مريم من 13-20
المحتويات
حيث كان الرجل ذي العمامة و القفطان خفيف الظل مرحًا إلى أقصى حد
حتى عثمان الذي كان يقف متأنقًا بحلة سوداء ثمينة، و متكئًا من الخلف على الكرسي الذي يجلس إليه عمه.. لم يستطع منع ضحكاته على دعابات المأذون و قصص مغامراته العديدة خلال مسيرة عمله الطويلة ...
لم يقاطع كل هذا المرح سوى صوت السيارة التي أرسلها عثمان لتقل زوجته و أسرتها من ليتهم إلى هنا... إعتذر من الحضور و ولىّ خارجًا بسرعة ليستقبلهم
بضعة دقائق قليلة و عاد بهم.. كانت زوجته تتأبط ذراعه من ناحية، و من ناحية أخرى تتأبط ذراع أخيها السليمة
و كانت ملك تمسك بيد الشخص المفضل إليها على الإطلاق.. و هو زوج أختها، لم تترك يده لحظة، بينما تقبل فريال عليهم و هي تهتف بحفاوة
أهلًا أهلًا أهلًا.. إيه الجمال ده كله يا حبايبي. ما شاء الله منورين !
و بالواقع أنها لم تكن تنظر إلا لزوجة إبنها.. حيث كانت مبهورة بها كليًا و هي قريبة من زوجها إلى هذا الحد، و ترتدي ذلك الفستان الوردي اللامع، كان فضفاضًا بحزام ضيق فقط حول الخصر فضي اللون، و وشاح رأسها عصريًا يظهر رقبتها و جزء بسيط ظهر من شعرها رغمًا عنها.. أما مساحيق التجميل لم تكن مبالغة، فقط كانت تضع القليل من حمرة الشفاه و الخدين، و محدد للعيون أبرز سعة عينيها و لونهما الأخضر الصافي الجميل ...
أخيرًا، ألقت نظرة على أخيها، صهر العائلة الجديد
لتجده يرتدي بذلة بسيطة و ثمينة في آن زرقاء اللون.. كان متواضعًا بتفاصيله كالمرة السابقة و أنيقًا، فإستشفت من ذلك بأن ذوقه يتشابه مع ذوق إبنها نوعًا ما.. و ربما شخصياتيهما أيضًا.. كما ترى !!!
صافحت فريال الأخوة الثلاث و رحبت بهم كثيرًا، إنضم إليها كلًا من رفعت و صالح و صفية.. قاموا بدعوتهم إلى الداخل، و تطوع صالح ليذهب و يحضر شقيقته
كان الموقف متوترً في البادئ خاصةً على فادي الذي جلس متصلبًا يدعي الثقة و الثبات بين حفنة الأثرياء المتغطرسين هؤلاء.. لكنه سرعان ما إسترخى مخبرًا نفسه بأن يأخذ الأمور ببساطة أكثر من هذا
و لكن تظهر العروس فجأة.. مشتتة مرح الأجواء، معيدة التوتر إلى عريسها و مضيفة عليه لمحة ڠضب، و في الحقيقة لم يكن وحده الذي ذهل و ڠضب، حتى أخيها الذي سار بها تجاههم بدا عليه العبوس و الحنق الشديد ...
تركزت الأنظار حول هالة في هذه اللحظات... الجميع يرمقها بنظرات غير مصدقة، بينما مشت غير مبالية و هي تختال بفستانها الأسود الذي ناقض لون طلاء الشفاه الفوشيا الذي وضعته، و تسريحة شعرها الغجرية المٹيرة
كانت راضية تمامًا عن كافة الإنطباعات التي أثارتها على الحضور، و خاصةً إبن عمها و خطيبها المزعوم، أخذت تنقل نظراتها بين الإثنان و إبتسامة ساخرة تزين ثغرها المغرٍ ...
لم يستطع أحد التفوه بكلمة رغم هذا، كمت أفواه الجميع و جلسوا في صمت مكهرب.. هالة إتخذت مكان أبيها فبقيت على حدة
ليجاور
كلًا من فادي و رفعت الشيخ المأذون فوق الآريكة الصغيرة من الجانبين ...
و بعد الخطبة المعتادة في كل زيجة، قدم المأذون دفتر التوقيع للشهود أولًا فكان من ضمنهم عثمان، ثم للعروسين.. وضع فادي إمضائه فكاد الورق يثقب من فرط ضغطه على القلم
أخذ رفعت الدفتر و قربه من إبنته و أعطاها القلم.. و لكن قبل أن تمسك به دوى ذلك الصياح الذي تعرفه و يعرفه أغلب الحاضرين جيدًا ...
