رواية مريم من1-6
المحتويات
حاجبيه بشدة و هو يصيح بها من جديد
بتقوليلي أنا الكلام ده ؟ أنا إللي مش بفكر في إبني يا سمر ؟ ليه.. هو مين إللي أختار يبعد عن التاني ؟ إنتي معقول شايفة إن مصلحة إبني في إنه يتربى بعيد عن أبوه أو أمه ؟ ردددي عليا !!!
صړخت سمر في المقابل
أنا مقدرش أسيب أخويا. إفهمني.. مقدرش. مهما حصل لازم أكون جمبه في أيّ وقت يحتاجلي. عمري ما هاتخلى عنه أبدًا !
ساد الصمت في هذه اللحظة و طال، و كلًا منهما يحدق بالآخر.. هي تكافح، تصمم، تتوسل بنظراتها
أما هو فغير مقروء بالمرة، وجهه عبارة عن ملامح راكدة، صلدة، لا تشي بنواياه مطلقًا ...
إلى أن تحدث مرةً أخرى، فقال بصوت هادئ بعض الشيء
أوك يا سمر. إللى إنتي عايزاه ! .. ثم تراجع خطوة للخلف و مد يده ليفتح باب الغرفة
دعاها للخروج قائلًا بنفس الهدوء
إتفضلي. تقدري ترجعي لأخوكي دلوقتي. من اللحظة دي عمري ما هاطلب منك ترجعي بيتي تاني
تقصد إيه ؟! .. قالتها سمر بصوت مرتعش
ترقبت إجابته بتوجس شديد، بينما يرد عليها ببساطة عكس ما توقعت تمامًا
قولتلك تقدري ترجعي لأخوكي. و مش هاجبرك تسيبيه و تفضلي معايا هنا.. مطلوب مني إيه تاني ؟
تنفرج أساريرها فجأة و ترمقه بدهشة و هي تتنفس الصعداء لبرهة، لكن ما لبث الهواء أن أحتبس بصدرها حين أردف باللحظة التالية و قد عادت نبرة الټهديد ترن بصوته
بس اليمين إللي رميته عليكي مش هايقع و مش هارجع عنه. فاهماني ؟ هاتفضلي على ذمتي و أم لأبني و كل حاجة. بس لا أنا هاقرب منك و لا هاعاملك كزوجة. و لا إبني هايرجع معاكي لبيتك القديم. هنا بيته و بيت أهله. هايتربى هنا قدام عنيا و طبعًا وقت ما تحبي تشوفيه أهلًا بيكي في أيّ وقت. عمري ما هامنعك عنه بردو
تلقت سمر الصدمة التي شكلتها كلماته المتتابعة بصعوبة، حاولت قدر إستطاعتها إخفاء الأثر القاسِ الذي تركه بفؤادها ليسبغ ملامحها و صوتها بكسرة يستطيع تمييزها ...
بس يحيى لسا بيرضع ! .. هتفت سمر بلهجة ثابتة و قد أحكمت سيطرتها على مشاعرها الکسيرة الآن
أفلت قلبها ضړبة مضطربة و هي ترى ذاك التعبير المريب و المألوف يعتلي محياه، ثم تسمعه يتحدث مجددًا بتلك الطريقة المقيتة التي كادت تنساها
ماتشيليش هم. أنا هاعرف أحل المشكلة دي كويس .. و تابع مشيحًا بوجهه عنها
أوعدك أنه مش هايحس بغيابك لحظة أصلًا.. إطمني خالص يا سمر !
أطل إستنكار كبير من عينيها عندما قال ذلك، لكنها ردة فعل لم تدم إلا للحظات.. ثم أدركت سمر بأنه لم يضع إلا تحديًا تعجيزيًا حتى ېحطم إرادتها و يخضعها إليه كعادته، إن لم يكن بأمواله و نفوذه، فعن طريق المشاعر إذن، و هو أختار مشاعرها الأمومية المتجذرة فيها منذ عرفها، و التي ترتبط الآن بأقوى نقطة من نقاط ضعفها.. إبنا
لكنه مخطئ، حتمًا مخطئ إذا كان يتخيل بأنه سيقدر على التفريق بينها و بين طفلها، فهو متعلق بها للغاية و يأبى إلا أن يظل بين أحضانها طوال الوقت.. هذا أمر مفروغ منه بالطبع ...
