رواية القصة 4-5-6
الرابع
نعم أنا طفلة مهما إصطنعت القوة فبداخلي طفلة تفتقر للحنان والأمان من يتحمل عنادي وأخطائي يا ليتني نضجت كما أظن يا ليتني بأحضان أمى ...
برودة قارصة وأمطار رعدية تتجلى بأصواتها التى ترجف القلوب أضواء البرق المتلاحقة التى تغزو النفس وتدب الفزع بها الجميع يلتزم البيوت يتمتعون بدفئه وأمانه إلا تلك العنيدة التى أصرت على البقاء...
لمن الغلبة الآن ماذا إستفادت من عنادها لتبقى بمفردها بتلك الأجواء تواجه العاصفة وحدها وقد حل المساء قوية القلب لكن نقطة ضعفها هي خۏفها من ضوء البرق وصوت الرعد الذى كلما ضړب السماء إرتعشت ساقيها بهلع وهى تتلمس مكان جافا تحتمى به ...
لملمت عهد سترتها السميكة بأيدى مرتجفة ففوق الجبال المشهد مختلف تشعر بأنها قريبة من أهوال تلك العاصفة بطريقة لم تكن تحسب لها الحساب لقد ظنت أن الأمر لا يتعدى موجة باردة وبعض الأمطار كما هي معتادة ..
لكن الوضع هنا مختلف مفزع لنفسها الهشة التى تقحمها بما لا يناسبها بعنادها ورأسها اليابس ها هي كالعادة وحيدة خائڤة لا يدرى عنها أحد تمتمت تحدث نفسها ...
_ أعمل إيه دلوقت أنا مكنتش عارفة إن المطر هنا صعب أوى كدة طب أرجع ... لأ طبعا .. مينفعش أرجع ... وحتى لو كنت عايزة أرجع ... حرجع إزاى ...
خطأ آخر تقترفة بعنادها وتشبثها بالأمور لكنها الآن يجب أن تفكر بصورة مختلفة لن تبقى تلوم على نفسها كالضعفاء عليها البحث عن مكان آمن حتى تستطيع العودة ...
بيت النجار ...
رغم أن المساء قد أوشك بالفعل وأخذت زكيه تترقب عودة شجن بتوجس حتى لا تلاقى ما لاقته بالصباح إنتظرت زكيه بالشرفة ترافقها إبنتها الصغرى نغم التى كانت تتطلع بالمارة هنا وهناك تبحث عن وجه واحد فقط بين الوجوه لكنها كالعادة تبحث عن السراب ...
بالشقة السفلية كانت صباح تعد لوجبة المساء برفقة إبنتها راوية التى تساعدها بتملل تتمنى لو تخلص من تلك الحياة الرتيبة التى تتكرر يوما بعد يوم ...
_ أنا طالعه البلكونة أشم شوية هوا ...
رمقتها أمها بجانب عينها وهى تزم شفتيها بسخرية لا تدرى هل هي تتشمت بها أم تتحسر على حالها ...
_ أقعدي أقعدي محدش بيتخطب من وقفة البلكونات ...!!!
كزت راوية على أسنانها بغيظ ..
_ وهو كل حاجة فى الدنيا إني أجيب عريس .... مخڼوقة ... عايزة أشم الهوا ... اووف ...!!!
إستدارت تلك الممتلئة تجاه إبنتها الساخطة ..
_ أيوة كل حاجة فى الدنيا إنك تجيبي عريس .. وحفضل أقولهالك يا بنت صباح ... لازمن تتجوزي قبل المخفية إللي فوق هي وأختها ... غير كدة حتفضلي مكروهه طول العمر ... هم إللي موقفين حالك ... هم إللي بيطفشوا منك العرسان ...
تشحن النفوس بمجرد كلمات لو ندرك كم لها من أثر يقبع بالنفس وقدرة على تغيير الرؤية بأعيننا مجرد كلمات جعلت راوية تشعر بالغيظ من بنات عمها دون داعى لتقبض ملامحها بعبوس تتمنى الخلاص منهن حتى تجد فرصتها بالحياة ...
أشارت لها صباح لمساعدتها ..
_ قطعي البصل ده خلينا نخلص ..
إلتفت راوية بحنق تقطع البصل وهي تغمغم بسخط من حظها العثر فحتى الراحة والسكون لا تحصل عليهم بخلاف بقية الفتيات ...
_ هم ينبسطوا ويريحوا وأنا أقطع البصل دى عيشة تخنق ..
ثم إنتبهت راوية لتهتف محذرة أمها ...
_ طب على الله بعد كل ده ولما نخلص العشا نلاقي الست حنين هانم جايه تاكل على الجاهز زي كل يوم ...
