رواية مريم من1-6
المحتويات
بحزم لطيف
فأعجزت سمر عن رد كلمتها
مدت يديها لتأخذ منها يحيى و تضعه بجوار ملك، ثم قالت
يلا حبيبتي إطلعي صحيلي عثمان و هاتيه في إيدك و إنتي نازلة تكون السفرة جهزت
سمر بإستغراب عثمان لسا نايم لحد دلوقتي؟ معقولة ؟ مش عوايده يتأخر في النوم و كمان إنهاردة مش أجازة !
إطلعي بس صحيه. ده هو بقاله يومين مابيخرجش من البيت و هايفرح أو لما يشوفك
هو تعبان و لا إيه ؟! .. علقت سمر بقلق كبير
طمأنتها فريال بإبتسامة
لأ يا حبيبتي مش تعبان و لا حاجة ماتقلقيش. هو بس مضايق شوية .. و رمقتها بنظرة ذات مغزى و هي تكمل
إطلعي شوفيه بنفسك. في إيه إنتي مراته يا سمر عيب لما تطلعيله أوضته يعني !!
أجفلت سمر و هي تقول بإرتياك
لأ يا طنط مش عيب طبعًا.. حاضر. هاطلع أصحيه.. عن أذنك !
و توجهت للأعلى بخطواتها المضطربة ...
وصلت إلى ذلك الطابق الأخير المتفرد، ذلك الطابق الذي لم تطئه قدماها منذ ردحًا طويلًا.. كانت تقدم ساق و تؤخر الأخرى، كلما إقتربت من ذاك الجناح المواجه لها بآخر الممر
ذاك الذي جمعها بومًا ما به خلف بابه، لعدة مرات قليلة باشرت حياتها القصيرة كزوجة لعثمان البحيري.. الرجل الوحيد الذي قهرها و أوقعها بغرامه دون أن تدري أو تحس حتى ...
بدافع من الأدب و الذوق، دقت سمر على باب الغرفة مرتين، ثم برمت المقبض و ولجت حابسة أنفاسها
لم تكن تتطلع أمامها مباشرةً، إنما أخذت ترفع وجهها شيئًا فشيء، حتى إستقرت نظراتها عليه هناك... راقدًا بمنتصف السرير، ظهره يلمع تحت خيوط الشمس المتسللة عبر أقمشة الستائر الشفافة
إزدردت سمر ريقها بصعوبة و هي تغلق الباب من خلفها بهدوء حتى لا توقظه، ثم مشت ناحيته بتأنٍ و عيناها تحاربان، تتقاتلان على رؤية وجهه بأقصى سرعة
فمنذ متى لم تراه ؟ إسبوعًا.. ربما إسبوعان، ثلاثة أسابيع
هكذا يكون عقابه، على قدر عنادها و إصرارها على هجرانه، يكون إختفائه عن حياتها هو الرد الرادع الذي يخبرها بأن ما من أحد أو شيء سينفعها من بعده، خاصةً حين فضلت أسرتها عليه، مجددًا.. كما تفعل لو خُيرت لألف مرة !!!
شعرت سمر بشيء من البرودة تغزو أوصالها رغم إعتدال الجو هذا النهار، تسارعت نبضات قلبها عندما إحتوت نظراتها وجهه أخيرًا... رباه كم تفتقده !
كم تود الآن لو تتوسد صدره و أن يطوقها بذراعيه، فتنخرط بدورها في البكاء، تشكو الزمان له و أوجاع البعاد.. كم هي بحاجة ماسة إليه ...
سمر !
إرتعدت سمر و هي تشهق بقوة عندما هتف بإسمها فجأة بلهجته الناعسة المغرية ..
إكتشفت بأنها أقلقت نومه بطريقة ما و أنه إستيقظ بغتة ليراها تقف فوق رأسها كالتمثال هكذا، لينقلب على ظهره في هذه اللحظة ليواجهها تمامًا
رمقته بعينين متسعتين و قد ألجم التوتر لسانها فلم تستطع الكلام ..
ليبتسم لها تلك الإبتسامة اللعوب و هو يقول بصوته الأجش
أهلًا يا بيبي !!!! ................................. !!!!!!!!!!!!!!!!
يتبع ...
و إنتظروا مفاجأة البارت الجاي
2
_ المشاعر لا تجدي ! _
إرتبكت سمر بشدة حين ضبطها بهذا الشكل، و تمنت لو تنشق الأرض و تبتلعها خاصةً و أنها جمدت تمامًا بمكانها في مواجهته و لم تحرك ساكنًا
إلى أن لاحظت تلك الکدمة فوق خده الأيسر
تحررت من حالة الشلل تلك مفغرة فاها پصدمة و هي تمد يدها لا إراديًا صوب وجهه صائحة
إيه إللي في وشك د آ ..
