رواية انا له من 9-12
9
تكونت سحابة من الدخان أمام وجهه من نفثه دخان سيجارته الثالثة على التوالى منذ سماعه ما تفوهت به وهو مازال جالسا على طرف الفراش سمع صوت فتح باب المرحاض الملحق بالغرفة فرأها تخرج ترتدى مأزر الحمام تعقص شعرها بمنشفة صغيرة بيضاء بعد إنتهاءها من الاغتسال
رفع وجهه إليها فنظرت إليه نظرة عابرة وشرعت فى إرتداء ثيابها وبعد الانتهاء وقفت أمام المرآة تجفف شعرها لتصففه قبل رحيلها
نهض عن الفراش يقف خلفها بدون أن يتلامسا فقال
أنتى ساكتة ليه
ضړبت فرشاة الشعر برأسها بحدة قائلة
وعايزنى أتكلم أقول إيه تانى
زفر بضيق وعاد أدراجه ثانية للجلوس على طرف الفراش وأخذ سېجارة أخرى ليشعلها فخرج صوته مغمغما
عايزك تفكرى معايا هنخلص من المصېبة دى إزاى
ألقت الفرشاة بحدة تحدث صوت قرقعة على الأرض وإستدارت إليه بعينان غاضبة
دلوقتى بتسميها مصېبة ومفكرتش فى المصېبة اللى إحنا عملناها ليه من الأول ليه دلوقتى جايب اللوم عليا
قطع المسافة بينهما يهدر بصوت عالى وأنفاسه تكاد ټحرق وجهها وهو يقول
أنتى مش المفروض بتعملى حسابك وبتأخدى موانع للحمل يبقى إزاى حصل الحمل إلا لو بقى أنتى قاصدة تعملى كده
لم تفه بكلمة جلست على مقعد ترتدى حذاءها بعجالة ونهضت أخذة حقيبتها لتسرع فى الخروج من الشقة تكبت ڠضبها المتفاقم بداخلها من تصرفه معها بعد علمه بشأن حملها
إتجه إلى الشرفة وأزاح ستائرها جانبا فحدق بمياة النيل التى تراقص عليها ضوء القمر ببداية ظهوره بكبد السماء ولكن تلبدت السماء بغيوم وسحب كمن تنذر بهطول أمطار غزيرة ورياح قوية تنذر بعاصفة ولكن ليست أقوى من تلك العاصفة التى ستقلب حياته رأسا على عقب إذا أنكشف أمره
____________
يوم يصاحبه أخر بدون شئ تراه يبهج نفسها التى تعطشت للسعادة التى كانت لا تفارقها قبل معرفتها بما حدث لشقيقها ومقابلة ذلك الذى أصبح يسمى زوجها
وجدت باب غرفتها يفتح يلج منه بسام مبتسم الثغر قائلا
تالين تعالى سليم إبن خالتو رجع من البعثة وهو برا
أبتهجت ملامحها الجميلة فتركت مكانها لترتدى ثوب ملائم وتضع على رأسها حجابها وبعد أن انتهت خرجت مسرعة وهى تقول بصوت عالى يشوبة سعادة جلية
سليم حمد الله على السلامة أخبارك إيه
نهض ذلك الشاب الوسيم ذو الثامنة والعشرون من عمره يصيح بصوته قائلا
تالييين اخبارك إيه لسه زى ما أنتى اوزعة يا تالين مطولتيش شوية
ضيقت تالين ما بين عينيها بسبب عادته بالمزاح معها ونعتها بقصر القامة فهى بالحقيقة طولها معتدل ليست بالقصيرة ولا الطويلة ولكن دائما ما يثير سليم حنقها بنعتها بال اوزعة
التوى ثغرها بسخرية قائلة
صلاة النبى على طولك أوى يا سليم دا أنت مشوفتش جوزى طويل إزاى أهو انت اللى جمبه هتبقى أوزعة
لا تعرف كيف أتت على ذكره تستشهد به بالدفاع عن نفسها وإثارة غيظ ذلك الذى لا يتوانى عن إثارة غيظها فحقا زوجها يفوق سليم بطول القامة فدائما ما تشعر بضألة حجمها وطولها أمامه ولكنها تتخذ من سلاطة لسانها سلاح توارى خلفه خۏفها من مواجهته
قهقه سليم بصوت عالى فهتف قائلا
اه صحيح انا عرفت من ماما انك اتكتب كتابك بس مش خطيبك اللى كان اسمه مروان بتقول واحد تانى اسمه جواد باين
اومأت تالين برأسها بدون أن تنبت ببنت شفة فخرجت زينب من المطبخ تحمل صينية بها أكواب المشروبات المرطبة وهى تقول بسعادة
حمد الله على السلامة يا حبيبى وكويس انك رجعت علشان تحضر فرح تالين دا خلاص فاضل كام يوم
