رواية مريم من1-6

موقع أيام نيوز


مرت خمسة عشر دقيقة منذ أن تلقى أغرب مكالمة هاتفية من صديقه الحميم، كان مفادها المقتضب بالغ للإبعاث على القلق، مع مراعاة إنقطاع روابط الإتصال بينهما لعدة أشهر منصرمة، فضلًا عن عدم رؤية أحدهما الآخر لأكثر من عام و نصف تقريبًا ...
أنا لسا نازل من الطيارة. قابلني في قصر البحيري كمان ربع ساعة ! ... لم يسمع عثمان من صديقه مراد أكثر من ذلك، ليترك أعماله العالقة و كل ما بيده و يغادر شركته مستقلًا سيارته الفارهة متجهًا إلى بيته مباشرةً ...
وصل خلال دقائق قليلة، و قد كان كل شيء على ما يرام _ كما يرى _ !
فها هو القصر المهيب يعمه السكون و الهدوء مثل المعتاد، و هو الذي خال بأن لمن المؤكد حدوث کاړثة كي ما يتحدث مراد على هذا النحو الجلف الذي لا يلائمه بتاتًا، و علاوة عليه يقطع الإتصال فجأة ثم يغلق هاتفه تمامًا !!!
ألا يعتبر هذا تصرفًا مريبًا ؟ ما الذي أصاب ذاك المراد يا ترى ؟؟؟
في إيه يا عمي ؟ إيه إللي حصل؟! .. صاح عثمان متسائلًا و هو يجتاز ممر المدخل وصولًا إلى البهو الواسع
إلتفت رفعت إليه.. كانت فريال تقف إلى جواره، تحمل بين ذراعيها يحيى الصغير الذي أتم عامه الثاني منذ أشهر قليلة فقط ..
كانت تعابير وجهها لا تقل توجسًا عن تعابير وجه رفعت الذي رد على إبن أخيه مجفلًا بتوتر 
عثمان ! كويس إنك جيت. مراد كلمني من شوية و قالي إنه رجع و جاي هو و هالة. جايين على هنا فجأة كده و صوته ماكانش يطمن أبدًا
هز عثمان رأسه و هو يقول عابسًا 
كلمني أنا كمان بس ما قالش إن هالة جت معاه. الغريب إن اليومين دول Season و مش من مصلحته يسيب شغله و يجي فجأة حتى لو زيارة سريعة
خير يارب ! .. تمتمت فريال بقلق
لترتعد أبدان الجميع في هذه اللحظة، حين دوى فجأة صوت هالة المميز صارخًا ممتزجًا بنشيجها، ثم ما لبثت أن ظهرت مع زوجها القابض بيد من فولاذ على شعرها.. يسوقها منه بمنتهى الۏحشية و قد إعتلت وجهه قساوة مدمرة
كانت عائلتها تراقب بذهول ما يحدث خلال تلك الثوان القصيرة، لم يفلح أحد بالنطق من شدة الصدمة إلا عثمان... همَّ بفتح فمه ليتكلم و يوبخ صديقه على هذه التصرفات الھمجية غير المبررة !
لكنه لم يكد ينطق، لم يكد يخطو خطوة واحدة تجاههما أصلًا، ليجد قبضة مراد تستقبه و تطيح بوجهه بقوة هائلة لتسقطه أرضًا فورًا ...
يسمع عثمان صړخة أمه الملتاعة، و في نفس الوقت يشعر بإرتطام جسم هالة به بمنتهى العڼف و تصم أذنيه أكثر بعويلها المتزايد.. يبعدها عنه في الحال و هو يتمالك نفسه متطلعًا إلى عمه الذي جمدته الصدمة، ثم ينظر إلى صديقه ..
تحسس مكان اللكمة التي تلقاها أسفل عينه و صاح پغضب مذهول 
إنت إتجننت يابني إنت و لا إيه ؟ إيه إللي بتعمله ده ؟؟!!! .. ثم وثب واقفًا على قدميه ليصبح في مستواه
يرمقه مراد بنظرات محتقرة، ثم يهتف بإزدراء شديد 
ماكنتش متخيل القذارة توصل بيك للدرجة دي. أهي عندك أهيه. إشبع بيها ! .. و ركل تلك النائحة تحت قدمه مكملًا بغلظة مخيفة و هو ينظر إليها 
إنتي طالق. طالق. طالق !!!
ثم إستدار دون أن يضيف كلمة، و ولىَّ مدبرًا إلى الخارج بخطواته المتشنجة ...
