رواية عشقك من 25-27
المحتويات
السنين اللى فاتت دى كلها خلاص أفتكرتيه أنه بقى إبنك بجد راسل مش إبنك علشان تدى نفسك الحق أنك تحرمينى منه
_________________
٢٦
اتخذ جسدها وضع ثمثال من الرخام فهى فاغرة فاها بدهشة عظيمة وبؤبؤ عينيها يكاد يسقط من مقلتيها شاعرة پألم طفيف يشبه الحړق بحلقها تخشى إبتلاع لعابها فربما يزداد الأمر سوءا فما معنى ما سمعته لتوها فوفاء ليست والدة زوجها ولكن كيف هذا ومن تكون هى ففكرت أن ربما لم يقول والد زوجها هذا القول إلا من أجل إغاظتها ولكن يقينه وثقته الكاملة بحديثه جعلتها تنفى تلك الخاطرة بعقلها فهى حتى لم تسمع دفاع وفاء عن نفسها بل أن الصمت بينهما أتخذ حيزا كبيرا حتى كادت أن تشعر بأن لا أحد بالداخل بل ربما إستمعت لأصوات من وحى خيالها
ولكن أصوات أقدام رنت بأذنيها جعلتها تعى على وضعها المتنصت على حديث رياض ووفاء فأسرعت بالإبتعاد عن باب الغرفة بل توارت عن الأنظار حتى لا يراها أحد فوضعت يدها على صدرها تحاول تنظيم أنفاسها التى علت وتيرتها تكاد تشعر بالاختناق الوشيك فدقات قلبها تقفز هلعا كأن إذا تم ضبطها وهى واقفة بالقرب من باب غرفة المعيشة سيتم تجريمها بأنها فعلت شئ لا يصح
راسل
همست حياء إسم زوجها بخفوت فأصوات الأقدام لم تكن لأحد سواه ولكنها فضلت أن تظل متواريه عن الأنظار لترى كيف ستنتهى تلك المقابلة بينه وبين والده خاصة إذا علم بما يريده منه وهى من تعلم بمدى حبه لوفاء وعلمت ذلك خلال إقامتها القصيرة بذلك المنزل
قطع راسل المسافة من بين باب المنزل لغرفة المعيشة بخطوات تشبه الهرولة فهو برؤيته تلك السيارات بالخارج والتى يعلم جيدا من يكون مالكها ومن أحد سواه ...أبيه الذى فضل قطع العلاقات بينهما منذ زمن طويل
وقف على عتبة الغرفة وكأنه أعلن حالة الإستنفار القصوى مما دل عليها حركة بؤبؤ عينيه وتكوير قبضتى يديه وعروقه التى برزت جليه بجبهته كأنه مصارع تأهب لدخول حلبة المصارعة
ولكن بالرغم مما يشعر به من غرابة وجود والده إلا أنه لايعلم كيف خرج صوته هادئا هكذا وهو يقول متسائلا
أنت بتعلم إيه هنا وجيت ليه وعايز إيه
حول رياض بصره عن وجه وفاء الباكى لوجه ولده الغاضب والذى لم يحاول بمرة أن ينمق حديثه أو سؤاله أو يضفى عليه شئ من التهذيب ويعلم أنه يخاطب أبيه
نقرات خفيفة من عصاه على الأرضية حاول بها رياض أن يعطى نفسه برهة قصيرة حتى يحاول أن يتحدث بهدوء ولا يتفاقم الأمر بينهما كالعادة
فضم كفيه على رأس عصاه وهو يقول بهدوء ولكن بشئ من الحزم والأمر
جيت علشان أخدك أنت وبنتك على قصر النعمانى مش كفاية عليك هروب لحد كده بقى ولا ايه ولا أنت مش ناوى تيجى إلا أما يقولولك تعالى أبوك ماټ
ومين قالك أن حتى لو قالولى أنك مت أن أنا هاجى أخد عزاك
قالها راسل بدون أن يعى ما يقول فعلى الرغم مما يحدث بينهما إلا أنه لم يضع بباله يوما أن يستيقظ ويجده قد رحل عن هذا العالم ولكن دائما ما يسبقه لسانه فى الإعراب عن ضيقه منه
أرتجفت شفتى رياض وهو يقول بعدم تصديق لما سمعه منه
للدرجة دى وصل بيك الجحود عليا
أغلق راسل عينيه ربما لكى لا يرى ملامح وجه أبيه المذهولة من قوله فلما دائما يصر على وضعه بمأزق من حديثهما فزفر من أنفه بضيق ليس على شئ سوى أنه تفوه بتلك العبارة الرعناء