أخذ سليم منها الكوب الذى مدت يدها به فرد قائلا
ألف مبروك بس انتى خلصتى امتحانات ولا لسه يا تالين
أجابته تالين وهى شاردة
فاضل مادتين وهخلص
أقترب بسام من مقعد سليم يجلس على حافته قائلا
قولنا بقى عملت إيه فى البعثة بتاعتك أكيد كنت خارب الدنيا هناك وكنت بتعاكس البنات هناك أكتر ما كنت بتذاكر
لم يمنع سليم ضحكته على ما تفوه به بسام حتى يكاد يريق محتوى كوبه وهو يقول
الله يسامحك يا بسام مش للدرجة دى يعنى
أثناء حديثهم الممازح سمعوا صوت جرس الباب فهبت تالين واقفة لترى من القادم وهى مازالت مبتسمة على ما يخبرهم به سليم من نوادر حدثت له اثناء سفره
فتحت تالين الباب ولكن رأت زوجها فماټت البسمة على شفتيها ففكرت ما الذى أتى به الآن فهى لم تكن على علم بقدومه فالتواصل بينهم شبه معډوم
حدق بها فرفع حاجبيه بغرابة قائلا
أنتى هتفضلى بصالى كده مش هتقوليلى أتفضل
تنحت تالين جانبا تشير إليه بالدخول فولج للداخل بخطى ثابتة حتى رأى زينب تقترب منه مرحبة به
إيه النور ده دا كل الحبايب متجمعين عندنا النهاردة
بالبداية لم يعى مغزى حديثها حتى رأى شاب يتقدم منه مصافحا
أهلا وسهلا بيك أنا سليم إبن خالة تالين أنت جوزها مش كده
بادله جواد المصافحة يومئ برأسه قائلا
تشرفنا يا أستاذ سليم ايوة انا جوزها جواد النصراوى
عادوا للجلوس فتجاذب سليم أطراف الحديث مع جواد الذى كان يجيبه بهدوء على ما يسأله إياه جلست تالين تفكر فى سبب مجيئه اليوم لم تنتبه إلا عندما سمعت سليم يحدثها قائلا
إيه يا أوزعة روحتى فين كده بكلمك مبترديش
رفعت تالين إحدى حاجبيها قائلة
أنت هتسكت ولا لاء أحسن ما أسيحلك واقول كانوا بينادولك إيه وأنت صغير خلى الطابق مستور
رد سليم قائلا بزهو
قولى يا اختى مبخافش وكمان مش هديكى الشيكولاتة اللى كنت جيبهالك
برقت عيناها ونسيت لوهلة أن زوجها جالس بجوارها فهتف بطفولة
فين الشيكولاتة يا سليم هاتها بقى وأنا هسكت ومش هسيحلك دا انت الغالى
أخرج سليم قالب الشوكولاتة من جيبه يلوح بها قائلا
الشيكولاته أهى وأمرى لله
تركت تالين مقعدها فأقتربت منه تختطف الشيكولاتة من يده وهى تنظر لها ببلاهة فهى النوع المفضل لديها والذى حرص على أن يبتاعه لها دائما منذ صغرها
فردت قائلة بإبتسامة عريضة
ميرسى أوى يا سليم
رأت زوج من العينان تطالعها بتعبير مبهم فتذكرت أنه مازال جالسا فعادت لمقعدها فجلست بصمت حتى أعلن سليم عن ضرورة رحيله لقضاء بعض شئونه الخاصة
وجدت نفسها جالسة معه بمفردها بعد ذهاب والداتها للمطبخ وشقيقها الذى اختفى منذ مجيئه وسليم الذى خرج منذ خمس دقائق
عم صمت مطبق حتى وجدته يقول
باين عليكى أوى واخدة على إبن خالتك ده
بالبداية فاتها مغزى حديثه ولكن عندما أمعنت التفكير به فوجدت نفسها قائلة
أديك قولتها هو إبن خالتى وزى أخويا وأظن انا متجوزتش حدودى علشان تلميحك ده اللى ملوش لازمة انا اعرفه من ساعة ما وعيت على الدنيا ثم هو انا كنت قولتلك حاجة على بنت عمك اللى بتقولك يا بيبى
احتدمت رماديتيها بعد أن ختمت حديثها فلم يكن منه سوى أنه أطال النظر بها وهو يقول
أنتى غيرانة عليا منها
أصدرت عنها أهة السخرية وهى تقول
أغير منها على إيه ثم مش لما أكون بحبك أبقى أغير عليك ازاى أغير على واحد مبحبوش
