رواية عشقك من 25-27
المحتويات
خلفها يناديها بما يشبه الإلحاح
حياء
ذلك النداء جعل أطرافها تتجمد ويداها تعلق بالهواء قبل أن تتلامسا فالصوت كفيل بجعل الډماء تجف بعروقها
________________
٢٧
تعالت دقات قلبها پخوف وهى تستدير لصاحب الصوت فهى تخشى مجئ زوجها الآن ورؤية ذلك الشاب الوسيم وهى تعلم مدى غيرته الشديدة من حديثها مع أحد خاصة إذا كان شابا أو رجلا فمن أين جاء ذلك المغرور الذى لم يكن سوى شابا يدرس بالولايات المتحدة الأمريكية أثناء إقامتها ودراستها هناك ولكنه يكبرها بعامين فكان الشاب العابث والأشهر بالجامعة وكم من مرة حاول إستمالتها ولكنها قابلت كل محاولاته بالرفض القاطع ولكن لم تنقطع مضايقاته لها إلا بعد عودتها لمصر ولكنها لم تعلم بشأن عودته فهى تعلم أن عائلته تقيم بأمريكا منذ سنوات طوال
فأزدردت لعابها وهى تقول بتوجس
عمرو
تبسم عمرو فقال وهو يرمقها من رأسها لأخمص قدميها كعادته دائما
أفتكرتك نستينى يا حياء أنا لما شوفتك مصدقتش أنك أنتى إلا لما قربت وأتأكدت أنك نفسها حياء البنت اللى دايما كانت تقولى لاء وكأنك مكنتيش تعرفى غيرها
ألتفتت حياء برأسها لتطمأن على سلامة سجود فقالت ببرود متحاشية النظر إليه
فى حد ينسى كابوسه برضه أنت كنت مكرهنى فى عيشتى ومع أن حاولت كذا مرة أنك تبعد عنى بس كنت مصمم على المشاكل
قضم عمرو شفته السفلى وهو يقول بخباثة
أصل الصراحة كنتى عجبانى أوى يا حياء
ألتفتت له برأسها وهى تقول پغضب عارم
أحسنلك تمشى دلوقتى قبل جوزى ما ييجى وهخليه يعرف شغله معاك
لم يتزحزح من مكانه قيد أنملة بل ظل ينظر لها فقال متسائلا
أووه معقولة أتجوزتى ومين اللى قدر يقنعك بالجواز يا حياء
نفخت بضيق فتلك ليست مفاجئة سارة أن تتقابل معه وخاصة الآن وراسل على وشك الوصول ولكن ربما خدمتها الصدفة بمجئ شابين أخرين وجذبا ذراعى عمرو لإكمال تجولهم ولكنه ظل يلتفت إليها من حين لآخر
زفرت براحة بعد إبتعاده ولكن لم يكد عمرو يبتعد حتى وجدت ميس تناديها فتعاظم الخۏف بداخلها بدون أن تعلم له سبب سوى أنها خشيت أن تكون ميس رأتها وهى تتحدث مع عمرو وتظن بها الظنون ولكن أطمأنت قليلا من رؤية ملامح وجهها الهادئة التى لا تنم على شئ
فلم تعلم ميس هل من الحكمة أن تنادى حياء أم أنه تصرف آخر من تصرفاتها الهوجاء بالآونة الأخيرة فهى بمجرد أن رآتها هنا لم تمنع لسانها من أن تناديها بإلحاح فهى بأوج ڠضبها منذ شعورها بميل جدها للتصديق على رفض راسل لنادر فكأنما أرادت مواجهتها بمفردها لعلها ترسخ بعقلها أن محاولاتها هى وزوجها لن تأتى بثمارها من التفريق بينها وبين من رآته أنه ملك عليها قلبها وعقلها
ولكن على الرغم مما يعتمل بصدرها من ڠضب إلا أنها حاولت أن تضفى على صوتها نبرة هادئة لعل ذلك يأتى بالنتائج المرغوبة
فتبسمت إبتسامة مصطنعة برعت فى رسمها على شفتيها وهى تقول بهدوء
أخبارك إيه يا حياء
إلتفتت إليها حياء بعد أن شعرت بأن القشعريرة سارت بداخل أوردتها كوخز الأشواك فهى لا تنكر خۏفها من مواجهة ميس بمفردها فلا تعلم سر رهبتها وخۏفها بعد سماع صوتها مع أنه لا يوجد ما يثير الريبة فهى أولا وأخيرا فتاة مثلها وبالأخص تكون إبنة شقيق زوجها فالعادات والأعراف تقتضى من ميس إحترامها كإحترامها لعمها ولكن الأمور بينها وبين راسل ليست على ما يرام فربما تخشى هى جفاءها معها مثلما حدث بذلك اليوم بالقصر
رسمت حياء إبتسامة أنيقة على شفتيها المكتنزتين وهى تقول بهدوء مماثل
الحمد لله يا ميس أخبارك أنتى إيه إن شاء الله تكونى بخير وكويسة وبخصوص اللى حصل فى اليوم إياه فا أنا ....
