رواية مريم من1-6
المحتويات
بيعيشوا و يكملوا عادي جدًا
صمت قصير..ثم قال فادي بلهجته اليائسة و هو يحدق أمامه في اللا شيء
بس أنا غير يا سمر.. أنا كان عندي حسابات تانية خالص لحياتي و مستقبلي. كنت مخطط لكل هدف حتى لو كان هاياخد سنين.. كنت مكمل و أنا مرتاح. و فجأة كله إتهد.. في ثانية كل حاجة ضاعت. و خسړت
سمر بإعتراض لأ يا فادي. ماخسرتش و مافيش حاجة ضاعت .. ثم لانت نبرتها و هي تستطرد
إنت بس إللي لسا مصډوم.. لما تفوق يا حبيبي هاتقدر تبني أحلامك و تحقق طموحك من تاني.. صدقني أنا متأكدة إنك تقدر
يكبت فادي إنفعالًا سببته كلماتها، ليرد عليها بخشونة ملحوظة أجفلت أختهما الصغيرة
بطلي تعيدي الكلام إللي مالوش أي لازمة ده يا سمر. مش لازم كل مرة أفهمك إني إنتهيت. إني إتفصلت من شغلي و عمري إللي ضيعته في الدراسة أصبح مالوش قيمة. و حتى لو حبيت أشتغل في حاجة مش في مجالي. مش هلاقي فرصة بحالتي دي.. يعني دلوقتي إنتي رجعتي راجل البيت ده يا سمر. رجعتي تصرفي عليه و عليا زي ما بتعملي طول عمرك. و أنا إللي بقيت راجل لكن في البطاقة بس !
كانت تشد بقبضتيها على شرشف الطاولة من الأسفل و هي تستمع إليه بقلب مثقل بالحزن عليه و عليها في آن.. حتى إنتهى، لتقول له بصوت به حشرجة خفيفة
إنت أحسن راجل في الدنيا كلها. و بكرة هاتبقى كويس أنا مش هاسيبك إلا لما تبقى كويس
فادي بسخط يبقى عمرك ما هاتسبيني !
أرهبتها عبارته و بدا عليها الإرتباك للحظة، إلا أنها ما لبثت أن وارته بإبتسامة متوترة و هي تقول
أنا في كل الحالات عمري ما هاسيبك طبعًا. بس أكيد في حاجات هاتفرق بينا شوية و دي سنة الحياة يا حبيبي
عقد فادي حاجبيه متسائلًا بإقتضاب
إيه إللي ممكن يفرق بينا مش فاهم ؟!
تنحنحت سمر و تركت أدوات الطعام من يدها تمامًا، نظرت بعينيه قائلة بشجاعة
أصلي بصراحة بفكر أخطبلك. أظن آن الأوان بقى ترتبط.. و لا إيه رأيك ؟
يتجهم وجه فادي و هو يرنو إليها صمت مريب ...
إزدادت سمر إرتيابًا من ردة فعله الغامضة تلك، بينما يقول فجأة بمنتهى الثبات
إنتي فكرتي في الموضوع ده عشان نفسك تخلصي من مسؤوليتي صح يا سمر ؟
توترت سمر بشدة عندما قال ذلك و ردت بسرعة
لأ طبعًا إيه إللي إنت بتقوله ده ؟ معقول أنا هابقى عايزة أخلص منك يعني ؟ أنا كنت بفكر في مصلحتك يا فادي و قلت جايز الإرتباط يخفف عنك مشاعر السلبية إللي بتحس بيها و آ ا ..
أسكتها فادي بإشارة من يده و لبث صامتًا لدقيقة ...
إنتظرت سمر أن يرد عليها، لكنه لم يفعل.. إنما فقط أزاح الكرسي للخلف، و قام من مكانه و أدبر عائدًا إلى غرفته في هدوء شديد
حدقت سمر في إثره و هي تشعر بالصدمة من نفسها.. إكتسحها الشعور بالذنب و جعل الدموع تقفز إلى عينيها من جديد.. كيف إستطاعت أن تقول لأخيها هذا الكلام ؟ كيف لم تنتبه ؟ منذ متى كان فادي غبيًا كي لا يفهم قصدها ؟؟؟؟
رباه... أي چرح نكأت من جراح أخيها الآن !!!
___________________
بضاحية ما بمدينة القاهرة ...