لاحت على ثغر سمر إبتسامة خفيفة جدًا تكاد تُرى و هي تمر برأس شامخ من جانب زوجها متجهة خارج الغرفة، كانت واثقة من أنه لا يفعل هذا سوى لغرض الإبقاء عليها معه، يريدها أن تترك أخيها و تعود إليه و يساومها هذه المرة على إبنها، لكنها سوف تجاريه في هذا و ستترك له الطفل فعلًا
و هي تجزم بأن الليل لن يحل إلا و هو يدق على باب منزلها القديم ليرد لها إبنها، و ربما يعتذر إليها أيضًا و يستجدي فرصة أخرى !
Back
يا مدام.. يا مدام دورك !
أفاقت سمر من شرودها و عادت إلى أرض الواقع، لتنتبه إلى صوت ذلك الشاب الذي يقف خلفها بالطابور يحثها على التقدم خطوة أخرى صوب طاولة الكاشير ...
أدارت سمر رأسها نحوه و أعتذرت بإبتسامة مقتضبة
معلش Sorry ما أخدتش بالي !
رد لها الأخير الإبتسامة قائلًا
و لا يهم حضرتك
تدفع سمر بالعربة للأمام، ليبدأ عامل الكاشير بفرز مشترياتها فورًا، بينما تقفز ملك إلى الأرض من جديد و تتمسك بكف شقيقتها التي سهمت مرةً أخرى، و لكن بشكل طفيف
كانت تذكر نفسها فقط بأنها هي التي لطالما كانت مخطئة، لم تتغلب أبدًا على زوجها، و لن تفعل... أما قد صدق وعده لها ؟ و لم يشكو طفلها بُعدها عنه و لو لمرة واحدة منذ تركته في عهدة أبيه و جدته
ما الذي لم تختبره بعد لتصدق و تؤمن بأنه لا ناصر لها تحت هيمنته، و أنها ستظل دائمًا عزلاء و مجردة من كافة دفاعاتها أمامه !!!
______________
بعد أن توّرمت عيناها من شدة البكاء، و أحمرّ وجهها إلى حد يثير الشفقة ..
مد رفعت يده إليها بمنديلًا ورقيًا و هو يقول محاولًا ألا يبدو صوته غاضبًا
خلاص يا بنتي. خلاص بقى فحمتي روحك عياط إللي حصل حصل !
لكنها لم تكف، لم تستطع حتى إذا حاولت و لو قليلًا.. و قبل أن يفقد رفعت أعصابه التي حافظ عليها بمعجزة منذ وصولها و حتى الآن، تدخلت فريال قائلة من حيث كانت تجلس فوق آريكة صغيرة قبالة الأب و إبنته
سيبها يا رفعت. سيبها تخرج إللي جواها
كان يحيى الصغير ممدًا إلى جوارها، لكنه ليس نائمًا، كان هادئًا فقط تحت لمسات يدها الرقيقة على رأسه ...
يتطلع رفعت إليها و هو يقول بشيء من العصبية
إيه إللي جواها يا فريال ؟ إيه ؟ هي كمان ليها عين تزعل و تقرفنا بعياطها ؟ و رغم إللي هببته محدش فتح بؤه معاها و سايبنها تنسى و جايز ننسى إحنا كمان الڤضيحة دي. بس هايحصل إزاي و هي بقالها يومين على الحال ده ؟!!
لم تكد فريال ترد عليه، ليبرز صوت هالة أخيرًا
يعني أنا كان قصدي يحصل كل ده يا بابي ؟ أنا كنت في وعيي أصلًا و أنا بقول الكلام ده ؟ أنا أساسًا مش عارفة إزاي طلع مني كلام زي ده ؟ أنا بحب مراد و الله و نسيت عثمان من زمان. من ساعة ما أتجوز و خلف
رفعت بإنفعال و الله يا حبيبتي نسيتيه ؟ طب منين لسا بتحلمي تبقي معاه و بدل ما تبرري لجوزك و تقولي أيّ حجة يقدر يبلعها تقومي ترمي الحقيقة كلها في وشه و تعترفيله إنك بتحبي عثمان و كان نفسك تتجوزيه ؟ كان لازم نعرفي إن بعد إعترافك ده و بعد الكلام الزفت إللي نطقتي بيه و إنتي مش في وعيك لو فضلتي تحلفيله على الماية تجمد عمره ما كان هايصدق إن مافيش بينكوا حاجة.. أنا مش عارف هاقول إيه لأخوكي إللي جاي بكرة ده كمان !
