رواية هبة البارت الرابع وثلاثون

موقع أيام نيوز

بدأ يخرج من بين شفتيها كسجين نال حريته أخيرا
رأته منحنى الأكتاف على تلك الحقيبة التى يلملم بها ثيابه ليتأهب للرحيل ولكن لن يكون رحيلا موقتا بل فراق دائم بغير عودة
فحثت ساقيها الرخوتين على النهوض من مكانها فخطت عدة خطوات حتى باتت تقف خلفه لا يفصلها عنه سوى سنتيمترات قليلة
فصدح صوتها النائح وهى تقول من خلف ظهره 
خلاص هتمشى وتسيبنى
إستقام بوقفته ولكنه لم يكلف نفسه عناء الإلتفات والنظر إليها فقال بجمود وصوت خالى من الدفء  
أه همشى خلاص حكايتنا مع بعض أنتهت وهحاول أنسى كل حاجة زى ما أنتى هتحاولى تنسى
ليته يلتفت ويراها وهى تحرك رأسها سلبا ورفضا على الشق الأخير من حديثه فهى لن تنسى ولن يصح لها النسيان بعد الآن
بتردد رفعت يدها وتلمست ظهره فوجدته ينكمش كأنه رافضا لمساتها فأعادت يدها بجانبها ثانية ولكن ذلك لم يمنعها من أن تقول بنبرة حانية 
بس أنا مش هقدر أنسى حاجة ولا هقدر أشيلك من قلبى وأنساك
حاولى هتلاقى نفسك نسيتى بسرعة
قالها وهو يضع يديه بجيب بنطاله فرأسه مرفوع بإعتداد وشموخ وجسده متصلب كالتمثال الحجرى فإن كانت تتمتع بذرة عقل واحدة لكانت كفت عن إستعطافه بهمساتها الرقيقة
ولكن كانت طامتها الكبرى بإندفاعها إليه وتطويقها خصره بذراعيها الناعمتين ووضعها رأسها على ظهره وهى تبكى بقهروهى تقول بغيظ مزج بدموعها 
ليه قلبك ده بطل يحبنى ويدق علشانى ليه ليه
حاول أن يبدى شجاعته بتحمل ذلك الألم الذى نشبته أظافرها بموضع قلبه فرد قائلا ببرود 
أنتى السبب ومتجيش دلوقتى تلومينى قولتهالك خلاص كل اللى كان بينا أنتهى
باتت تعلم أنه لن يتراجع عن قراره فعوضا عن أن تزيد من شعوره بالألم مسدت على قلبه بحنان وهى تقول 
برجاء 
طب الليلة دى بس خلينا مع بعض وسيبهالى ذكرى قبل ما نفترق يا حبيبى أجل سفرك لبكرة مش لازم تسافر النهاردة
لم يكن يعلم أنها وصلت للحد الذى مكنها بأن طلبت منه الوصال علانية ولكن إذا وافقها سيزداد الأمر سوءا وتعقيدا فهى لا تعلم حجم تلك القوة الهائلة التى يحاول بها ردع نفسه عنها أو رغبة قلبه بأن يجيبها على مطلبها فلو حدث هذا ربما سينعمان دقائق ولكن ستظل المرارة بالأخير فمن الأفضل أن يقطع جسور الأمل نهائيا
فأبتعد عن مرمى يديها وهو يقول بقسۏة وجفاء 
لاء يا هند ويلا علشان خلاص السواق بتاع باباكى زمانه جاى وأنا كمان متأخرش مش فاضل كتير على ميعاد القطر وزى ما قولتلك لما أستقر فى شغلى وحياتى هبعتلك ورقة الطلاق
رأت أنها أذلت نفسها كثيرا أمام ذاك المتعجرف فيكفى بعثرة لكرامتها لهذا الحد فإن كان لا يريدها فلتفهم هذا وتحاول الإنسحاب دون المزيد من إهدار كبرياءها
فأبتلعت تلك الغصة التى علقت بحلقها 
ماشى يا كرم مع السلامة
أصبحا وجهها لوجه معا وعم الصمت   لم يكن يفصلهما سوى مسافة تقدر ببضع سنتيمترات ولكن كأن المحيط بينهما يشعر كل منهما ببعده عن الأخر فما كادت تفتح فمها لتودعه ثانية حتى وجدته مقبلا عليها معانقا إياها أفلتت منها همهمات محمومة كمن أصيبت بالحمى فجأة تخبره بعشقها الذى لم تكن تعلم به إلا بعد أن وجدت الفراق حتميا بينهما
فخرج صوتها ناعما برجاء 
أرجوك يا كرم متسافرش أنا بحبك والله بحبك ومحستش بالحب ده إلا لما جيت أعيش معاك هنا حتى لو عايز تسافر خدنى معاك
رنين جرس الباب أعاد له رشده ووعيه المسلوب نتاج
تم نسخ الرابط