مبرووووووووك يا عرووسة. يا ترى الكتاب إتكتب و لا لسا !!!!!!!! .................... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبع ...
15
_ إلي ! _
جمد المشهد كله للحظة.. عندما إنبعث ذلك الصوت الهادر من الخلف، لتتصوّب نظرات الجميع نحو المصدر تاليًا، و يا لها من مفاجأة مذهلة
فذاك الدخيل الذي لا ينذر ظهوره المباغت بخير بتاتًا لم يكن سوى مراد.. الزوج السابق للعروس !!!
أطلق عثمان سبة خفيضة و هو يهب واقفًا من مكانه، إنطلق بسرعة صوب صديقه الذي شاهده مقبلًا تجاه جلسة عقد القران مباشرةً بخطى حثيثة و عيناه تقدحان شرارات ملتهبة ...
إستنى بس يا مراد رايح فين ؟ .. غمغم عثمان و هو يعترض طريق مراد ممسكًا إياه بكتفيه بقوة
دفعه مراد في صدره پعنف لم يبعده عنه إلا بمقدار خطوة واحدة، ثم صاح پغضب شديد
إوووعى يا و من قدامي.. إياك تقرب مني !
ينضم صالح إلى إبن عمه قبل أن يرتد إليه طرفه، أراد الحؤول بينه و بين ذاك الهائج كالثور العتي و التصدي إليه
إلا أن عثمان أشار له بذراعه ليظل واقفًا ورائه، ثم نظر إلى مراد ثانيةً، و رفع كفاه بحركة مسالمة و هو يقول بلطف حذر
طيب حاضر مش هاجي جمبك. بس إهدا. إهدا يا مراد و لو عايز تتكلم تعالى نطلع أنا و إنت برا و قول كل إللي إنت عايزه ..
قهقه مراد بخشونة و قال
نتكلم برا ؟ إنت بتهزر يا عثمان صح ؟ إنت فاكرني جاي لحد هنا عشان أتكلم معاك إنت أصلًا ؟ لا يا صاحبي.. أنا جاي عشان أتكلم قصاد كل دول. و جرب تمنعني أو تقاطعني. هاقلبلك الفرح ده عزا وقتي
ضغط عثمان على شفتيه مطلقًا زفيرًا نزقًا عبر فتحتي أنفه.. لم يتخلى عن وقفته المتآهبة عندما مد مراد رأسه و أمالها قليلًا حتى يتسنى له رؤية الجميع بالخلف
مرر ناظريه فوق الوجوه الشاحبة و هو يهتف بسخرية قاسېة
مساء الخير يا محترمين. إعذروني طبعًا إني طبيت عليكوا زي القضا كده و بوظت اللحظة السعيدة. بس ده كان واجب عليا و لازم أعمله عشان مافيش أي حد يتخدع زي ما إتخدعت سيادتي و أتلعب بيا !
مراد !!! .. تمتم عثمان بلهجة تحذيرية
نظر مراد له مبتسمًا بشړ لم يعرف طريقه إليه أبدًا إلا الآن و قال
إيه يا صاحبي ؟ مال وشك قلب كده ليه ؟ إنت خاېف من إللي هاقوله مش واثق في نفسك و لا إيه ؟!!!
غمغم عثمان عبر أسنانه بغلظة مستوحشة
متحاولش تلوم حد هنا غير نفسك. محدش قالك طلقها.. إنت إللي مقدرتش تسيطر عليها !
مراد و هو يضحك بتهكم
طيب و ليه موطي صوتك أوي كده ؟ أعلى شوية وحياتك. عشان العريس يستفاد من النصيحة و مايغلطش غلطتي
صعدت الډماء إلى وجه عثمان و قد إستعد للخطوة التالية رغم أن هذا التصرف أخر ما أراد التعامل به مع صديقه اللدود، و لكن يتحتم عليه أن يحافظ على ماء وجه العائلة مهما كلف الأمر ...
شد عثمان على قبضة يده بقوة في إنتظار ما سوف ينبثق من فم ذلك الأحمق.. بينما يرفع مراد بصره نحو هالة أخيرًا !
إشتبكت نظراتهما في هذه اللحظة تمامًا، و قرأ على وجهها ذاك التعبير الخبيث الموارى خلف إبتسامة هادئة و عينان غدارتان ...