إيدك ! .. قاطعها عثمان بهدوء صارم و هو يمسك بيدها قبل أن تمس أناملها وجهه
تسمرت سمر محملقة فيه بذهول يغلفه الحرج، كان هذا تمامًا أشبه و كأن دلوًا من الثلج أريق فوق رأسها دفعة واحدة
لم تدري ماذا تفعل أو كيف تتصرف ردًا على ما فعله، إلا أنه لم يمهلها حتى وقتًا للتفكير و ترك يدها و هو يعتدل جالسًا بعيد عن متناولها ...
إنتي نسيتي تعدلي حجابك و لا إيه يا بيبي ؟ .. قالها عثمان مستفهمًا و هو يرمقها بنظرة فاحصة
عقدت سمر حاجبيها و لوهلة لم تفهم سؤاله، فأعاد ناظريه إلى وجهها مكررًا بلهجة أكثر إستهجانًا
شعرك كله طالع قدامي يا مدام. إيه مش حاسة !!!
أجفلت سمر و هي ترفع يديها تلقائيًا لتعدل وشاح رأسها قائلة بشيء من التوتر
ماخدتش بالي و الله. أنا من الصبح برا و أكيد ظهر من كتر الحركة
عثمان بإستنكار نعم ! قولتي إيه ؟ إنتي كمان خرجتي منغير ما تقوليلي ؟!!!
سمر بسخرية على أساس يعني أنك ماتعرفش ؟ المخبر إللي حضرتك ممشيه ورايا ماتصلش يبلغك بتحركاتي !!
صمت عثمان و هو ينظر لها بغموض، ربما لم يتخيل بأنها قوية الملاحظة لهذه الدرجة، لتكمل بتهكم مرير مقررة حقيقة وضعها معه
إنت لسا ماعندكش ثقة فيا.. لسا مش مديلي الأمان و أنا بعيدة عنك
بلاش كلام فارغ ! .. غمغم عثمان و هو يرفس الغطاء ليقوم واقفًا في مواجهتها بالجهة الأخرى
حيث لم يفصل بينهما سوى السرير فقط ...
كاد منظره الأشعث المثير و هكذا أن يذيب عظامها و يجعلها ټنهار تمامًا أمامه، لكنها تمالكت نفسها بآخر لحظة و إنفجرت به منفعلة
كلام فارغ ! أومال تسمي تصرفاتك معايا إيه ؟ و الجواسيس إللي بتبعتهم ورايا في كل مكان من يوم ما سيبت البيت ده و إنت فاكرني مش واخدة بالي. بتعمل كل ده ليه لو مش عشان مش واثق فيا !!!
ركز أنظاره عليها و قال بهدوء و هو يحك طرف ذقنه
ليه ماتقوليش إني بقلق عليكي مثلًا ؟ إنتي علطول كده بتسيئي الظن فيا !
سمر بحنق إنت إللي مش بتفوت فرصة تثبتلي فيها كل مرة إني مجرد ست على هامش حياتك. يدوب أم لأبنك و بس زي ما قلت قبل كده. لكن مشاعري أنا. إيه إللي بحس بيه.. كل ده مش مهم عندك. و لسا بتعاقبني لحد دلوقتي !
إتسمت لهجته بجدية تامة و هو يقول مشيرًا بسبابته نحوها
إنتي إللي إختارتي يا سمر. أنا عمري ما فرضت حاجة عليكي. دايمًا بيكون إختيارك.. تنكري ؟
و رمقها بنظرة متحدية بإنتظار أن تتجرأ و تنفي كلمة واحدة مما قال ...
لكنها لم تفعل.. ببساطة لأنه محق، هو الفعل لم يجبرها يومًا على قرار يتعلق بمصيرها معه، منذ البداية تم كل شيء برضاها.. و هي الآن تحصد ما زرعت، ممَ تشكو إذن !
بس أنا زهقت و تعبت ! .. تمتمت سمر بصوت مكتوم و هي تحبس الدموع بمآقيها بجهد بليغ
أطرق عثمان رأسه و هو يتنهد بعمق ...
تحرك ليدور حول السرير ماشيًا نحوها.. توقف أمامها مباشرةً و مد يده ليرتب لها خصيلات شعرها الأمامية و يخفيها بنفسه بإحكام أسفل وشاح رأسها
ثم تظر بعينيها و قال ببرود شديد
للأسف يا بيبي.. إنتي مضطرة تتحملي لوحدك نتيجة إختيارك. مافيش في إيدي حاجة أعملهالك و لا ناسية ؟
كانت إشارة واضحة لذلك اليمين الأسود الذي أطلقه عليها ...