مصمصت صباح شفتيها فهي رغم عدم تقبلها لزوجة إبنها إلا أنه الوحيد الذى يساعدها بمساعيها وتنفيذ رغباتها بعكس مأمون لتهتف مدافعة عن ولدها البكر ...
_ تيجي متجيش مالكيش فيه ... المهم أخوك فريد يكون مبسوط ..
مالت راوية فمها بإمتعاض هامسة بسخط ..
_ طبعا مبسوط .. طول ما هي واكله عقله وبتدلع عليه حيبقي مبسوط .. بنت السيد خلف عارفة تمشيه مظبوط .. لعبتها صح ...
تسائلت أمها بإستنكار لعدم إستيضاح ما تقوله ...
_ بتبرطمي بتقولي إيه يا بت ...!!!
عادت راوية لتقطيع البصل ...
_ ولا حاجة أديني بقطع البصل أهو ...
بالدور الأرضي تلك الشقة التى كانت ملك الجد محمود النجار والتى آلت لفريد بعد ۏفاة الجد والجدة تلك الشقة التى تزوج بها منذ تسع سنوات ...
خلال تلك التسع سنوات لم تتقبل حنين السيد خلف إبنة صاحب البقالة هذه الشقة الرطبة عفنة الرائحة وحتى مع تجديدها للإبن فريد إلا أنها مازالت تتمتع بتلك الرائحة العطبة فهي ضيقة للغاية محدودة التهوية هي أساس بيت النجار والتى بنى عليها بقية هذا البيت العتيق ..
رغم مجاورة شقتهم لشقة أخرى مغلقة بهذا الطابق إلا أنه لم يسمح لهم سوى بتلك الشقة فقط ليسكنوا بها وبقيت تلك الشقة مغلقة كمثيلتها بالدور الثاني بمقابل شقة زكيه فكان من المفترض أن يقطن بها مأمون الذى فضل أن يستأجر شقة خارج البيت بعد العديد من المشاكل بين زوجة أخيه وبين زوجته ...
خللت حنين أظافرها الطويلة والتى تهتم بعنايتها بشكل ملحوظ بخصلات شعرها ترفعه للأعلى بعشوائية قبل أن تتخذ جلستها بالمقعد العربي إلى جوار زوجها فريد وبطريقتها التى تفتقر لليونة خاصة معه بدأت تملي عليه ما يجب عليه فعله بالفترة القادمة فهي تعشق فرض السيطرة والقوة ..
لم يكن فريد الرجل ضعيف الشخصية التى ينتظر أن ينساق خلف توجيهات زوجته بل كان شخصية هوائيه ذو تفكير سطحي لا يتمتع بالطموح إطلاقا يتمنى فقط قضاء اليوم بيومه دون إشغال فكره بما سيحدث بالمستقبل ..
ترك فريد عناء هذا التفكير لزوجته حنين والتى لا تنفك من التفكير بكل التفاصيل التى تخص هذا المستقبل الذى لا يكترث له سواء المستقبل القريب أو المستقبل البعيد ..
مد فريد يده يحمل كوبا من الشاي يقدمه نحو زوجته وهي تقلب أفكارها جيدا قبل أن تبدأ حديثها الذى ينتظره ...
_ ها ... وصلتي لحاجة !!
نطقها كالطفل الذى ينتظر التعليمات من أمه لإرشاده للتصرف الأمثل ..
إرتشفت حنين القليل من مشروبها أولا قبل أن تجيبه ..
_ فلوس أبوك وأمك دى مينفعش تفضل كدة ... لو راويه ولا مأمون وصلوا لها مش حنقدر ناخد حاجة !! أختك دى سهونه قاعدة مكوشة على تفكير أمك وأبوك .. دى يتفات لها بلاد وأخوك مأمون عامل فيها المتعلم الناصح إللي بيفهم فى كل حاجة وواكل عقل أبوك ..
_صح كلامك ... مظبوط ... طب والعمل يا نونه ..!!
زمت حنين شفتيها بتقزز قبل أن ترمقه بطرف عينيها لسطحيته وقلة تفكيره قبل أن تستطرد حديثها ..
_ ما أنا عارفة طبعا إن كلامي مظبوط ..
ثم إلتفت بكامل جسدها لتصوب وجهها بالكامل تجاه فريد تبث سمها بأفكاره .. إنت إبنهم الكبير .. يبقي لازم شغل محل العطارة يبقى تحت إيدك إنت مش مأمون ..!!! إنت لازم تقنع أبوك بكدة هو ليه حاطط أخوك إللي أصغر منك على الحجر وهو إللي ماسك الشغل والتوريد والفلوس والحسابات وإنت حا يالله بترتب لهم المخزن والعمال ويرمي لك الفتافيت فى الآخر ..!!! ده حتى الشقة مرضيش ناخدها ونوسع علينا بدل الكتمة إللي إحنا فيها ما هي مقفولة من ساعة ما مرات أخوك ما حكمت تسكن بره بيت العيلة ...
