رواية عشقك من 25-27

موقع أيام نيوز

٢٥ 
حاول إيجاد تفسير لرجفة يدها بين كفه ولم يجد فما يعنى إرتجافها بعد رؤيته هل تشعر بالصدمة والحيرة لرؤيته هنا أم ماذا يعنى إرتخاء أصابعها المضمومة على ظاهر يده وهو أخذا يدها بين كفه العريض فصبت البرودة بأطرافه صبا فسهل عليها الإنسلال من إلتحام كفيهما معا فأرتطمت ذراعه بجانبه كضړبة السوط فهو حتى لم يرى النظرات المحدقة بهما بغرابة من تيبس قدميهما وتصلب وقفتهما
أبتلع نادر ريقه كأنه نيران من جوف الچحيم تحوم برأسه العديد من الأسئلة والأفكار فما سبب مجيئهما سويا أو ماذا تفعل حياء مع راسل فهو كان يعلم مدى كرهها لمجرد ذكر إسمه وحتى إن كان يعلم أن ميس كانت تنهى تدريبها بمشفاه إلا أنه لم يجد تفسير لوجوده هنا فى قصر النعمانى فهو ظن أن ميس لا تربط بينهما صلة سوى أنها أرادت العمل مع طبيب جراح ماهر مثله
فعقدت سوزانا حاجبيها وقالت بغرابة 
فى إيه مالكم واقفين كده ليه ما تقعدوا
حدق بها راسل ببلادة بادئ الأمر إلا أنه وعى على حاله عندما وجد رياض يدب الأرض بعصاه ليسترعى إنتباهه الشارد
فحمحم يجلى صوته الرصين وقال 
فى إيه يا راسل ما تقعد أنت ومراتك أنتوا مبسوطين بالوقفة
مراته !
أرتطمت الكلمة بأذنى نادر كإرتطام الرأس بسطح الأرض عند السقوط من مرتفع شاهق فكيف إجتمع هذان الإثنان بميثاق الزواج و ماذا حدث بتلك المدة القصيرة التي أختفى بها عن مصر   فمن الظاهر للعيان أنه حدث الكثير بتلك الأونة
فهمهم نادر من بين شفتيه پصدمة 
ممراته
تبسمت ميس له وقالت كأنها تفجر مفاجأة كبرى 
إيه رأيك فى المفاجأة دى أقدملك دكتور راسل رياض النعمانى عمى
فغر نادر فاه مما سمعه فلابد أن اليوم هو يوم المفاجأت التى لم يجرؤ على التفكير بها يوما
عمها !! فماذا تعنى بقول تلك الكلمة 
أعتصر راسل عينيه وهو يقول كأنه لا يفقه شئ مما يحدث 
هو دكتور نادر العريس إزاى أنا مش فاهمة حاجة وهو أنتوا عرفتوا بعض إزاى
ثلاثة فقط بتلك الجلسة هم من يفهمون ما يدور هنا أما باقى الجالسين لم يفقهوا شيئا خاصة رياض فمن أين يعلم راسل إسم ومهنة الرجل الذى تقدم لخطبة حفيدته 
أرتكز بكفه على رأس عصاه وهو يستند بظهره لمقعده الوثير فقال بهدوء يشبه الهدوء قبل العاصفة 
أنا اللى المفروض أسال فى إيه ومالك أنت ومراتك سهمتوا كده مرة واحدة وهو أنت تعرف دكتور نادر منين
سحب راسل حياء من مرفقها حتى أجلسها بمقعد مجاور لذلك المقعد الذى جلس عليه هو فيما بعد فجلس واضعا ساق على الأخرى وأرتكز بمرفقه على طرف المقعد واستند بذقنه على ظاهر يده يحدق بنادر وهو يقول بثغر ملتوى 
أنا أعرف دكتور نادر علشان كان شغال عندى فى المستشفى وسابها من حوالى كام شهر بس
ربتت ميس على يد جدها وهى تقول باسمة 
هو أنت يا جدو نسيت لما حكيتلك عنه أن أنا قولتلك أتعرفت عليه فى المستشفى عند راسل بس هو كان جاله فرصة عمل برا بس مرتحش هناك ورجع مصر تانى