فغمغم من بين أسنانه كولد صغير يحاول سحب حديثه الذى أثار النزق بصدر أبيه
أنا مش قصدى حاجة أنت اللى دايما مصر تخرج أسوء ما فيا ثم قولتهالك قبل كده أنا مش هرجع قصر النعمانى تانى وأنسانى أنا وبنتى ثم مش عندك إبن أخوك المحترم عاصم بيه أظن هو هيغنيك عن وجودى فى حياتك وبدل سجود حفيدتك عندك ميس دايما عند البديل حتى ليا أنا وبنتى بس هى معندهاش بدايل غيرنا
بعد أن أنهى حديثه رفع يده يشير لوفاء التى رفعت وجهها له ونظرت له بإبتسامة من بين دموعها والتى علم أنها من المؤكد ذرفتها من تكرار قول رياض لها بإنه ليس ولدها ولا يحق لها الإستئثار به
ولم يكتفى بقوله بل أقترب منها وأخذها بين ذراعيه مقبلا لرأسها بحب وإمتنان مستطردا بحنان
مش لازم تكون هى اللى ولدتنى وجابتنى للدنيا دى يكفينى أنها هى اللى أخدت بالها منى السنين اللى فاتت دى كلها وأنها بقت ليا الأم اللى بتمناها وراعتنى وأخدت بالها من بنتى أنا لو هعيش خدام تحت رجليها العمر كله مش هوفيها حقها
أراد رياض إلقاء أخر سهم بجعبته لعل يربح وده الممنوع
تعالوا كلكم عيشوا فى القصر والست وفاء على عينا وراسنا معنديش مانع قولت إيه
سحب راسل ذراعيه من حول وفاء ونظر لوالده وهو عاقدا حاجبيه بغرابة من إلحاحه تلك المرة بضرورة عودته
أنت ليه مصر المرة دى أن أرجع إيه السبب
تغشى الحنان عينى رياض وهو يطالع وجه راسل الذى حمل شبه منه بصباه حتى لو حاول هو الإنكار ورد قائلا بقلب والد مكلوم من فراق ولده سنوات طوال
عايز أعيش أخر أيامى معاك يا راسل أنا مش هعيش قد اللى عيشته وعايز ضحكة بنتك ترن فى قصر النعمانى وتحييه من جديد بدل الرتابة والملل دلوقتى ميس كبرت وبقت عروسة وشوية وهتتجوز والبيت هيبقى فاضى
حرك راسل رأسه قائلا بسخرية
أه قولتلى بقى عايزنا سد خانة بعد ما هتحس أنك لوحدك أفتكرتنى أنا وبنتى بس لاء يا رياض باشا مش هاجى معاك ومش هسيب البيت ده نهائى وده أخر كلام عندى
ربتت وفاء على صدره لعلها تهدأ تلك النيران التى على يقين أنها نشبت بقلبه ثانية فذلك ما يكرهه راسل بأبيه أن يجعله ظلا باهتا أو بديلا ربما يحتاجه بأى وقت
ففرت دموعها الحارة على وجنتيها وهى تقول بغصة لم تمزق حلقها فقط بل قلبها أيضا
حبيبى لو أنت عايز تروح معاه روح صدقنى والله ما هزعل منك المهم تكون مرتاح البال ومترفضش كلام والدك بسببى أنت مهما كان إبنه
مد يده وأزال عبراتها بحنان ثم إستدار لأبيه قائلا پعنف
ما أنا كنت إبنه من ساعة ما جيت على الدنيا دى إيه اللى أتغير دلوقتى من أول ما عرفت يعنى إيه دنيا وهو راكنى على الرف زى ما أكون شئ ملوش أى قيمة بالنسبة ليه غير إن كنت نتيجة ضعفه كراجل كان كل ما يبص فى وشى يفتكر إنه زيه زى أى راجل ممكن يمشى ورا نزواته وأن وهم أخلاصه فى حبه لمراته الأولانية أنا قضيت عليه أنا أبويا ماټ مرتين مش مرة واحدة ماټ لما وجدى ماټ وماټ لما صفى الدين العطار ماټ هم دول اللى كنت بحس أن كل واحد فيهم أبويا بجد مش ده مش ده
صړخ بكلمته الأخيرة وهو يشير بسبابته لرياض فلولا أنه حاول جاهدا الحفاظ على رابطة جأشه ربما كان بكى كالأطفال وهو يتذكر جفاء أبيه وقسوته معه منذ صغره