_ صح يا نونه معاك حق ... ده إستخسر فينا الشقة وهو إللي ماسك الاستيراد كله وحسابات المحل والتجار ..
وضعت كوبها فوق الصينية وهي تأشر بكفها إعتراضا على هذا الحال ...
_ بس يبقى لازم تروح لأبوك بكره وتقول له الكلام ده كله إنت مش صنايعي فى المحل إنت إبن صاحب المحل والكبير كمان ... يعني المفروض تبقى مكانه وتعرف كل صغيرة وكبيرة هناك ...
أومئ بالإيجاب وهو يرفع حاجبيه كمن إلتقط مهمة اليوم والتى عليه تنفيذها ..
_ صح يا نونه ... ده إللي لازم يتعمل أنا حروح له المحل وأقوله كل الكلام ده ...
شقة المستشار خالد دويدار ..
أخذت الدكتورة منار تقلب بجهازها اللوحي تريح قلب هذا المترقب من بعيد منذ أن إتخذت هذا القرار بإنهاء مشوارها الطبي بهذا الإعتزال الذى وجب وقته ..
_ خلاص أهو يا خالد الإعلان نزل شوف كدة ...
بأعين متفحصة لكل التفاصيل كما إعتاد بعمله تماما فحياته المهنية كقاضي ومستشار بمحكمة الاستئناف قبل أن يصدر بحكم يحاسب به قبل صاحبه أخذ يتمعن بكل ما كتبته زوجته بهذا الإعلان الذى وضعته بأحد الصفحات الشهيرة المتخصصة بهذا المجال لعرض عيادتها الخاصة للإيجار ..
_ أممم ... أظن كدة تمام كدة أحسن ... عشان ترتاحي كمان ..
_ وإنت كمان ترتاح وأهو نقعد بقى نتسلي مع بعض ..
كالماء والهواء هما معا مختلفان بتفاصيلهما لكن لا يمكن الإستغناء عنهما يحتاجان دوما لبعضهم البعض دون أن يدري كل منهما لم يحتاج الآخر ..
بسمة لطيفة إعتلت ثغر منار بإيمائة إيجاب بينما قابلتها بسمة رضا من هذا القوي الذى يدرك تماما أن سببا كبيرا من قرارها هذا هو فقط لإرضائه ..
إنها سنة الحياة أن يقدم كل منهما دورا بارزا في المجتمع من حولهم ثم يتحصلون على الراحة المناسبة وترك الفرصة لحديثي العهد بإستكمال مسيرتهم وإتخاذ أماكنهم لتدور الحياة بأدوارها فمن يبقي على حاله إلى الأبد ...
رغم الصمت الذى يحل على جلستهم إلا أن هناك نوع من الإنسجام لقضاء سهرتهم بمشاهدة فيلم تليفزيوني من نوعهم المفضل بهدوء وسکينه ...
ليل طويل قاس للغاية مر على تلك المرتجفة وسط العاصفة التى إشتدت مع مرور ساعات الليل الأولى خاصة وهي لا تفضل هذا الإحساس البارد الذى يحيط بها فهي دوما تعشق فصل الصيف وتخشي بقوة من الشتاء وبرودته وأيامه الممطرة بشكل ملحوظ ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
تجنبت عهد تلك الأضواء الكاشفه إثر ضربات البرق المخيف بداخل نفسها بالجلوس تحت شجرة كبيرة تتلحف بسترتها المبللة تحاول البحث عبر جهازها اللوحي عن طريق يمكنها سلوكه لكن الظلام حال دون ذلك لتنتظر بزوغ الفجر لتتحرك باحثة عن مخرج ...
حل الفجر البعيد القريب لتستقيم عهد تتلفت حولها لتقيم الوضع أولا قبل إتخاذ قرارها بأى إتجاه ستتحرك ...
تلك الأمطار الغزيرة سببت سيل جارف قطع العديد من الطرق التى كان يجب عليها أن تسلكها فقد كشرت الطبيعة عن أنيابها وعلقت هي بالمنتصف ...
إتخذت الطريق لداخل الغابة تحتمي بالأشجار من تساقط الأمطار برغم وضعها لغطاء الرأس الحاجب للمطر فوق رأسها ..
تهدجت أنفاسها الباردة وهي تضغط بجفنيها لتزيد من قدرتها على الرؤية بشكل أوضح تتأكد مما تراه عيونها كم تخشى أن يكون ما تراه هو مجرد سراب واهي بعقلها فقط ..
بحرص شديد لخطواتها