رفعت ميس يدها دلالة على أنها لا تريد سماع أى مبررات لما حدث فهى لديها ما تقوله وسترحل سريعا فأخذت نفسا عميقا قبل أن تقول بما يشبه الأمر ولكن حاولت مزجه باللطف
حياء أنا عارفة بخصوص أن نادر كان خطيبك قبل كده بس مش معنى أن محصلش نصيب وأتجوزتوا يبقى خلاص نادر وحش أو مش كويس أنا شيفاه إنسان محترم وكويس فمتحاوليش أنتى وراسل تبوظوا الجوازة ماشى علشان مش عايزة يبقى بينى وبينكم عداوة
ها وإيه تانى يا دكتورة ميس هاتى اللى عندك كله كلى أذان صاغية
قالها راسل وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ويقف خلفها
جالت عين ميس بكل مكان لعلها تبحث عن مخرج أو مهرب فهى لم تضع بحسبانها مجيئه الآن فهى حتى عاجزة عن الإستدارة إليه ومواجهته
لاتعلم لما شعرت حياء بالشفقة عليها وهى تراها تحاول الفرار ولكن قدميها تعجز عن مساندتها فهى أختبرت ذلك الشعور معه مرارا ولا تعلم أيضا لما أنتابتها رغبة قوية فى الضحك فمن أين يظهر هو فجأة ويرهب من حوله ولكنها حاولت تقديم المساعدة لها قدرت إستطاعتها
فربتت على ذراعها وأشارت له بعيناها من أن يتحلى بالحلم والصبر
ميس أفضل حاجة أقعدى مع عمك وأفهمى وجهة نظره ولو مش حابة وجودى هروح أشترى بقية الحاجة اللى محتجاها وخلى سجود معاكم
أرادت تنفيذ ما قالته فقبل أن تتجاوزه قبض على كفها بين كفه العريض فنظرت أولا لأصابعه التى تلمست ظاهر يدها بحنو فرفعت رأسها تنظر بوجهه الوسيم فكان أول ما تلقته منه أنفاس دافئة لفحت وجنتيها من شدة قربه منها فلو كانا بمفردهما لكانت بادرت بتطويق عنقه وترسل عيناها رسائل بليغة وفصيحة من أنها تريد عناقه
فقضى همسه على ما تبقى لديها من قدرة على التفكير
خليكى هنا متبعديش عن عينى لا أنتى ولا سجود
حركت رأسها بإصرار من أنها لن تذهب لأى مكان فألتفت لميس قائلا بحنان ربما أفتقد تقديمه لها بالأيام الماضية
تعالى يا حبيبتى ربنا يهديكى خلينا نقعد ونتكلم زى الناس العاقلين دا أنتى حتى دكتورة ومثقفة وعارفة أن الحوار بينا عمره ما كان فيه تسلط منى عليكى مع أن املك السلطة دى بحكم أن عمك بس بالرغم من كده علاقتنا كانت علاقة أخوة وصداقة أكتر من علاقة واحد ببنت أخوه ولا نسيتى يا ميس
لو وصفت شعورها بإفتقادها لوجوده معها فلن تصدق هى نفسها بالرغم من عنادها بأنها لا تريد تلك العلاقة بينهما إلا من داخلها مازالت كما هى تفرح برعايته وإهتمامه بما يخصها مثلما أعتادت منه دائما
فغمغمت بصوت خفيض
ماشى
سبقتهما بمشيتها ريثما يأتى راسل بسجود وزوجته فمال على حياء وهو يقول بإبتسامة
مش قولتلك أنا أعرف أصلح أمورى معاها إزاى وإن محدش يعرفها قدى
بادلته الإبتسامة وهى تقول بإعجاب
أنت الصراحة تقدر تأثر على أى حد عندك كاريزما رهيبة خلتنى أقع فى حبك بكل سهولة
فهو يريد الانتهاء من الحديث مع ميس أولا ليستطيع بعد ذلك أن يجعلها تعيد على مسامعه ما قالته الآن فبأحد المطاعم وعلى مقاعد إحدى الطاولات الشاغرة كان كل منهم يتأخذ مكانه فميس جالسة كمن تجلس على جمر محترق فهى تخشى مجئ نادر الآن وهم من تواعدا بالمقابلة هنا بأحد المطاعم الموجودة بذاك المول التجارى الضخم ضمن مخطط وضعاه سويا بتغيير مكان مقابلتهما حتى لا يثيران ريبة أحد فهما أتفقا أيضا على أن يتم الزواج السرى بينهما بعد ثلاثة أيام فقط وذلك رغبة من نادر بتدبير أموره أولا وتجهيز تلك الشقة التى سيسكناها سويا بعد زواجهما فلتنتهى من الحديث مع راسل سريعا وتذهب وبذلك لن تجعل نفسها محل الشك فبإمكانها إرسال رسالة عبر الهاتف تخبره بشأن تأخرها قليلا ولكنها حتما ستوافيه بذلك المكان المتفق عليه
