت أن تعد لها والدتها الطعام وأخبرتها أنها ستخلد للنوم ولجت إلى غرفتها القديمة وجالت ببصرها فى أركانها كافة كأنها تحاول أن تستمد طاقتها وهدوءها المفقودين منذ ما حدث
ياترى الأيام الجاية هتبقى عاملة إزاى
قالت عبارتها ومن ثم جلست على الفراش تحاول أن تعيد ترتيب أفكارها فإن كانت نجحت فى أن تترك منزله فكيف لها تنسى تلك الأمانة المتروكة لديها والتى حاولت هى إيهامه بأنها لم يعد لها وجود وضعت يدها على بطنها وهى تتحسسها برفق فحتما سيأتى اليوم وتنكشف به كذبتها وفى الأشهر القادمة سيبدأ بطنها فى الانتفاخ وتظهر علامات ودلائل الحمل عليها واضحة كوضوح الشمس ولكن ما جعلها تشعر بالړعب ليس رد فعل والديها من أنها حامل بطفل ربما سيصبح بلا أب وهوية محددة ولكن ما جعل الخۏف ينخر بقلبها أن يعلم ديفيد بأنها مازالت حاملا فى طفله ويأتى الوقت وينتزعه منها جزاءا لإقدامها على إفتعال تلك الكذبة التى اخبرته بها بل وأنطلت عليه بكل سهولة ولم تجد مشقة فى أن يصدقها بأنها أجهضت جنينها فحتى وإن كانت المعيشة مستحيلة بينهما فما تحمله بأحشاءها ليس مذنبا حتى تقدم على قټله دون شفقة أو رحمة
لم يكن أدم أبله حتى لا ينتبه لإزدياد ذلك التغير الجذرى الذى طرأ على صديقه عماد إذ لم يعد يلح عليه فى أمر عودتهما لفرنسا أو أنه يتأفف من مكوثه معظم يومه داخل المنزل ولا يجد ما يفعله و يجعله يشعر بالحماس لأن يظل مقيم داخل قصر النعمانى وربما قضاءه وقتا أطول بين أروقة مجموعة الشركات المملوكة لعائلته لم يجعله فى البداية يضع تركيزه فى التفكير بتلك الحالة من الإنسجام والراحة التى نشأت بين عماد وساندرا إذ أضحى يقضى يومه معها فى حديقة القصر يتحدثان ويتسامران أو يلهو مع طفلها الذى بدأ خطواته الأولى فى السير على قدميه كأنه أصبح والدا مهتما بأحواله الصحية والجسدية بل أنه يعمل الآن على جعله يسير أسرع من تلك الخطوات البطيئة التى كان معتاد عليها ولم يستطع أدم نكران ذلك الشعور بالسعادة من أجل صديقه خاصة أنه بعد أن توفت حبيبته قبل زواجهما لم يفكر بشأن الحب والإرتباط ثانية بل ظل أعواما رافضا أن يجعل أنثى أخرى تسكن قلبه بعد تلك الراحلة والتى كان مغرما بها منذ نعومة أظافرها ولكن يبدو أن ساندرا أفلحت فى أن تجعله يعود ويغرم من جديد
أثار أمر إعتناء عماد بالصغير حب المشاكسة لدى أدم إذ اقترب منهما وعماد يأرجح الصغير بين ذراعيه فقال بلطافة
دا أنت هتبقى أب هايل عماد شكله حبك أوى ومش هو بس هو و
رفع أدم رأسه ونظر لساندرا التى تراقبهم من شرفة غرفتها فتتبع عماد إتجاه عينى صديقه وما أن وصل لمرمى شرفتها وضع الصغير أرضا ووكز أدم فى كتفه قائلا
بطل رخامة يا أدم علشان عارفك
داعب أدم وجنة الصغير ومن ثم نظر لصديقه قائلا بصدق
صدقنى أنا مش برخم عماد بالعكس مبسوط أنك بعد السنين دى كلها رجعت تحب تانى
أجفل عماد من قول أدم كونه لم ينتبه أن الحب بات ظاهرا على محياه إلى هذا الحد فإبتلع لعابه وقال بتلعثم
ح حب إيه أنت كمان شكلك خرفت ولا رجعت تانى تعمل شغل المفتشين والمحققين بتاعك ده
رفع أدم حاجبه قائلا بدهاء
خرفت ! أنت بقيت مفضوح يا ابنى فاضل بس تكتب على وشك بحبك يا ساندرا
قبل أن يعلو صوته بعبارته الأخيرة كمم عماد فم أدم بيده ونهره قائلا بغيظ
بس إسكت بصوتك ده هتعملى ڤضيحة دا أنت صاحب سوء صحيح
أزاح أدم يد صديقه عن فمه وحرك حاجبيه كأن بات لديه دليلا قويا يستطع به أن يجعله يفعل ما يريده منه دون نقاش فحمحم يجلى صوته قائلا بجدية زائفة
خلاص هسكت بس عايز أخرج أشترى هدوم هتيجى معايا ولا هتقعد هنا يا بابا عماد
كاتك بو يا أخى
دمدم عماد بغيظ لعلمه أن تلك إحدى حيل أدم لمضايقته وإن لم يسايره ربما لن يكف عن تلميحاته التى تحمل فى باطنها الحق ولكن هو من يحاول إنكارها خشية أن لا تكون المشاعر متبادلة بينه وبينها وأقصى ما تشعر به نحوه هو الإمتنان ليس أكثر
حمل الصغير ورمق أدم قائلا بإستياء
هطلع أوديه لمامته وأغير هدومى وجايلك يا صاحب السوء
ذهب عماد للداخل بينما قرر أدم أن يتجول فى الحديقة لحين عودة صديقه فرآى أسفل تلك الكرمة الموجودة بأقصى أطراف الحديقة الشاسعة والده يجلس هو وزوجته الجميلة ولكن ليس هذا الذى جعله يقف على مسافة منهما دون أن يشعران بوجوده بل ما يفعله أباه لتدليل زوجته كإطعامها قطع الفاكهة الموجودة بالطبق الذى يحمله بين يده ومن حين لأخر يلح عليها فى أن تأخذ قطعة أخرى إذا أبدت إكتفاءها وأنها ليست فى حاجة للمزيد
أبعدت غزل يد عاصم عن فمها قائلة برفق
كفاية بقى أرجوك والله ما بقيت قادرة أكل حاجة تانية يا عاصم
وضع قطعة الفاكهة مكانها فى الطبق ومن ثم وضعه جانبا وهو يقول بتبرم مصطنع
كده مش هينفع أنتى مش بتاكلى كويس ومجوعة ابنى معاكى
رفعت غزل حاجبها وقالت بتسلية
قول كده بقى أنت مهتم بيا وبأكلى علشان خاطر ابنك مش علشان خاطرى
أسند جبينه لجبينها قائلا بحب
هو أنا لسه شوفت إبنى أنا إن كنت مستنيه بفارغ الصبر ده علشان هو حتة منك أنتى يا غزل يا حب العمر كله
ما أن شعر أدم بأن الأمر ربما سيتطرق بينهما لما هو أكثر من الحديث أبتعد على الفور وهو يفكر فى طباع أفراد تلك العائلة الذين يبدوا عليهم أنهم عرفوا الحب والحنين فى أقصى درجاته فها هو والده مغرم بزوجته وراسل وحياء مغرمان ببعضهما البعض حتى ميس مدلهة
متابعة القراءة