رواية القصة 4-5-6
المحتويات
بتلك التربة الزلقة حتى لا تسقط أرضا تحركت عهد نحو الأمام تجاه هذا الكوخ الذى يقف بمنتصف الغابة كما لو أنه ظهر من العدم ..
كوخ خشبي يحمى من الخلف بجبل عال يظهر إليها كملاذ آمن من تلك العاصفة حتى لو كان خاويا ..
وصلت تجاه الكوخ تحتمي بسقيفته العريضة التى تمتد أمامه وهي تلتف بقوة بملابسها المبللة وإرتجافها الشديد لم تهتم بالنظر للكوخ بقدر إهتمامها بالدخول إليه لكن عليها طرق الباب أولا للتأكد فربما يكون عامرا بسكانه ...
سكون تام يقطعه صوت المطر بعد إنتظارها لبضعة دقائق بعد دقاتها الخشنة فوق الباب الخشبي للكوخ ليفتح الباب بتروي لتسلط عهد عيناها تجاه تلك الشقراء النحيلة جميلة الملامح بتفحص شديد ككشف هيئة تقوم به لتقييمها لما تملكه من حسن ووجه رقيق ملائكي الطلة ..
لم تكن سوى فتاة بالعقد الثالث من عمرها متوسطة الطول بل تميل للقصر شقراء طبيعية ذات أعين ملونه وفم وردي جذاب إنها حقا أنثي كم يجب أن تكون زادت أنوثتها بإقتران هيئتها بنبرة صوت عذبة للغاية وهي تناظرها بتساؤل بالألمانية التى لم تستطع عهد إدراك مقصدها فهي لا تتحدث الألمانية لتجيبها عهد بالإنجليزية ...
_ عفوا لا أتحدث تلك اللغة ...
لتعيد الشقراء تساؤلها بالإنجليزية ..
هل يمكنني مساعدتك ...!
فاهت عهد بها للحظات فكم هي ناعمة رقيقة لا تشبهها بالمرة نفضت تلك الأفكار عن رأسها لتنتبه لما هو أهم فعليها قضاء مصلحتها التى أتت من أجلها رسمت بسمة باهته غير معتادة على محياها فيجب أن تظهر بمظهر ودود لطيف لتحظى بغايتها بالبقاء معها ثم أكسبت تلك البسمة بنظرات مترجية مصطنعة لتبعث الإطمئنان لها ..
_ لقد علقت بالغابة فبعد هبوب العاصفة قطع السيل الطرق ولم أستطع العودة للمدينة فهل يمكنني البقاء هنا حتي تنتهي العاصفة ....!!
مدت الشقراء رأسها لخارج الباب تناظر السماء الملبدة بالغيوم والأمطار الغزيرة والتى يبدو أنها تدرك للتو أن هناك عاصفة ما وسوء حال للطقس ..
مالت عهد بفمها بسخرية من من رد فعلها المتسم بالغباء قائله بداخلها ..
_ مفيش حلاوة كاملة أهي طلعت غبية
عادت لبسمتها المتكلفة لثغرها مرة أخرى حين هتفت الفتاة قائلة ..
_ اوووه حقا إن العاصفة شديدة للغاية ...
غمغمت عهد بسخط رغم إبتسامتها الثابتة فوق شفتيها ...
_ وحياة أمك أمال أنا بقول إيه !!!
عقصت الشقراء أنفها بدون فهم لما قالته عهد ثم أشارت نحو الداخل تدعوها للتقدم ..
_ تفضلي مرحبا بك ..
أومأت عهد بخفة وهي تدلف نحو الداخل قبل أن تغلق الشقراء باب الكوخ من خلفها ...
وقفت عهد تستقيم بجزعها للأعلى تلتمس الدفء فالكوخ دافئ للغاية فعلى ما يبدو أن أصحابه يستخدمون التدفئة بأرجائه كافة شعور ممتع بعد إرتجاف كاد يصل لداخل عظامها بلحظة تبدلت فكرتها التى كانت تحملها بمخيلتها عن الأكواخ فقد ظنت أن الأكواخ ما هي إلا شقة بسيطة من الخشب أو ما شابه يلقون به بعض الأثاث البالي لقضاء أيام قلائل به كنوع من التغيير لروتين حياة إعتادوا عليه قبل عودتهم لحياة المدينة الصاخبة ..
لكن هذا الكوخ كان مميز للغاية بل إنه مبهر مصمم بطريقة هندسية جميلة يتمتع بذوق رفيع إستثنائي أيضا كان كتحفة فنية بكل تفاصيله حتى هذا السلم الداخلي المصنوع من طبقات متتالية من جذوع الأشجار ذو حافة ديكورية مصممة بعناية ...
كوخ ثري جميل حقا معزول بتدفئة بشكل لافت للنظر يجعل من يقطن به لا يشعر ببرودة الطقس من خارجه بل إن الحياة بأكملها بداخله معزولة تماما عن خارجه ...