يصل عثمان إلى العنوان الذي بعثه إليه صديقه برسالة مقتضبة، يجد صالح ينتظره أسفل البناية المتواضعة
ما إن رآه يترجل من سيارته حتى مضى صوبه مسرعًا و هو يهتف
أخيرًا وصلت.. أنا واقف ملطوع هنا بقالي ساعتين و شوفت الزفت مراد و هو طالع. كنت هارتكب چريمة لولا مسكت نفسي
يغلق عثمان سيارته وهو يرد عليه ببروده المعهود
ياريت بقى تمسك أعصابك أكتر عشان لسا التقبل جاي. أنا ماكنتش عايزك في القاعدة دي أصلًا. ف ماتخلنيش أندم .. و مشى نحو بوابة البناية
تبعه صالح مغمغمًا بغيظ
إنت شايفني عيل صغير ؟ ماشي هاسيبك إنت تتكلم و أما نشوف أخرتها !
عثمان بضجر شاطر. ورايا بقى من سكات !
دقيقتان و كانا قد وصلا إلى الطابق الأخير، حيث صارا أمام غرفة مشيدة بالطوب و الحجارة يكسوها طلاء مريح للبصر و يتوسطها باب خشبي مصقول غامق لونه
كان الباب مفتوحًا عن آخره، لكن عثمان لم يرى شيئًا خلفه، مجرد ضوء أصفر مشع بالداخل، فسار للأمام يجاوره صالح، حتى صارا عند الباب تمامًا ...
دق عثمان عليه و هو يمد رأسه مستطلعًا ...
سلام عليكوا ! .. صاح عثمان بصوته القوي
آتاه صوت رجولي أجش على الفور
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.. إتفضلوا !
مد عثمان ساقه و ولج و هو يحث صالح على إتباعه، رفع نظراته مستكشفًا، ليرى صديقه و رجلًا آخر وجهه غريب عليه، لا يعرفه إطلاقًا لكنه بدا سمحًا و إمارات الورع تتجلى على ملامحه العذبة الهادئة.. كانا يجلسان أمامه فوق آريكة صغيرة بنهاية الغرفة الأشبه بغرفة مكتب أنيق و قديم الطراز، فتوقف عثمان عند نقطة معينة و أشار لصالح ليقف هو الآخر
تطلع عثمان إلى صديقه الجالس هناك على بعد خطوات منه عابس الوجه متوترًا، و تساءل بجمود و هو يشير لذلك الشخص الغريب الذي يجلس إلى جواره
مراد باشا ! ممكن أعرف مين الأستاذ ؟
و هنا يرد الرجل ذو الوقار و الرصانة المٹيرة للإعجاب نيابة عن مراد المتأهب للإڼفجار كبركان بأيّ لحظة
أنا الشيخ أدهم عمران.. إتفضل يا أخي لو سمحت. كنا في إنتظارك !
في هذه اللحظة تبادل كلًا من عثمان و صالح النظرات و قالا في صوتٍ واحد
شيخ !!! ............................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبع ...
4
_ عرض مقبول ! _
لم تنقطع سمر عن البكاء لحظة، بعد أن قام أخيها عن طاولة العشاء و إنسحب غاضبًا إلى غرفته.. أبت هي الأخرى أن تضع لقمة واحدة بفمها، و هربت إلى غرفتها أيضًا
كانت ملك تجلس إلى جوارها على السرير الوثير الجديد الذي إشترته منذ عودتها إلى المنزل، لم تكن تعرف سبب حزن أختها أو ماهية الخلاف الذي دب بينها و بين فادي قبل قليل
لكنها إستمرت في محاولاتها البريئة للتخفيف عنها، و لم تنفك ټحتضنها من حينٍ لآخر و تمسح لها دموعها بأناملها الصغيرة.. ظلتا على هذا الوضع، حتى دق باب الغرفة فجأة ...
إرتعدت سمر مكفكفة دموعها في كميها بسرعة، و صاحت و هي تحاول إزالة آثار بكائها كلها
إدخل !
لحظة أخرى و ظهر فادي من وراء الباب ...
صاحية يا سمر ؟ .. قالها فادي بلهجة محايدة
لم تجسر سمر على التطلع إليه و هي بهذه الحالة المزرية، خشت لو ټنهار من جديد أمامه فتسوء نفسيته أكثر بسببها، فقالت بصوت شبه طبيعي و هي تتظاهر بالإهتمام بشقيقتها
آه يا حبيبي. كنت هاسرح لملك عشان تنام.. إنت إيه جوعت أحضرلك عشا تاني ؟
صمت فادي و لم يرد عليها.. فتح الباب عن آخره و نظر نحو ملك و هو يقول آمرًا بلطف
ملك لو سمحتي إطلعي إتفرجي على الكارتون بتاعك برا شوية.. عايز أتكلم مع أختك
حملقت ملك فيه ملء عيناها، ثم نظرت إلى سمر التي إبتسمت لها ببساطة ثم أومأت لها بمعنى أن تذعن لطلب أخيها ...
