رواية القسمة الفصول من 1-6
المحتويات
شيء لتستطرد قائلة بنبرات مشفقة
البنت دى مش زي الممرضات اللي اشتغلوا عندنا قبل كدة دي طالبة في كلية طب وإنسانة طيبة و في حالها ومش هتضايقك خالص.
عقد (هشام)حاجبيه وقال
ولما هي طالبة جاية تمرضني بمناسبة إيه!
قالت (علية)
بنت يتيمة غلبانة وظروفها على قدها قريبة نجاة اترجتني تشتغل عندي عشان تساعد في مصاريف دراستها وتخف الحمل عن أخوها أصلها حساسة قوي فشغلتها خدامة مع نجاة وقلت أعمل فيها ثواب لكن لما طردت آخر ممرضة والكل رفض يشتغل عندي ويمرضك عرضت عليها الوظيفة والحقيقة فرحت بيها قوي أصلك متعرفش ظروفها صعبة إزاي.
ظهر التفكير على وجه (هشام) وهو يطرق برأسه أرضا للحظات كادت(علية) أن تبتسم وهي تدرك أنها راهنت على الجانب الصحيح من ولدها -طيبته ورقة قلبه تشعر أنها على وشك الفوز لتخفى تلك الابتسامة بداخلها ولا تظهرها وهو يرفع رأسه إليها قائلا
البنت دي حلوة أو رغاية
أسرعت تقول
من الناحية دي اطمن لا حلوة ولا بتتكلم أساسا أصلها خرسة !
هز رأسه متفهما وهو يقول
موافق.
لتنادى بصوت عال عليها
-آية.
دخلت (آية) بخطوات مضطربة عليهما لتجد السيدة تقف إلى جوار ابنها الذي يجلس على كرسي متحرك ويطالعها بنظرات متفحصة .
كان شاب وسيم الملامح يشبه نجوم السينما عيناه رماديتان كأمه بينما تظلل وجهه لحية خفيفة وشارب يزيد من هيبته ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تدرك الآن أن مهمتها لن تكون سهلة ابدا فهذا الشاب يثير في كيانها اضطرابات كثيرة بين خوف وقلق وشفقة ...وعاطفة أخرى لاتزال مجهولة .
بينما تأمل (هشام) ملابسها الفضفاضة وتلك النظارات السميكة على وجهها برضى قبل أن ينتبه لوالدته التي قالت بهدوء
قربي يا آية ده هشام !
هزت رأسها تحييه فحياها بدوره وقد لاحظ أنها لم تمد يدها إليه كغيرها من الفتيات لا ينكر أنه شعر بالراحة جراء ذلك أفاق من شروده على صوت والدته وهي تستطرد قائلة
من هنا ورايح هتكون مهمتك هي إنك تاخدي بالك منه وتساعديه على إستقرار حالته الصحية لغاية ماربنا يهديه ويرضى يسافر يتعال.....
قاطعها (هشام) قائلا بنفاذ صبر
-ماما!
خلاص أنا همشى وهسيب آية معاك !
لترسل إلى (آية) نظرة مشجعة قبل أن تتجه للخارج ولكنها ما لبثت أن توقفت والتفتت إليه قائلة بتوتر
على فكرة لقينا مراد وهنروح نجيبه بكرة عامل حاډثة وفي المستشفى بقاله فترة.
أسرعت (علية)بالمغادرة بعد إلقائها قنبلتها على ما يبدو.. عقدت (آية) حاجبيها وهي تطالع ملامح(هشام)التي تغيرت لتحتلها القسۏة من الواضح أن نبأ رجوع أخيه لم يسعده.....البتة.
ذاكرتنا...
كم هي خادعة.. !
كمصفاة تتسلل منها مواقف الماضي...
قد تتمسك بالمواقف السيئة التي أډمت أرواحنا ...
أو تتمسك بالمواقف الجيدة التي أثرت في نفوسنا....
وقد تمزج بين الإثنين وتتخلى عن القليل....
أو قد تفاجئنا ذات يوم وتتسلل مبتعدة عنا....
تتركنا كصفحة بيضاء لا سطور فيها ولا كلمات....
تتركنا نعاني كي نملأها...
نبحث عن هويتنا.. عن ماضينا..
تتركنا نعاني ..... مرارة النسيان !
وهكذا كان حال هذا الرجل الذي جلس في مكانه داخل حجرته بالمستشفى ينتظر عائلته بالأمس القريب فقط لم يكن يعلم أي شيء عنهم كانت ذاكرته كصفحة بيضاء مكتوب فيها....
"رجل جاء في حاډث سيارة مصاپ بكسر في قدمه اليسرى ولديه فقدان في الذاكرة".
حتى الأمس كان غريبا يطلقون عليه بالمشفى الحالة رقم خمسة وسبعون لتهاتف عائلته المستشفى بعد أن رأوا صورته التي نشرت بجريدة قومية .
أخبروا إدارتها بهويته وقاموا بإرسال الأوراق التي تثبت هويته يخبرونهم بأنهم قادمون لاصطحابه في الصباح الباكر ظل مستيقظا طوال الليل يشعر بالقلق فهو يواجه عائلته للمرة الأولى لا يدري هل يخشى ماض لا يعلم عنه شيئا أم يخشى أن لا يعجبه
دلفت الطبيبة إلى حجرته ترمق هذا الرجل الوسيم الجالس أمامها قائلة بابتسامة واسعة
وصلوا!