نظرت حياء لنادر كأنها تنظر له من مكان بعيد أو كأنها تحدق بالفراغ فهى لم تضع ببالها يوما أنها ستراه ثانية ولكن أن تراه هنا وبهذا القصر وليس هذا فحسب بل تقدم لخطبة إبنة شقيق زوجها فربما تلك مزحة أو حلم
حاول نادر بالبداية الهرب من النظر إليها ولكن بالنهاية صار عيناه بمواجهة عيناها المتسعتان قليلا كأنها تعبر عن دهشتها برؤيته ولكنه لم يغض الطرف عن شفتيها التى كلما حاولت الحديث تعود وتضمهما ثانية
ولكن كأن تلك الجالسة أمامه ليست حياء التى كان يعرفها بيوم ما فهى صارت أكثر نضجا وبها جمال خاص وجنتيها المتوردتين وشفتيها المكتنزتين وعيناها كأنها تفيض بنهر من حبات البندق الفاخرة فهل يعود كل هذا لزواجها من راسل 
فهل هو من أقتنص تلك الزهرة الندية التى كان يمنى نفسه بها بوقت من الأوقات
أصدرت أسنانه صوت صرير منخفض وهو يطحنهما ببعضهما من خلف شفتيه المغلقتين كبوابة حصن منيع فشعور كاسح بالغيرة ملأ أوردته ويعلم أن لا يصح له بها فهو من تركها بالبداية ولكن لما يشعر الآن بأن راسل أخذها منه عنوة
تتبعت عينى راسل تلك الوجهة التى قصدتها خضراوتى نادر فرآه يحدق بحياء زوجته حبيبته معشوقته رفيقة لياليه الحالمة
ود لو أن يقوم من مكانه ويقتلع عيناه من محجرهما فأراد فض تلك الجلسة قبل بدأها فحمحم قائلا ببرود 
متأسفين يا دكتور نادر معندناش بنات للجواز
شهقت ميس بصوت منخفض من قول راسل وتعجب والده ولم يخفى عاصم وسوزانا دهشتهما فنادر لم يفه بكلمة بعد فهو أتى قبل مجيئه بخمس دقائق فقط
فدمعت عينى ميس وهى تقول بعدم فهم 
راسل هو فى إيه أنت قولت إيه دلوقتى
قفز راسل من مقعده واقفا على قدميه وهو يهدر بصوت غاضب 
قولت اللى كلكم سمعتوه معندناش عرايس ليك يا دكتور نادر شوفلك عروسة فى حتة تانية لكن بنت أخويا للأسف أنت متنفعلهاش وده أخر كلام ومفيش غيره
نهضت ميس هى الأخرى فصارا كندين بمواجهة شرسة فأمتلأت عيناها پغضب عارم وهى تقول 
راسل هو أنت بتتكلم كده ليه هو أنت اللى بتقرر عنى ثم إحنا بنحب بعض وأنا حكيت لجدو على كل حاجة ولا أنت مش موافق علشان هو مش غنى زينا ماهى مراتك هى كمان مش غنية دى حتى ملهاش أهل
أخرسى
قالها راسل ولم يمنع يده عن صفعها فوضعت ميس يدها على وجنتها وعيناها تكاد تترك محجرهما فهل صفعها حقا هل هذا هو عمها الذى حرص على رعايتها دائما هل هذا هو من وضعته بمكانة الأب والأخ والصديق هل هذا الذى من أجله لم تستمع لقول والدتها بالإبتعاد عنه 
نظر راسل لكف يده الممدود بدهشة فحول بصره لوجه إبنة شقيقه التى تفجرت الدموع بعينيها وهى مازالت واضعة يدها على وجنتها التى تلقت الصڤعة من كفه العريض
حاول الإقتراب منها ليبدى أسفه واعتذاره على ما بدر منه وهو يقول بندم 
ميس أنا مش قصدى اللى حصل ده أنا ...
