مريم من 13-20
المحتويات
me like you do ..
أخذ عثمان يكشف عن الأطباق الواحد تلو الآخر تحت أنظار سمر المشدوهة، كان العشاء كله مؤلفًا من الدجاج بالكريمة و الفطر، و ستيك بالخردل و إكليل الجبل، و حتى طريقة تقديمه كانت غاية في الذوق الرفيع و تحاكي الأجواء الرومانسية المحيطة بهما، فبعض قطع الخضار في السلطة على شكل الورود، و قد سكب الأرز في الأطباق على شكل قلب، و المشروب كان صودا مضافًا إليها عصير التوت الخام و قطعتين كرز تطفوان على سطح كلا الكأسين ...
كأني في حلم جميل و مش عايزة أصحى منه ! .. قالتها سمر مغالبة تلك الدموع التي تحارب للقفز من عينيها
رفع عثمان كأسه و دعاها لرفع خاصتها، طرق الإثنين معًا و هو يقول بنعومةٍ
كل ده حقيقي حواليكي يا حبيبتي. أنا مش هاخدك من هنا إلا و إنتي راضية و أعصابك مرتاحة على الأخر
إرتشفت سمر من العصير، ثم وضعته فوق الطاولة ثانيةً و قالت
لا يا قلبي إحنا أصلًا طولنا أوي هنا. أظن لازم نرجع بقى في أقرب وقت
عثمان بتكشيرة عشان ماتزعليش لما أقول عليكي نكدية.. إنتي إتعلمتي من أخوكي !
سمر و هي تضحك برقة
مش كده و الله ماتفهمنيش غلط.. أنا قلبي و عقلي معاك و مش عايزة أبعد عنك لحظة. بس جزء مني هناك لسا عند يحيى و ملك. وحشوني أوي يا عثمان و ڠصب عني بالي مشغول بيهم. و إنت سحبت مني الموبايل و مانعني أتكلم مع أي حد أطمن عليهم
أطلق عثمان زفيرًا عبر فتحتي أنفه، ثم قال بصوت هادئ
أوك.. إللي إنتي عايزاه يا سمر. بكرة هانرجع. أي آوامر تانية ؟
إتسعت إبتسامتها و مدت يدها فوق الطاولة لتقبض على يده، إستندت بذقنها إلى مرفقها و هي تقول بلهجة عاشقة
بحبك !
رد لها الإبتسامة عندما دغدغت تلك الكلمة حواسه، لم تقولها مرة إلا و رفرف قلبه كأنه يسمعها منها حديثًا.. لقد نجح في أن يجعلها تحبه، بل و تعشقه كما يفعل هو و أكثر ...
_________________
صباح يوم جديد... في قصر آلبحيري
تتناول العائلة الفطور اليوم على الشرفة المطلة على الحديقة الخلفية.. كانت فريال تهتم بالطفلين ملك و يحيى.. لاسيما ملك لم تسمح لها بالركض و اللعب مع إبن أختها إلا بعد أن أطعمتها وجبتها كاملةً و سقتها بيدها كأس الحليب
صبت القهوة بفنجانين لها و لرفعت و هي تراقب المرح الطفولي هناك بإبتسامة كبيرة، ثم إلتفتت لتعطي الفنجان لشقيق زوجها قائلة
إتفضل يا رفعت !
رفعت بإمتنان شكرًا.. تسلم إيدك يا فريال
تناولت فنجانها هي
الأخرى و هي تقول
العفو ألف هنا.. مش ناوي تاخدنا نزور هالة في بيتها بقى يا رفعت ؟ أظن عيب لحد دلوقتي محدش مننا راح يباركلها. جوزها يقول علينا إيه دلوقتي !
رفعت بجدية مش وقته يا فريال. لسا شوية.. أكيد هانروح إن شاء الله بس يكونوا أخدوا على بعض و كمان يعيشوا كام يوم على راحتهم. ماتنسيش جوزها ماسبقش و إتجوز زيها
فكرت فريال بكلامه للحظات، ثم قالت مبتسمة
أوكي.. عندك حق. إللي إنت شايفه يا رفعت
و في هذه اللحظة يأتي صالح.. مصطحبًا زوجته الحبلى في شهرها الأخير، كان يسير بها على مهل، ما إن رآى والده و زوجة عمه يجلسان لتناول الفطور حتى صاح باسمًا
صباح الخير !
إلتفتا كلًا من رفعت و فريال نحوهما و قالا في صوتٍ واحد
صباح النور ! .. ثم قالت فريال و هي ترمق إبنتها بنظرات عطوفة
إيه يا صافي يا حبيبتي. عاملة إيه إنهاردة طمنيني عليكي !