قطعت ذلك الخيط الدقيق الذى تشبث به من أمل واه وكاذب من أنه ربما سيرى بعينيها شئ يحيه فلم يجد سوى ناره وحرقته فرثا قلبه المسكين الماثل أمام محراب العشق يستجدى أملا ينجيه فتمنعت النبضات عن سؤاله فلم يجد سوى مقصلة وضعت بين راحتيها فترجى عينيها تريحه من عڈابه فإن كان له بالمۏت فكم يكفيه المۏت بين يديها فربما سيرق قلبها على نبضات تناثرت كنقاط الغيث بموسم المطر فلم يكن منها سوى خوفا من تلوث نقاء قلبها الابيض بدماء العشق المحرم عليه
رفع رأسه بشموخ وكبرياء يناظرها بتحدى قائلا
القلوب عند بعضها يا تالين وأوعى تفتكرى أن أنا واقع فى غرامك أنا متجوزك علشان حاجة واحدة وأنتى عرفاها وإن كان على الحب فده شئ سخيف ميهمنيش
جزت على أنيابها من خلف شفتيها المطبقتين بصمت ثقيل فخرج صوتها ساخرا
وأنا عمرى ما هتمنى أن أنت بالذات تحبنى
حديثهما حوى تنكيل وسخرية فكل منهما يحاول الخروج من تلك المشادة الكلامية ظافرا بكبرياءه
إلا انها سمعت صوت قائلا بتحذير خطړ
بعد الفرح هيكون لينا كلام تانى يا تالين أنا كنت جاى دلوقتى علشان أقولك على ترتيبات الفرح اللى تقريبا كده الاسبوع الجاى دا لو مكنتيش ناسية يعنى فأخر يوم فى امتحاناتك هتخرجى تختارى فستان الفرح وانا حجزت القاعة وعملت كل الترتيبات وإستعدى يا تالين علشان هتدخلى جحيمى برجليكى
لم يكن بحاجة لكلمة اخرى يقولها حتى يبث الخۏف والړعب بقلبها من تحذيره ولم يزد هو كلمة اخرى بل هب واقفا يستأذن بالرحيل حتى قبل خروج والداتها التى تعجبت من إنصرافه السريع قبل إحتساءه مشروبه
___________
يجوب الأرض بحثا عن ذلك الذى لم يعثر له على أثر منذ علمه بإختفاءه من المشفى فعاد إلى حيث ينتظره سيده بغرفة مكتبه قرع الباب حتى سمع صوته من الداخل أمرا له بالدخول
أدار مقبض الباب ولا ينكر خوفه مما هو مقدم عليه فأنفتح الباب على مصراعيه ليرى طلعت يجلس بهيبة وجبروت على مقعده الجلدى الوثير خلف مكتبه الفاخر
إيه الاخبار يا رشدى لقيت نبيل
قالها طلعت ينفث سېجاره ببرود فهو يعلم ما سيقوله قبل أن تنطق به شفتاه فهو أخفق بتلك المهمة التى اوكلها إليه فعندما طال الصمت من رشدى رد طلعت معقبا
ملقتوش مش كده يا رشدى وشك بيقول أنك راجع إيد ورا وإيد قدام
والله يا باشا قلبت عليه الدنيا ومش لاقيه زى ما يكون فص ملح وداب أو الأرض انشقت وبلعته
قال رشدى جملته باستجداء ليصفح عنه فهو بذل ما باستطاعته ولكنه عاد خالى الوفاض
ببطئ ممېت أخرج طلعت سلاحھ النارى من درج مكتبه سلاح حديث الطراز بإمكان رصاصته إختراق الجسد لتميته بلحظات
رأى رشدى ذلك فأرتد بخطواته للخلف فأصطتدم بتلك التى كانت على وشك الدخول وكادت تسقط أرضا بإرتطامها بظهره العريض
هتفت جوليا بصوت حاد وغاضب
فى إيه يارشدى حاسب كنت هتوقعنى
نظرت من خلفه وجدت زوجها يشهر سلاحھ به فأتسعت مقلتيها قائلة
طلعت أنت بتعمل إيه أنت هتقتله وتودى نفسك فى داهية
بلمح البصر اقتربت منه تسحب السلاح من يده وهى تزجره بنظرات ڼارية فإستدارت برأسها لرشدى وهى تقول
يلا يا رشدى أنت من هنا دلوقتى
لم ينتظر سماع كلمة اخرى ففر هاربا من الباب يغلقه خلفه كمن يغلق أبواب الچحيم
وضعت جوليا يديها بخصرها وهى تصيح بصوت عالى
فى إيه يا طلعت أنت ايه اللى جرالك انت من ساعة مۏت ابنك وانت تصرفاتك بقت غريبة عايز ټقتل ايدك اليمين اللى شايف كل مصالحك عايز تضيع نفسك وتضيعنى معاك دا أنا مليش غيرك
زوى طلعت ما بين حاجبيه قائلا
خاېفة عليا