سار بمساعدة عكازه ببطيء يطالع الطبيبة التي تنحت جانبا لتسمح لعائلته بالدخول ..
رأى ثلاثة أشخاص يتوجهون نحوه تباعا الشخص الأول كان سيدة أنيقة الملبس متقدمة في السن ترفع شعرها على شكل شنيون بدت الصدمة على ملامحها للحظة وهي تطالعه قبل أن يتسع ثغرها بابتسامة وهي تتقدم منه تحتضنه قائلة
مراد إبني.. حبيبي.
أحاطها بذراعه يغمض عيناه للحظة يجرب إحساس الوطن أوليس حضڼ الأم الدافئ هو الوطن فتح عينيه متعجبا فلم يشعر بهذا الوطن ولم يتسلل إليه هذا الدفيء ربما لأنه لم يراها سوى اليوم على ما يبدو.
ابتعدت عنه تطالعه بابتسامة حاول رسمها على ثغره فجاءت باهتة رغما عنه ثم نقل بصره يطالع هذا الرجل لتقوم (علية) بمهمة التعريف على الفور قائلة
بدر المحامي بتاعنا وهو اللي شاف خبر وجودك هنا وبلغني بيه.
قال (بدر) على الفور
حمد الله على السلامة يا مراد باشا.
الله يسلمك.
صوته من جديد الذي امتزج بصورته أعاد لها الألم حيا ليظهر في طيات عينيها فلم تستطع أن تخفيه و(علية)تقوم بتقديمها له
قسمة. مراتك!
تطلع إليها بنظرة طويلة فلمح في عينيها ذلك الألم قبل أن تخفيه بسرعة أثار هذا الألم تساؤلاته خاصة عندما يسكن مقلتي امرأة جميلة كتلك المرأة شعر بانتفاضتها حين نادتها والدته قائلة بنبرة شابتها بعض الصرامة
-تعالي يا قسمة سلمي على جوزك!
تساءل في صمت...هل تخصه تلك المرأة الجميلة بهذه المشاعر المضطربة التي تصله منها ذبذبات النفور أم تخص بها والدته
نفض أفكاره وهي تقف أمامه تطرق برأسها أرضا وهي تمد له يدها مترددة تقول
حمد الله على سلامتك.
مد يده إليها يحتضن كفها فارتعشت أصابعها في يده
الله يسلمك.
نبرته الهادئة وسلامه الرقيق جعلاها رغما عنها ترفع عينيها إليه وعندما التقت نظراتهما في تلك اللحظة أصاب سهما ما قلبه فانتفضت دقاته ترك يدها على الفور يتحاشى نظراتها المصډومة يركز انتباهه على صوت الطبيبة وهي تقول
إجراءات الخروج كلها تمت وتقدروا تاخدوا مراد للبيت.
نظرت (قسمة)إلى الطبيبة تتعجب لتلك الأريحية التي تنطق بها إسم زوجها تعقد حاجبيها وهي تفكر ..تتساءل عن وجود علاقة تجمع (مراد) بطبيبته
ازداد انعقاد حاجبيها ..تتساءل مجددا پصدمة..
هل تغار عليه
هل جنت بالفعل
هل نسيت كيف كان يعاملها وكم كرهته
هل نسيت أنها تمنت المۏت كي يختفي من حياتها...
وأنه حين إختفى تمنت لو ظل هكذا مختفيا للأبد
الآن تغار ولماذا تغار
فمن يحب فقط هو من يغار على محبوبه...
وبما أنها تمقته فعلى الأغلب أن كرامتها التي تشعر بتلك الطبيبة تمسها..
نعم ..... لابد وأنها كرامتها.
أفاقت على صوت الطبيبة وهي تستطرد
هتوحش المكان كله يا مراد!
علت ثغره ابتسامة ودودة وهو يقول
شكرا يا دكتورة ميار أكيد هاجي أزوركم!
شعرت (قسمة)ببعض الارتياح لتعامله هو برسمية ولو بسيطة معها حافظت على كرامتها بعض الشيء بينما يتابع (مراد )بعيون كالصقر ټصارع مشاعرها على وجهها الذي يبدو كمرآة لقلبها فمن بين الحاضرين جميعا وجد قلبه يتعلق بها هي .... وحدها دون غيرها.
الفصل الخامس
نسيت أنت وأنا لازلت أتذكر
طرقت(آية)الباب بهدوء لتسمع صوته الغاضب يخبرها أن تغرب عن وجهه ومع ذلك دخلت عليه فوجدته جالسا بسريره طالعها عاقدا حاجبيه پغضب قائلا
إنت مبتسمعيش مش قولتلك تمشي
رفعت يدها بالحقنة أمامه فقال بعصبية
مش عايز زفت اطلعي برة !
اقتربت منه وكتبت شيء في دفترها ثم عرضته عليه
بس يا هشام بيه العلاج ده ضروري عشان صحتك.
قرأ كلماتها فرقت عيناه للحظة قبل أن تقسو مجددا وهو يلقي بدفترها أرضا لتنتفض وهو يهدر قائلا
أنا
متابعة القراءة