فكأنما أدرك رياض فداحه أفعاله الآن عندما قراءها صريحة بعينى راسل ولمسها بكلماته التى أظهرت له بوضوح كيف أنه لم يستطيع نسيان ماضيه وكأن ذلك الطفل الصغير مازال حبيسا بين جدران الذكريات
حاول الإقتراب منه ومد يده له فنأى راسل بجسده عنه وربما ذلك لم يكن سوى إحدى خطوات الدفاع عن كبرياءه حتى لا يظهر ضعفه وحاجته إليه حتى وإن أنكر هو هذا ولكن آفته تلك ستظل تلازمه وهى إن كان يريد شيئا فلا يظهر تلهفه إليه خاصة إذا كان الجانب الأخر أعلن من البداية سوء العاطفة بينهما فهو لن يستجدى العطف والمحبة من أحد يوما فإن جاءته بعد فوات أوانها فهو لايريدها
أعاد رياض ذراعه بجانبه بعد رؤيته أنه من المحال أن يستجيب راسل له فحرك رأسه عدة حركات متتابعة وقال بصوت رصين حاول إخفاء رجفته
أنا هسيبك دلوقتى براحتك بس أنت مش هتفضل كده على طول مسيرك هترجع يا راسل سواء بمزاجك أو ڠصب عنك سلام
قال رياض ما لديه وخرج من الغرفة ومنها إلى الخارج فوجد سائقه ينتظره بجوار سيارته فأمره بضرورة الرحيل عن هذا المنزل فثباته على وشك الاڼهيار بين فينة وأخرى
فعندما إستمعت حياء لتحية الرحيل من رياض أسرعت بصعود الدرج بخطوات تشبه الركض حتى وصلت غرفتها فهى لا تريد أن يراها أحد فهى لا تصدق ما سمعته اليوم وعلى الرغم من ذلك لاتريد مواجهة زوجها وإخباره بشأن علمها بتلك الأمور التى كانت تجهلها عنه فبالبداية يجب عليها أخذ وقتها كاملا لمعرفة الحقيقة كاملة فالمواجهة بينها وبين زوجها الآن ستكون قرارا غير حكيم فيكفى لمسها نبرة الضيق والعڼف أثناء حديثه مع أبيه
جلست على الأريكة المقابلة للفراش وسمعت خطوات إقترابه من الغرفة فأخذت هاتفها بين يديها ربما لتوهمه أنها كانت مشغولة بتصفحه ولكنها لم تمنع إرتجاف جسدها بعد رؤيتها الباب يفتح ويلج منه راسل وهو مكفهر الملامح
فتبسمت بإرتعاش وهى تقول بصوت حاولت أن يخرج متزنا
حبيبى حمد الله على السلامة
تبع حديثها تركها لمكانها ولكن قدميها لم تستجيب لها بأن تتجه نحوه كأنها تسمرت بالأرض فجأة فوجدته يطيح بسترته على طرف الفراش ويدور حول نفسه
فقررت التخلى عن تصلبها بوقفتها وتقترب منه لعلها تهدأ من فوران دماءه وثورته الكامنة بعينيه العاصفتين
مالك يا راسل فى إيه حصل حاجة بينك وبين باباك أنا كنت عارفة أنه تحت شوفته وهو جاى
قالتها حياء فى إنتظاره أن يبوح لها بما حدث فهى وإن كانت تعلم كل ما صار بالأسفل إلا أنها تنتظر أن يخبرها هو بكل شئ
ولكن أتاها الرد على سؤالها بأنه أحكم ساعديه حولها وأستند بجبينه على جبينها وقال بصوت معبأ بالإرهاق
أنا حاليا مرهق يا حياء ومش عايز أتكلم فى حاجة خليكى أنتى بس جمبى ومعايا
بدأت ذراعاه تؤلم عظامها المسكينة من شدة إحكامه بضمھا إليه ولكنها بالبداية تحملت الألم بسهولة فائقة فهى خشيت إثارة المزيد من قسوته إذا تمنعت عن عناقه فهو كأنه ليس بوعيه لا يريد فقط سوى الشعور بقرب زوجته ولكن بوصولها للحد الأقصى لتحملها أضطرت لدفعه عنها فربما بين ثانية وأخرى سيقتلها بعناقه
راسل حرام عليك هتموتنى
صاحت بها حياء ووجهها صار محتقنا بالډماء فأنفاسها كانت على وشك أن تنتهى إذا إستمر بفعلته فاليوم
متابعة القراءة