توقفت صفية عن السير أمام أمها، بقيت مستندة إلى زوجها بكل ثقلها تقريبًا و هي ترد بلهجة تعبة
الحمدلله يا مامي. الدوخة خفت شوية بس رجلي إللي بقت شبه رجل الفيل دي مش قادرة أمشي عليها خالص
فريال بلطف معلش حبيبتي هي لازم تبقى كده. و بعدين الشهر التاسع ده كله لازم تقضيه مشي على أد ما تقدري.. مش صالح واخدك عشان تتمشي ؟
لأ يا طنط أنا مشيتها الصبح بدري هنا حوالين القصر ! .. قالها صالح و هو يمسح على رأس زوجته بحنان
إحنا دلوقتي رايحين للدكتور. المفروض إنهاردة هايحدد ممكن صافي تولد إمتى و إزاي. يعني ممكن تستنى شوية و لا لأ هو هايقرر
رفعت بلهجة متضامنة
إن شاء الله على خير و هاتقوملنا بالسلامة قريب. عيلة البحيري هاتزيد واحد
صفية بإبتسامة منهكة
واحدة يا أنكل
رفعت متصنع العبوس
خلاص يا ستي لازم تأكديلي كل شوية. مش كفاية خسړت الرهان قدامك و طلعتي فعلًا حامل في بنت
تضحك فريال قائلة
مش إنت إللي كنت عمال تتفاخر أوي و تقول إبني هايطلع لأبوه و لعمه و رجالة العيلة. إفتتحوا نسلهم بالرجالة الأول و كنت واثق أوي !
و إستغرقت بالضحك أكثر... ليقول رفعت مغتاظًا
أيوة إضحكي ياستي ليكي حق. بس على فكرة الكلام ده بجد هو إللي حصل ده بس غلط من ناحية إبني الخايب
صالح مقطبًا حاجبيه بشدة
إيه يا بابا إللي بتقوله ده ؟ دي حاجة بتاعة ربنا. هو كتالوج !!
تعالى الضحك من حوله أكثر، بينما يقول رفعت بتصميم
بس يا خايب إنت ماتتكلمش
و شعر بإهتزاز هاتفه بجيب سترته في هذه اللحظة تمامًا، أخرجه ملقيًا نظرة على هوية المتصل، ثم هتف بإبتسامة مشرقة
دي هالة !
أشار للجميع بالصمت لهنيهة، ثم رد فورًا
آلو.. صباح الفل يا لولو. وحشتيني أوي يا حبيبتي عاملة إيه طمنيني عليكي !
ثوانٍ.. و بدأت إبتسامته الكبيرة تتلاشى أمام أعين العائلة المترقبة، بدأ القلق يساور الجميع و هو لا يزال صامتًا بشكلٍ مريب ...
برز صوت صالح فجأة
إيه يا بابا في حاجة و لا إيه ؟!
تطلع رفعت إليه و ظل كما هو، لكنه قام فجأة من مكانه و أبعد الهاتف قليلًا عن أذنه قائلًا بإقتضاب
مافيش حاجة. إنت يلا خد مراتك و شوفوا رايحين فين! .. ثم نظر إلى فريال مستطردًا
أنا داخل أكلم هالة جوا يا فريال
أومأت له فريال و نظرتها لا تخلو من التوجس، لكنها لا تستطيع أن تسأله الآن.. على الأقل يفهم هو أولًا ليطمئنها تاليًا ...
ولج رفعت إلى قاعة الصالون و هو يتحدث ثانيةً إلى إبنته
إيه يا هالة.. قولي أنا سامعك !
آتى صوت هالة متنشجًا و متقطعًا من شدة البكاء
بقولك الحيوان ده.. ضړبني.. ضړبني يا بابي و أنا مش عارفة أخرج من الأوضة من إمبارح
إحمّر وجه رفعت و هو يسألها كاظمًا غضبه بجهد
هو حابسك يعني ؟؟؟
هالة بصوت كالأنين
لأ.. أنا. أنا خاېفة أخرج ألاقيه في وشي.. أنا مش عايزة أشوفه. مش عايزة أسمع صوته حتى لأخر يوم في عمري.. بليز يا بابي تعالى خدني من هنا بسرعة
رفعت بإنفعال أجي أخدك إيه إنتي إتجننتي ؟ إنتي ماكملتيش إسبوع متجوزة الناس تقول علينا إيه ؟؟؟!!
هالة پبكاء شديد
بقولك مد إيده عليا يا بابي. ضړبني جامد أوي.. أنا جسمي كله بيوجعني
رفعت مغمغمًا بقساوة
تلاقيكي إنتي نرفزتيه. خرجتيه عن شعوره.. هو أنا مش عارفك ؟ بتعملي معاه زي ما عملتي مع مراد لحد ما خلتيه يطلق بالتلاتة. بس أنا مش هاسمحلك تكرري التهريج ده تاني. أقتلك يا هالة و أخلص من بلاويكي. سامعة ؟ أقتلك !