إلتمست عهد العذر لتلك الغبية كما أطلقت عليها بعدم إدراكها لما يحدث بالخارج وهبوب تلك العاصفة القوية فهي تعيش بعالم منفصل تماما ...
قطع تأملاتها صوت الشقراء الناعم من جانبها لتنتبه عهد إليها ...
_ أنا كاتينا مرحبا بك ...
أعادت عهد تلك البسمة المتكلفة خاصتها وهي تجيبها بتقبل ..
_ عهد إسمي عهد ...
_مرحبا أهد ...
رفعت عهد جانب أنفها بإستنكار لطريقة نطق إسمها بتلك الطريقة المتغنجة التى لا تعتاد عليها لتعيد التوضيح بالعربية ساخرة ...
_ أهد !!!! إسمي عهد يا أختي مش أهد جتك هده ...
رمشت الفتاة بأهدابها القصيرة بدون فهم لمقصدها خاصة وهي تتحدث تلك اللغة التى لا تعرفها محاولة إدراك ما تتفوه به حين أشارت إليها عهد ألا تكترث لها ...
_ لا عليك لا عليك ..
أومأت كاتينا بخفة وهي تدعوها للجلوس والإستمتاع بالتدفئة ...
_ إجلسي تفضلي أهد ...
غمغمت عهد بتذمر بنبرة منخفضة للغاية ..
_ يا دي أهد إللي مش حنخلص منها شكلها حتبقي مرار ...
جلست عهد فوق أريكة جلدية حمراء اللون مميزة للغاية ومريحة أيضا بذات الوقت ...
يموج الصباح بإشراقة شمس دافئة بفصل الشتاء أيضا بهذه المدينة ليبدأ يوم جديد خاصة لتلك الأسرة الصغيرة التى بدأت حياتها منذ عدة شهور لا أكثر ببيت المستشار خالد دويدار خاصة بالشقة العلوية للإبن البكر عيسى وزوجته المتوهجة غدير صاحبة أجمل ضحكة بهذا البيت ...
إرتدي عيسى حلته السوداء المنمقة وهو يتطلع بإنعكاس صورته بالمرآة لكن الفارق اليوم هو إستيقاظ غدير بنشاط وحيوية على غير العادة فهي محبة للنوم وإستغراقها به ...
وقفت من خلفه تهتف به وهي تضحك بضحكتها المعهودة التى تتميز بها يهتز لها جسدها اللين بشقاوة لتجبر مشاهدها على الإبتسام أيضا رغما عنه تلك المتوهجة التى دبت الحياة بداخل عيسى ليقع أسيرها دون مقاومة ..
_ مينفعش تمشي سادة كدة ...!!!
إستدار تجاهها وهو يقضب حاجباه دون فهم برغم ضمھ لشفتيه بقوة حتى لا تنفرج بتلك الإبتسامة التى كادت تنقلب لضحكة قوية من مظهرها السعيد وفمها المفتوح بإبتسامة تنبع من كل جوارحها وليست من شفتيها فقط ليعقب بتساؤل ...
_ هو إيه إللي سادة !!! ده وصف يا غدير !!
نطقها ببعض السخرية برغم محبته لطريقتها العفوية المرحة بشكل غير معقول توسعت حدقتيها عن آخرهما وهي تفغر فاها قائله ..
_ لابس لي بدلة سوداء وقميص إسود وكرفته سوداء وشنطة سوداء وشراب إسود وجزمة سوداء إييييه .. قلم حبر رايح المحكمة !!! مالك سادة كدة !! لازم تحط تاتش حلو كدة عايز لبيسة للقلم ..
أنهت عبارتها لتتعالى ضحكتها هي أولا بقهقهة قبل حتى أن يضحك عيسى الذى بدوره أجبر على مشاركتها ضحكتها فلا شك إنها قادرة على خلق تلك الضحكة على وجهه ليردف ببسمة منفرجة ..
_ والمفروض أحط لبيسة شكلها إيه يا ست الفنانة !!
لم يتوقف مزاحها عند هذا الحد بل أطلقت كلماتها الساخرة قبل أن ټنفجر قهقهتها الصاخبة وهي تخرج راكضة إلى خارج الغرفة ...
_ حط طحينة .......
ركضت كطفلة سعيدة نحو الخارج فهي تدرك أنها بذلك تثير روح الإنتقام المازحة لديه متوقعة أن يلحقها مستنكرا لكنه لا يقوى على الإنفعال والڠضب وهي تسخر منه بطريقتها المبهجة وروحها الشقية الخفيفة ...
_ إنت بتقولي إيه ...!!! تعالي هنا .....