____
باليوم التالى بمشفى الرحمة الخاص براسل كانت تلك هي المرة الأولى التى تسمعه يناديها بإسمها منذ وقوع ذلك الحاډث المرير الذى أدى لغفوته بغيبوبة لم يفيق من أثرها إلا اليوم فأنحنت إليه وهى دامعة العينين بسعادة من رؤيته يفتح عيناه ويغلقهما عدة مرات كأنه لن يعتاد الضوء بسهولة فالله وحده هو الأعلم كيف مرت الأيام الفائتة فهى كانت تخشى أنهيار ثباتها بين لحظة وأخرى
فأن يأتيها خبر ۏفاة والديها دفعة واحدة ولم تكن الۏفاة طبيعية بل نتاج القټل العمد وأن تصبح بين ليلة وضحاها مسئولة عن أشقاءها الصغار المتمثلين بصبيين أحدهما لم يتجاوز الرابعة عشر والأخر لم يتخطى العاشرة عوضا عن قلقها وخۏفها على زوجها الماكث بالمشفى بين الحياة والمۏت فكل ذلك كأنه جبال من الهموم ألقيت على كاهلها ويجب عليها إثبات قدرتها على تحمل المسئولية الملقاة على عاتقها
وحيد حبيبى حمد الله على السلامة
قالتها هبة وعيناها تذرف من الدموع أمرها وأسعدها تحمل نقيضين وشعوران متغايران فكم تود هى الآن أن تلقى برأسها على صدره وتبكى بمرارة على ما لاقته مؤخرا
ببطئ أقترب وحيد بكفه من يدها المستندة على طرف فراشه فحط به عليها ليعلم لما هى هكذا ترتدى ثياب سوداء ووجهها شاحبا وعيناها منتفخة من أثر البكاء كأنها لم تكف عنه منذ أيام
فخرج صوته ضعيفها متسائلا
مالك يا هبة حصل إيه وليه عاملة كده كنتى خاېفة عليا
أمتنت هبة لوجود مقعد بالغرفة لتريح قدميها من الوقوف أو ربما لتمنع سقوطها مغشيا عليها نتاج لتلك الأحداث المؤسفة التى توالت على رأسها تباعا
فأخذت يده بين كفيها وهى تقبلها بعبراتها قبل شفتيها لعله يعلم كيف كان حالها أثناء غيابه عنها فحاولت الابتسام من بين فيضان دموعها الذى يأبى أن ينحسر عن عينيها
فتحشرج صوتها وهى تقول بغصة مريرة
أكيد كنت خاېفة عليك يا وحيد ومش بس كده أنا كنت بمۏت فى كل ثانية وأنا شيفاك كده فى الغيبوبة وحالتك كانت خطېرة بس مش ده بس اللى حصل بابا وماما ماتوا يا وحيد
رفع وحيد رأسه عن الوسادة كرد فعل طبيعى بعد سماعه ذلك النبأ الخاص بوالديها فهو على يقين أنه هنا بالمشفى إثر تخطيطهما للتخلص منه حتى لا يفتضح أمرهما ولكن أراد الله أن ينجيه ويرده لزوجته فى حين أنهما هما من رحلا عن الدنيا
فغمغم بعدم تصديق
مماتوا ! ماتوا إزاى يا هبة
قصت هبة له كل ما علمته بشأن ذلك الحاډث مثلما أخبرها الضابط الذى أرسل بطلبها من أجل إستلام الجثمانين فهى لم تنسى ذلك اليوم عندما وجدت رجلا يقف على باب شقتها ويخبرها بضرورة الذهاب لقسم الشرطة ومنه ذهبت للمشفى التى تم إيداع بها والديها فهى ممتنة لذلك المحامى الكهل الذى كان سابقا المحامى الخاص بخالها عرفان فهو ساعدها حتى تمت إجراءات الډفن والعزاء وكل ما يتعلق بتلك الأمور
أغمض وحيد عيناها وسرعان
متابعة القراءة