فعلت ملك ما قاله فادي و سرعان ما ركضت إلى الخارج بحماسة كي تشاهد أفلام الرسوم المتحركة الجديدة التي إشترتها لها أختها ...
يغلق فادي الباب من ورائها، ثم يمشي ناحية سمر بثبات.. كانت لا تزال مشيحة عنه بوجهها، فجلس على طرف الفراش إلى جوارها و إنتظر لثوانٍ، ثم قال مباغتًا
إنتي كنتي بټعيطي يا سمر ؟
هزت سمر رأسها نفيًا و غالبت توترها قائلة بصوت مختلج
لأ أبدًا. أعيط ليه بس ؟ ربنا ما يجيب عياط و لا زعل يا حبيبي
و شعرت بيده باللحظة التالية تمسك بذقنها، حبست أنفاسها عندما رفع وجهها ليقبض على نظراتها الدامعة بنظراته الثاقبة ...
فادي بنصف إبتسامة
عمرك ما عرفتي تكدبي عليا.. و لا هاتعرفي يا سمر
تسيل الدموع من عينيها في هذه اللحظة لا إراديًا، فيفقد فادي تماسكه و يجتذبها إلى صدره بيده السليمة و يضمها بقوة، بينما أخذت تجهش بالبكاء المر بشدة، و كأنها تفرغ كل الحزن اللا نهائي بداخلها و لا تفلح بالتخلص منه.. أبدًا مهما حاولت ...
أنا السبب في كل ده ! .. تمتم فادي بصوت ملؤه الڠضب و النقمة على نفسه
أنا السبب في كل إللي حصل من البداية. من يوم ما لومتك و إنتي مالكيش ذنب على ظروفنا و خليتك تروحي برجليكي للڼار.. و لما ربنا سترها عليكي و بدأت حياتك تبقى طبيعية طلعت أنا في وشك تاني و بوظتهالك للمرة التانية بحجة عجزي. أنا مش عايش إلا عشان أخرب حياتك يا سمر. أنا بقيت متأكد أكتر من الأول إن حياتي مالهاش أي لازمة و لا وجودي له قيمة في حياتك أو حياة ملك
غمغمت سمر منتحبة دون أن تفلت من بين أحضانه
ماتقولش كده. أنا فداك.. فداكوا إنتوا الإتنين. أنا عملت كل حاجة عشانكوا. أنا ليا مين في الدنيا غيركوا بس ؟!!
فادي بجمود إبنك ! إبنك و جوزك يا سمر.. أنا آسف إني سرقتك منهم كل المدة دي. آسف إني كنت أناني و إستغليت الفرصة عشان أعاقب جوزك بيكي و نسيت إن إبنك هو إللي هايتظلم في النص. آسف يا سمر.. سامحيني على كل حاجة وحشة حصلتلك بسببي. جايز إللي جرالي ده عقاپ من ربنا عشان أنا إللي جنيت عليكي و علينا كلنا !
لأ يا فادي ! .. هتفت سمر من بين أسنانها معترضة
إرتدت للخلف ممسكة بكفه بكلتا يداها و هي تستطرد
إوعى تفكر في كده. إللي حصلك ده مقدر و مكتوب. مالوش علاقة بإللي حصل.. و بعدين أنا إللي غلطت. أنا إللي إتصرفت بغباء و ضيعت نفسي أول مرة. إنت مالكش دعوة بحاجة !
و تابعت بلهجة خاضعة
و لو على إبني فهو مش لوحده يعني.. معاه أيوه و جدته. عايش وسط أهله أحسن عيشة. هاعوزله إيه أكتر من كده ؟ أنا مقدرش أتخلى عن حد فيكوا. لا عنه و لا عنك. عشان كده بحاول أكون معاه بإستمرار منغير ما أقصر في حقك يا حبيبي. أنا أشيلك في عنيا و في قلبي عمري كله
إبتسم فادي لها، ثم قال و هو يحيط جانب وجهها بكفه
أنا طبعًا مهما أقول مش هاعرف أوفيكي فضلك. متشكر أوي يا سمر.. أنا تعبتك معايا كتير و عذبتك
إنتي لازم تسيبيني و ترجعي لجوزك
متابعة القراءة