تجهش هالة بالبكاء أكثر كلما سمعت كلام أبيها، ليتفاقم ڠضب فريال قليل الظهور و تنهر رفعت بقسۏة
خلاص بقى يا رفعت. مالوش لازمة كلامك ده كله على فكرة. جايز من وجهة نظرك إنت و مراد إن هالة غلطت غلط كبير. لكن في الحقيقة الحب عمره ما كان غلطة و مش ذنبها إن حبت إبني بجد و ماحصلش نصيب يبقوا سوا.. أنا و أنت و الكل عارفين إن إستحالة عثمان و هالة يغلطوا بالشكل إللي تخيله مراد ده. فإيه لزومه كل إللي إنت عامله ده ؟؟؟
مساء الخير ! .. صوتها قطع الصمت الذي خيّم لثوانٍ
فإلتفتا الأب و الإبنة إليها فورًا، و قامت فريال لتستقبلها بحفاوة كبيرة
أهلًا مساء النور يا حبيبتي. تعالي يا سمر !
كانت سمر تقف عند مقدمة البهو، تمسك بيد شقيقتها و هي تجول بنظراتها على وجوه العائلة.. كان تعبيرها واجم، لكنه لم يصل إلى تلك الدرجة التي تؤكد بأنها سمعت شيئًا من حديث والدة زوجها
ربما لم تسمعه حقًا، و ربما سمعت جزءًا منه.. أو أنها سمعته كله !!!
تعالي شوفي الباشا الصغير قاعد مستنيكي إزاي ! .. هتفت فريال و هي تحمل يحيى ليقابل أمه
كانت ملك أول من ركضت صوب الصغير بتلهف، بينما تقترب سمر و عيناها معلقتان به و قد نست كل شيء الآن إلا هو... إتسعت إبتسامتها و هي تمد يديها نحوه و تراه يضحك لها بإبتهاج بصوته الجميل، ثم يقفز بين ذراعيّ جدته راغبًا بالحلول بين أحضان أمه
بدا لا يطيق صبرًا على هذا، فضحكت سمر و هي تحمله عن جدته و تضمه إلى صدرها بقوة مغمغمة
قلب مامي. إنت وحشتني أكتر يا روحي. وحشتني أوي أوووي
و هكذا أمضت سمر بضعة دقائق أُخر تلاطف طفلها و تصب عليه حبها و حنانها صبًا حتى كادت تسحقها مشاعرها لتتركها مڼهارة بينهم هنا
كانت فريال على دراية تامة بتلك المراحل العسرة التي تمر بها زوجة إبنها كلما جاءت لترى طفلها، حفظتها جيدًا، فلحقت بها باللحظة المناسبة كما تفعل كل مرة ...
إنتي جيتي في وقتك يا حبيبتي ! .. قالتها فريال بصوتها الحنون الرقيق
جمدت سمر للحظة و رفعت بصرها إليها، رمقتها بنظرة إمتنان، لتكمل الأخيرة مبتسمة ببساطة
يحيى كان هايتجنن و عايز ينام من بدري بس لما قولتله مامي جاية عنيه فنجلت .. و ضحكت
كمان معاد الغدا قرب و فرصة تتغدي معانا إنهاردة
سمر بلهجة مستحية
معلش يا طنط مش هقدر. حضرتك عارفة أنا ماينفعش أتأخر على فادي. أنا أصلًا نزلت من الصبح أشتري شوية حاجات للبيت و يدوب لحقت أجي عشان أشوف يحيى ! .. و طبعت قبلة عميقة على خد الصغير
فريال بصرامة لا لا يا حبيبتي مش هاقبل أيّ أعذار. هاتتغدي معانا يعني هاتتغدي معانا. و بعدين إنتي مش واخدة بالك من هالة و لا إيه ؟ .. و أشارت نحو تلك الجالسة هناك يغمرها الحزن بوضوح
نظرت سمر إلي هالة و قالت مصطنعة إبتسامة ودية
أنا آسفة جدًا إبني كان واحشني و الله مش قصدي. حمدلله على السلامة يا هالة !
ردت هالة عليها بإيماءة قصيرة و همست
الله يسلمك يا سمر. و لا يهمك يا حبيبتي
غالبت سمر نظرة منزعجة و هي تشيح بوجهها عنها على مهل كي ما تلفت إليها الإنتباه أو تثير شك، فهي للأسف لم تستطع أن تتقبل يومًا تلك الفتاة.. و لم يرتاح قلبها من ناحيتها أبدًا، في السابق لم تكن تعرف السبب
لكنها أصبحت تعرفه الآن.. تقريبًا ...
خلاص بقى إتفقنا هانتغدى كلنا سوا ! .. أعلنت فريال
متابعة القراءة