فما كان منها سوى أن رفعت يدها تشير له بإلتزام مكانه وعدم تقدمه خطوة أخرى أو التفوه بكلمة وهى تقول بصوت كالصقيع 
خليك مكانك أنا من النهاردة مليش أعمام وزى ما أنت متبرى من العيلة كلها أتبرى منى أنا كمان خلاص يا راسل أنسى أن أنا بنت أخوك
نهضت حياء من مكانها على وجه السرعة وخطت خطوتين تجاه ميس تحاول أن تخفف من وطأة الجو المشحون بالتوتر
فمدت يدها تربت على ذراع ميس وقالت 
ميس معلش متزعليش من راسل هو ميقصدش هو عمك وعارف مصلحتك
نفضت ميس يد حياء عن ذراعها وهى تقول بإصرار 
أنا قولت مليش أعمام وجدى وخالى هم اللى يقرروا مش هو يا خسارة
بكت ميس پقهر فليس من السهل بمكان أن تنقطع أواصر العلاقة بينها وبين راسل هكذا بكل بساطة ولكن تلك الډماء النافرة بعروقها وڠضبها الأعمى جعلها لا ترى سوى أن راسل يحاول الفراق بينها وبين نادر وهذا ما لا تريده
أقتربت سوزانا منها وأحتضنتها بين ذراعيها تمسد عليها بحنان ولم تخفى نظراتها المتعجبة التى تنظر بها لراسل فلم هو أسرع بإبداء رفضه لتلك الزيجة 
تلك هى فرصته التى جاءته على طبق من ذهب فهو رأى تعلق ميس به بل أنها ستتخلى عن رابط الډم بينها وبين راسل من أجله فلم يجد ضرر من إدعاء الحزن والشهامة المزيفة
فترك مقعده وهو يحنى رأسه وخرج صوته خاڤتا بحزن 
ميس أنا ميرضنيش أن يكون فى خلاف بينك وبين عمك أو بين أى حد من عيلتك علشان كده أنا بنسحب قبل ما يتطور الخلاف بينكم أكتر عن أذنكم وفرصة سعيدة أن قابلتكم
فتحت حياء فمها بدهشة من إتقانه لدوره ببراعة فهى علمت أن كل ما تفوه به ما هو إلا كڈبا فمن قبل خدعت به وبوسامته وبإتقانه دور العاشق المغرم
فقبل أن يترك غرفة المعيشة كانت ميس صاړخة بإسمه بتحدى وهى تحدق براسل 
أستنى يانادر أنا لسه مقولتش رأيى ولا جدو ولا خالو عاصم وأعتبر اللى سمعته من عمى مسمعتوش
كأنها قذفته بحجر فأصاب رأسه فظل يطالعها بحيرة من أنه كيف تبدل حالها هكذا بلحظة واحدة ومن أجل من من أجل ذلك المخادع فربما هو لم يسمعها صريحة من زوجته تلك الأسباب التى جعلته يتركها بمفردها ولكنه ليس بطفل حتى لا يستطيع أن يلاحظ أنه فعل ذلك لأنها أصبحت بلا مأوى أو عائلة أو لا تمتلك أرثا يجعله يأمن زواجه منها
قبل أن يهم راسل بالرحيل خرج رياض عن صمته وهو يقول  بهدوء ليضع حد فاصل لتلك المهزلة التى يراها بمنزله 
أتفضل أنت دلوقتى يا دكتور نادر ولينا كلام تانى وأنتى يا ميس مش عايز أسمع منك كلمة تانية وأتفضلى على أوضتك
دبت ميس الأرض بقدميها وهى تقول بغيظ 
حتى أنت كمان يا جدو
بإشارة من سبابته جعلها تبتلع باقى حديثها بجوفها فهى يجب أن تطيعه فى الحال فليس معنى أنه دائما لا يرد لها مطلب أو أمنية وتستأثر بمكانة عظيمة لديه بأنه سيجعلها تعصى أمره حتى وإن كان أمر بسيط كهذا
فرحل نادر وشفتاه لا تكف عن الهمهمة والتذمر فمن أين جاء راسل ليفسد له تلك الزيجة التى كان يأمل أن يوفق بها لينعم بثراء ونعيم يفوق ما كان سينعم به بمال عرفان
فكل هذا يحدث وعاصم جالس صامتا حتى أنه لا ينتبه على ما يجرى حوله فهو لايرى أمامه سوى وجه من سلبته عقله منذ زمن بعيد ولم ينتبه إلا على مناداة عمه لراسل الذى أخذ زوجته ورحل من القصر قبل أن يقدم تفسيرا لأبيه عن سبب رفضه لزواج نادر من ميس فهو أعلن راية الرفض والاعتراض بدون أن يقدم أسبابه الجهورية لفعله ذلك
_________________
تلك الغرفة الفسيحة شعر كأنها صارت جحرا خاصة وهو يراها تقف أمام الفراش عاقدة ذراعيها وتحدق به بصمت دام قرابة العشر دقائق فذلك الهدوء والبرود الذى غلف قسمات وجهها يعلم أن خلفه بركان ثائر وستخرج حممه البركانية من فمها الآن
زاد خوفه ورهبته أكثر وهو يسمع صوت حذاءها على الأرضية كأنه جرس الخطړ الذى يقترب منه فأنحنت وألتقطت المفتاح الخاص بالأصفاد الحديدية من على الكومود المجاور للفراش ومدت ذراعيها وألقت بها من نافذة الغرفة فنأى بجسده قليلا عنها

تم نسخ الرابط