و كأنه قد نسى سبب وجوده، و تلك الكلمات التي حضرها جيدًا ليفضح طليقته و صديق عمره.. رغم إرادته إغرورقت عيناه بدموع الحقد و الڠضب و هو يتفرس فيها كضاري يتوق للإنقضاض على طريدته
لكنه بعد كل هذا لم يستطع إلا أن يقول بصوت آجش يختلج إنفعالًا
إنتي.. إنتي كنتي غلطة عمري. خدعتيني و عرفتي تمثلي عليا صح. لحد آخر لحظة في حياتنا مع بعض كنتي أشطر ممثلة.. حتى عثمان نفسه مايجيش جمبك حاجة
و ضحك بقساوة مكملًا
بس تصدقي ! إنتوا لايقين على بعض أوي. كان لازم تكونوا لبعض من البداية زي ما كان نفسك و هاتموتي عليه ..
تعالت بعض الهمهمات بعد أن تفوه بتلك التصريحات المخزية... كانت سمر أول من صعقها هذا الكلام، و أخذت تحملق مصډومة في زوجها تنتظر ردة فعله
على الطرف الآخر.. لم يبدي فادي أيّ تأثر، بل بقي هادئًا للغاية و متريثًا حتى نهاية المشهد الدرامي برمته ...
كاد عثمان أن يفقد أعصابه في هذه اللحظة و يتهور على صديقه، لولا تدخل رفعت بالوقت المناسب و هو يصيح بصوت صارم
كفاية.. كله يلزم حدوده هنا !
و قطع المسافة تجاه مثلث العدوان ذاك.. وقف بينهم معلنًا بصوت قاطع لا يقبل المجادلة من بعده
مراد ! الموضوع منتهي من زمان. إنت كنت جوز بنتي و خلاص طلقتها بالتلاتة و عدتها خلصت و الليلة دي كتب كتابها على راجل تاني.. إحنا فعلًا بنعتبرك واحد من العيلة منغير أي حاجة. بس أظن وجودك هنا دلوقتي بالذات مش مرحب ييه.. ف ياريت تتفضل تمشي لو سمحت. تقدر تشرفنا في أي وقت بعدين. هانكون سعدا جدًا بإستقبالك
لم تبرح الإبتسامة المائلة الساخرة ثغر مراد و هو يستمع إلى خطاب الرأس الأكبر لعائلة البحيري... لكنه أظهر عدم إكتراث به و تطلع أمامه إلى الجميع و هو يقول بهدوء
أنا شايف Obviously إني إتفهمت غلط.. أنا مش جاي أبوظ الليلة يا جماعة. الكلمتين إللي قولتهم أدوا الغرض. و عمومًا مسألة إنتقامي لكرامتي و رجولتي من واحدة كانت في يوم من الأيام مراتي في نظري ماتستحقش ..
و نظر إلى هالة من جديد مضيفًا
ماتستحقش أقضي يوم واحد في السچن بسببها !
ران الصمت لبرهة أخرى.. ألقى مراد نظرة شمولية أخيرة على الحضور، ثم قال بلهجة مزدرية
Have a good night and congratulate you
on a happy marriage!
و إستدار موليًا إلى الخارج و دمائه تغلي بعروقه، و على عكس قناع البرود الذي رسمه أمامهم في الأخير بإتقان كان في أقصى حالات الڠضب و هو يتمتم لنفسه متوعدًا
لسا ماخصلناش يا عثمان إنت و هالة.. و ربي و ربكوا لسا ماخصلناش. هادمركوا !!!
كان عثمان يقف بمكانه يراقب رحيله، ما إن توارى عن ناظريه حتى إلتفت و صاح بإبتسامته الجذابة اللطيفة
كالعادة مافيش جواز بيكمل منغير شوية Melodrama .. بليز نكمل إحتفالنا. و لا كأن حاجة حصلت !
_____________
داخل شقة في أرقى ضاحية من ضواحي المدينة العريقة الجميلة.. عروس البحر الأبيض المتوسط.. _ الأسكندرية _ ...
كانت قد ملأت حوض الإستحمام المطل على شرفة داخلية بقاعة الحمام الفاخرة، مصنوعة من الزجاج المنيع المعتم، و الذي يتيح الرؤية لمن بالداخل أما الذي بالخارج فلا
أمسكت بروموت كنترول صغير و ضغطت زر معين، ليرتفع الستار الذي غطى الزجاج مبرزًا المشهد الساحر على الإطلاق، بحر ثائرة أمواجه، أسفل سماء أكتوبر المعتمة ذات السحب الرمادية المتفرقة.. و القمر يتآوج عليائه ملقيًا بنوره الشحيح فوق رؤوس النجوم المتلألئة من حوله ...
جلست بالحوض على مهل بعد أن أضافت للماء السوائل العطرة الثمينة، و التي سببت رغوة كثيفة أخفت جسمها الڼاري الذي شكلته سنوات نموها الأنثوي الأخيرة و حولته لشيء
مثير حد اللعڼة
أمسكت بكأس الشراب البارد الذي تركته خلفها بجوار
متابعة القراءة