بينما تعم حالة من الدهشة و الإستنكار بين أفراد العائلة قاطبةً _ بإستثناء هالة _ لتستقطب الأنظار كلها نحوها، جميعهم يصوّبون إليها نظرات الإستفهام مطالبين إياها بتفسير فوري للوضع
إلا إنها بالوقت الراهن لم تكن مستعدة لأيّ نوع من أنواع الإستجواب، إنما فقط أرادت أن تنخرط في بكاء لا يريم، لا ينقطع إلا عندما تفارق روحها جسدها
فهل يمكن أن تتحمل حياتها بعد الذي صار ؟ ماذا فعلت بنفسها ؟ ماذا فعلت بعائلتها ؟ و خاصةً بإبن عمها المسكين ؟
أيّ خطأ.. بل أيّ چريمة أقترفتها بحق الله !!!!
___________
داخل أحد أشهر المتاجر المخصصة لبيع السلع الغذائية و غيرها...
كانت سمر تقف أمام براد ضخم مضاء و ملآن بكافة منتجات الألبان كاملة الدسم، أخذت تنقب بعينيها و يديها أحيانًا عن نوع مخفوق الحليب الذي يفضله أخيها، حتى وجدته
جمعت منه قدر لا بأس به، و كانت تناول شقيقتها الجالسة بعربة التسوق بالمقعد الخاص بالأطفال القرورة تلو الأخرى لتضعهم بترتيب و حرص حتى لا تنكسر بقية الأغراض المتراصة فوق بعضها ...
تنتقل تاليًا إلى قسم اللحوم و الأسماك، فتورد إلى العربة كمية معقولة من المؤونة تكفي إستهلاك أسرتها لبقية الشهر البادئ منذ البارحة فقط.. كانت ستشق طريقها إلى قسم ألعاب الأطفال لتفي بوعدها لملك و تشتري لها دمية لقاء التي ضاعت منها خلال نزهة الإسبوع الماضي، لكنها توقفت عن السير فجأة و ألقت نظرة بساعة يدها
لتجد بأن الوقت قد تجاوز بعد الظهر بقليل، مطت شفتاها لأسفل و دنت من شقيقتها قائلة بلهجة إعتذار 
لوكا حبيبتي. هو إحنا ينفع نأجل شرى العروسة الجديدة لحد بكرة بس ؟ عشان مانتأخرش على يحيى. نناه فريال قالتلي إنه مزمزأ من ساعة ما أخد حقنة التطعيم و عايز ينام. يعني يدوب نلحق نروح نشوفه و نقعد معاه شوية !
تنظر ملك بعينيها الواسعتان إلى أختها الكبيرة، ترفع ساقيها المربعان و تزيح شعرها الكستنائى الطويل على كتفها و هي تقول بصوتها الطفولي الحلو 
أوكي يا سمر مش لازم نجيبها إنهاردة. أنا عايزة أروح أشوف يحيى الأول عشان وحشني و عايزة ألعب معاه. و عثمان كمان وحشني أوووي
إبتسمت سمر لها و ربتت على خدها الناعم بلطف و قالت 
أوعدك هاشتريلك كل اللعب إللي إنتي عايزاها بكرة. بس إدعي نروح و نلاقي يحيى صاحي مستنينا .. و أكملت بحزن جم 
المرة إللي فاتت كان نايم و ماصحيش إلا و إحنا ماشيين !
إنعطفت سمر بالعربة متجهة إلى الكاشير لدفع الثمن و تعبئة مشترياتها.. إصطفت مع الزبائن في طابور طويل نوعًا ما، و بقيت في الإنتظار ..
ليحتال عليها عقلها كما جرت العادة عندما تذكر أيّ شيء متعلق بالماضي القريب، لا تجد ما يشغلها، فتشرد في أعمق و أحلك.. أسوأ ذكرياتها على الإطلاق، تلك التي أدت بها إلى هذه الحياة الجديدة الأشد شقاءًا و مرارةً من حياتها القديمة، بل لا تقارن بها أصلًا
لا يمكن أن تكون هناك معاناة بحياتها كلها أقوى من إنتزاع إبنها من حضنها و سلبها إياه قبل حتى أن يعي وجودها و من تكون بالنسبة إليه !
أغرورقت عيني سمر بالدموع و هي تتذكر كل هذا مجددًا، لم تشعر بتجمعها بمأقيها على كل، لكنها شعرت و كأنها تسافر عبر الزمن للمرة العاشرة.. بعد المليون، لتلك الليلة المشؤومة ...
Flash Back ...
قبل عامين، أو لزيادة الدقة عام و عشرة أشهر... بعد ليلة زفاف شقيقة زوجها مباشرةً، بعد مواجهة بينها و بينه و مصارحة و تسوية لكافة الخلافات و الصراعات و تبادل الوعود و العهود لبدء حياة جديدة يسودها الحب و الوئام، فقط من أجل الطفل الذي يربط بينهما ...