رغم مراوغتها له إلا أنها فاشلة تماما بالهرب لتقع بين براثن يديه التى أمسكت بها دون عناء إنتقام لابد منه إلا أنه فور أن قبض عليها بين يديه وإستكانت حركتها أمامه كالعصفور الذى وقع بالشباك وبدأت أنفاسها اللاهثة بالهدوء بعض الشئ تبدلت تلك الروح الطفولية وتجلت الأنثى الشقية بعيناها الواسعتان ..
تلك النظرات الولهة من عيناها التى أطلقت سهامها بقلبه المنتفض قلبه الخائڼ الذى أصبح ملك لها تقلبه بين يديها كما تشاء هو من ظن أن قلبه ملكه وحده يتحكم به حتى أطلت تلك الشقية بحياته لتقلبها رأسا على عقب ...
لحظة من إلتقاط الأنفاس كانت نتيجة لدفعته الخفيفة من يداه التى تحيط بها تجاه صدره لتستكين بداخله مغمضة عيناها لوهلة قبل أن يقبل رأسها هامسا بعشق متيم ..
_ بحبك يا شعنونة كفاية بقى حتأخر على المحكمة خدي بالك من نفسك ومن بابا وماما ...
رفعت رأسها للأعلى ليظهر فرق طولهم الواضح تنظر نحوه بعيون تمتلئ بتلك العاطفة التى سلبت قلبه تلك القصيرة ثم همست بهدوء ..
_ في عنيا يا سيسوعيسى ... حطمن عليهم الأول قبل ما أروح عن مودة أختي ..
_ تمام ... خدى بالك من نفسك وإركبي تاكسي بلاش زحمة ومواصلات .. لولا ظروف مودة مكنتش رضيت تروحي لها كل يوم والتاني كدة ...
معلش يا سيسو ... ما إنت عارف إنها عايشه لوحدها ..
أنا المهم عندى إنت .. خدى بالك من نفسك ومتتأخريش عشان بخاف عليك ...
رمشت بعيناها الباسمتان لتومئ بالإيجاب وكيف ترفض حنان وإهتمام قلب قلبها عيسى ..
حاضر يا روحي ... مش حتأخر عشانك .. متقلقش عليا ...
بمحبة قبل جبهتها مغمضا عيناه براحة وإستكانة مودعا إياها فلو ترك العنان لنفسه لن يتركها ولن يغادر ولن يعمل مطلقا سيبقى فقط أسير تلك الغدير ...
أثار بأصابعه خصلات شعرها المموج الثاثرة وهو يتحرك بخطوات متعجلة نحو الخارج حتى لا يتأخر عن موعده لكن تلك الإبتسامة التى رسمتها غدير فوق ثغره لم تتلاشى بسهولة فهي أحلى بداية لهذا الصباح لكنه حاول بقدر المستطاع العودة لشخصيته الجادة الهادئة المقتضبة التى يتصف بها فمجال عمله لا يصح به المزاح ...
سويسرا .. الكوخ ...
شعور الدفء ممتع ومريح بشكل تعشقه عهد بعد إرهاق ليلة طويلة شعرت بالراحة أخيرا خاصة فوق تلك الأريكة المريحة وإحتسائها لهذا المشروب من الكاكاو الساخن الذى أحضرته لها كاتينا منذ قليل بعد أن مرت عدة ساعات على تواجدها هنا ...
فتحت عيناها المغمضتان بإستمتاع لهذا الهدوء على صوت كاتينا وهي تعلي من صوتها الناعم منادية بإسم غريب فيبدو أنها ليست بمفردها بهذا الكوخ ...
_ ماوصي ...ماوصي ... لدينا زائر ...
قوست عهد شفتيها للأسفل بإمتعاض متعجبه من هذا الإسم فهل تقصد به إنسان من بنى آدم أم إنه ربما إسم كلبها كما يحدث بالأفلام لتنتظر بترقب ما هو هذا الماوصي ...
سمعت بعد قليل وقع خطوات بأعلى درجات السلم لترفع عهد عيناها بذات الإتجاه بفضول لمعرفة شكل هذا الكائن الذى قامت كاتينا بندائه ...
بخطوات رزينة تقدم شاب طويل القامة ذو هيئة رياضية يتمتع بعيون ظاهرة حادة ذات لون أسود قاتم لها بريق واضح متقد الذكاء والغموض أيضا شاب جاد متجهم يتحرك بصوبهم دون أى إهتمام بوجود غريبة معهم لم يكن أبيض البشرة ك كاتينا بل كان يتحلى ببعض السمرة الجذابة لاقت بكثرة مع حدة عيناه التى توحي بالذكاء والشراسة بذات الوقت ..
دون التفوه بكلمة شعرت عهد بأن هذا الماوصي يتمتع بشخصية صلبة قوية لم تعهدها بأحد من قبل فهيئته توحي بذلك ..
وجهه المستطيل ولحيته الخفيفة النابته والمحددة بشكل أكسبه جاذبية
متابعة القراءة