و هنا خذلتها دموعها و هي تنظر إليه، ففرت واحدة تلو الأخرى بسرعة رهيبة.. لم تتحمل أن يراها بهذا الضعف، و أن تستمر خطته لقهرها بالنجاح كلما يراها تنهزم شيئًا فشيء
إبتعدت خطوة للوراء و هي تكفكف تلك الدموع بكفها، ثم ما لبثت أن لاذت بالفرار متجهة إلى الخارج بخطوات أقرب إلى الركض
بينما يظل هو واقفًا يراقب إثرها بتعبير خفي، لا يشي بما يعتمل بصدره و لا حتى بالذي ينوي فعله تاليًا، فهو لم يكن يريد الآن إلا أن يؤكد لها فداحة الخطأ الذي إقترفته حين فضلت أخيها عليه.. و يبدو أنه نجح، كما يرى !
أطلقعثمان زفرة مطولة و إستدار موليًا صوب دورة المياه ...
_______________
يعني دي تالت مرة ؟؟؟ .. صاح رفعت متسائلًا و هو يضرب على مائدة الطعام بقبضته الغاضبة
إنتفض الصغير يحيى فزعًا، كذلك ملك التي كانت تتناول طبق غدائها في صمت و هدوء حتى إندلعت ثورة رفعت على حين غرة هكذا ...
هدأت فريال الصغير قبل أن يبكي و هي تزجر رفعت بحدة
إهدا شوية يا رفعت. في أطفال هنا !
و بادرت هالة واضعة حدًا لعصبية أبيها ...
يا بابي أنا و مراد كنا پنتخانق كتير ! .. قالتها هالة مفسرة له
مش حضرتك كنت بتصالحنا بنفسك ؟ أنا إللي ماكنتش برضى أقولك على الحاجات التانية دي عشان ماتقلقش
رفعت متابعًا إستجوابه
أيوة يعني أفهم طلقك كام مرة طول الفترة دي ؟ و كان بيعملها من نفسه كده ؟ كان مستبيع يعني !!
أمسكت هالة شفتها بأسنانها و هي تقول بتردد
مراد طلقني مرتين قبل كده. و تالت مرة إللي كانت من يومين.. و أنا إللي كنت بطلب منه الطلاق في وسط عصبيتي و هو كمان كان بيبقى متعصب أوي. فكان بيطلقني ڠصب عنه و بعدين بنرجع تاني !
ساد الصمت في هذه اللحظة، و لم ترى هالة أمامها إلا تعبير البلاهة مرتسمًا على وجهي أبيها و زوجة عمها ...
ليصيح رفعت فجأة بإنفعال شديد
و بتحكيلي بالبرود ده ؟؟؟ يا بجاحتك. منك لله يابنتي. في السن ده و مطلقة رسمي ؟؟؟ منك لله !!!!
تململت فريال بضيق و هي تمسك بيحيى حائرة كيف تتصرف معه وسط كل هذه الضوضاء المزعجة و المخيفة التي يسببها كلًا من رفعت و إبنته
إنفرجت أساريرها عندما لمحت سمر و هي تهبط الدرج مسرعة، فقامت من فورها و إتجهت إليها تتبعها ملك ...
إيه يا سمر إتأخرتي ليه و فين عثمان ؟!
لاحظت فريال خطبًا ما بزوجة إبنها و إزداد قلقها حين رأتها تخفي آثار البكاء عن عينيها، بينما ترد سمر بلهجة غير واثقة و هي تتقرب لتودع طفلها
أنا صحيته و أكيد نازل حالًا. بس آسفة يا طنط مش هقدر أستنى. لازم أمشي دلوقتي
فريال بريبة في إيه يا سمر ؟ حصل حاجة بينك و بين عثمان ؟ إتخانقتوا و لا إيه ؟!!
هزت رأسها نافية و هي تقول
لأ أبدًا ماتخانقناش و لا حاجة. أنا بس إتأخرت أوي على فادي و قلقانة عليه. لازم أمشي ! .. و دنت من الصغير لتضع قبلة حنونة على خده الناعم
ثم مدت يدها نحو ملك قائلة
يلا يا لوكا !
أمسكت فريال برسغها قبل أن تتجاوزها و قالت محاولة القبض على نظراتها المتهربة
هاكلمك يا سمر. لازم نحكي شوية مع بعض
أومأت لها سمر و منحتها إبتسامة صغيرة، فتركتها الأخيرة لتذهب ...
إنتظرت حتى توارت عن عينيها تمامًا هي و أختها
ألقت نظرة على رفعت و هالة لتجدهما لا يزالا مستمران بذلك
متابعة القراءة