ماذا حدث ؟
لا شيء
كان كل شيء على ما يرام، بل أنها قضت ليلة ملحمية، لحظات لا تنسى بين ذراعيّ زوجها.. كان رضيعها يبيت عند جدته بغرفتها، بينما هي مع عثمان بغرفتهما ينفذان أولى شروط الوعد الذي قطعاه، يؤكدان على المشاعر التي يكنَّها كلًا منهما للآخر، يبدآن من جديد بسعادة منقطعة النظير ...
حتى جاءهم ذلك الإتصال !
إتصال تجاهلاه، و إنغمسا أكثر في أنهر الغرام و التوق التي سرعان ما غمرتهما كليًا، فقط حين إستسلمت سمر لرغبتها الدفينة بزوجها و تركته يستدرجها طوعًا إلى فخاخه المحببة التي لم تسنح لها فرصة التنعم بها و هي مجرد زوجة بصورة شفهية، أما و قد صارت زوجته رسميًا، أمست علاقتها به لأول مرة ألذ شيء حدث لها منذ ولدت ...
إتصال آخر... إلحاح شديد.. الرنين لا يكف أبدًا
حتى كاد عثمان أن ېحطم ذلك الهاتف اللعېن مطيحًا به بإحدى حركاته العڼيفة.. لولا أن إلتقطه سمر منه عندما لمحت عينها إسم شقيقها يضيئ بالواجهة
أجابت فورًا و هي تبتعد عن زوجها بالقدر الكافٍ ...
آلو ! .. أيوة أنا. مين معايا ؟ .. إيه ؟ فادي !!!!
و قفزت من الفراش بلحظة متجاهلة آلام الولادة و الجراحة التي لم يفت عليها الكثير ...
ليبدأ ذاك الفصل المأساوي من حياتها، منذ تلك الليلة، التي كانت يفترض أن تكون بدايتها السعيدة !
تحولت إلى أتعس بداية من الممكن أن تتخيلها ...
فأخيها الشاب المرح الجميل، المهندس ذا المستقبل الواعد، يذهب برحلة عمل إلى الصحراء، فيصاب بحاډث مروّع يفقد فيه ذراعه اليمنى !!!!
كانت صدمة عڼيفة عليه، و سقط بعدها بحالة من الإنهيار العصبي، ثم الإكتئاب الحاد.. فما كان من فريق الأطباء الماهرين الذين أحضرهم عثمان لأجل شقيق زوجته إلا أن أوصوا بعدم تركه بمفرده أبدًا
حتى لا تتطور حالته النفسية و تزداد سوءًا فيفعل بنفسه مكروهًا... لكن فادي لم يقبل بالإنضمام إلى قصر البحيري و الإقامة فيه و كأنه فردًا من أهله
أصر على موقفه بشدة، فأضطرت سمر للإنتقال إلى بيتها القديم لتعتني بأخيها و تؤازره بمحنته الصعبة
لتبدأ كل المعاناة من هنا ...
مر شهر، إثنان، ثلاثة، أربعة.. و لم تتحسن نفسية فادي أبدًا، بل و لا زال يرفض فكرة إنتقاله من بيته لبيت معيل أسرته المستبد الكريم صونًا لبقايا كرامته التي أُهدرت سلفًا على يدي أخته و زوجها
ضاق عثمان ذرعًا بكل هذا
عندما أصبحت النجوم أيسر تناولًا من سمر بالآونة الأخيرة، إستدعاها ذات يوم إلى بيته، و أغلق عليهما الغرفة، و بمنتهى الصرامة و الحزم قال و هو يشير نحو الباب الموصد 
تخرجي من الباب ده. تتحرمي عليا حرمة أمي و أختي يا سمر !
تفر دمعة ساخنة من عينها و هي ترنو إليه بوهنٍ قائلة 
إنت دلوقتي بتخيرني بينك و بين أخويا ؟ حرام عليك مش هو ده وعدك ليا !
ينفعل عثمان صارخًا بوجهها 
إياكي. إياكي تعيشي دور المظلومة المرة دي يا سمر. أنا لحد لآخر لحظة. لأ لحد دلوقتي فاتح بيتي لأخوكي و مرحب و متكفل بيه. لكن شغل العناد بتاعه ده واضح إنه مطول و أنا صبري خلص. سامعة خلص !
تقترب سمر متمتمة برجاء 
أرجوك.. ممكن تهدا ؟ ماتبوظش إللي بينا تاني. إحنا إتعاهدنا نبدأ صفحة جديدة عشان خاطر إبننا. إنت ليه مابتفكرش فيه ؟!
يعقد عثمان

تم نسخ الرابط