جاء ردها مصدومًا
بابي ..
بلا بابي بلا زفت ! .. قاطعها بعصبية شديدة، ثم قال بصرامة
إسمعي يا بت.. إنتي هاتترزعي في بيتك و هاتسمعي كلام جوزك و هاتعملي كل إللي هو عاوزه من سكات. فاهماني ؟ هاتبقي ست محترمة و تحترمي أهلك و تحافظي على بيتك و مش هاتخربيه زي ما عملتي أول مرة. عشان لو حصل تاني قسمًا بالله ما هرحمك يا هالة !
و أغلق الخط دون سابق إنذار ...
رمى هاتفه فوق الطاولة و هو يزفر پعنف،و ظل يلف و يدور بالمكان و هو يفتح زر قميصه العلوي عندما شعر بإختناق، و أخذ يتمتم لنفسه
ليه كده يا هالة ؟ ليه ؟ ليه !!!!
___________________
كان يبيت منذ الليلة الماضية بغرفة شقيقته، لكنه على كل حال لم يستطع النوم بعمق.. بل لم ينام تقريبًا
قضي الليل كله مسهدًا، يتقلب فوق السرير و كأنه جمرًا.. ضميره يعذبه بشدة كلما يستحضر عقله المشهد العڼيف الذي قام به إزائها
لم يكن يطيق نفسه و ما وصل إليه.. لديه قناعة تامة بأن كل ما حدث له من سوء بسبب صهره البغيض... إنه يمقته، لم يكره بشرًا في حياته بذلك القدر، كم يتمنى لو يختفي من حياته و حياة أخته، هو من زعزع رتابة حياتهم، لقد آتى و جلب معه البلاء و سواد العيش
لم يرى يومًا جيدًا بعد مجيئه أبدًا ...
يقوم فادي من السرير متآففًا، لم يكن يود أن يتواجه مع زوجته الآن أو في أيّ وقت قريب.. لكن يبدو أنه لا مفر
وجد الشقة هادئة و السكون يسود الأجواء، فمشى ناحية المطبخ ليشعل القدر لصنع الشاي.. لكن يستوقفه صوتها فجأة من خلف باب الغرفة
إلتقطت أذنه بعض العبارات و خمن بأنها ربما تتحدث مع أبيها بالهاتف لأنه سمعها تنطق إسمه، قرب أذنه من الباب قليلًا و أرهف السمع.. لكنه لم يسمع سوى نشيجها المكتوم و نهنهاتها المتقطعة ...
تنهد فادي بضيق شديد، ثم إستدار عائدًا إلى الغرفة... مستحيل أن يبقى و يواجهها، هو ليس مستعد و يبدو أنها كذلك أيضًا
تلك المخلوقة الرقيقة، إنها لا تملك سوى سلاطة اللسان كسلاحًا، و هو لا يزال لا يعرف كيف طاوعته نفسه على إلحاق الآذى بها بهذا الشكل.. كان يجب أن يعلم بأنها لن تتحمل،
فهي لم تخلق لتعامل هكذا، و لا ريب أنها لم تألف تلك التصرفات منذ ولدت، عاشتها لأول مرة على يديه ...
إرتدى ملابسه، و بدون تردد إتجه إلى الخارج، و تعمد إغلاق باب الشقة بقوة ورائه حتى تسمع و تنال حرية التصرف أثناء غيابه لبعض الوقت ...
.......................
كانت هالة تجلس متكومة فوق الفراش، دموعها الساخنة تسيل فوق خديها و هي تنظر إلى ملابسها الممزقة أمام السرير..
غمغمت بآسى شديد و هي تمسك ببطنها
مش وقتك خااااالص !!!
و إنتفضت مكانها فجأة حين سمعت صوت إغلاق باب الشقة ...
تحاملت على نفسها و قامت بسرعة لترى ما إذا كان هناك أحدًا قد جاء، أم هو الذي غادر.. فتحت باب الغرفة و واربته قليلًا، مدت رأسها للخارج، فوجدت كل شيء هادئ، و غرفة سمر مفتوحة أمامها و السرير قد برز نصفه، لتراه مبعثرًا.. فتأكدت بأنه قد بقى هناك منذ الأمس، و يبدو أنه بالفعل غادر الآن
فلتصحبه اللعڼة أينما ذهب ..
تنفست الصعداء و تركت باب غرفتها مفتوحًا، إتجهت نحو الخزانة و أخرجت حقيبة مربعة متوسطة الحجم.. ركعت على ركبيتها
متابعة القراءة