رواية القسمة القصول من 13-17
الهواء وابتلع ريقه بصعوبة بينما حاول بكل جهده السيطرة على عجلة المقود بيده الأخرى بعد أن فقد السيطرة للحظة من صدمة وجود وجنتها الرقيقة على صدره وأنفاسها الساخنة تلفحه زادت ضربات قلبه وتعرق جبينه خاصة ودفئها في حضنه يتسلل إلى كيانه فتصعب مهمته في القيادة عائدا باتجاه المنزل ولكنه لن يرضى بغير حضنها بديلا.
كان يجول بمقعده فى حجرته يطالع الساعة كل خمسة دقائق يدرك أنها تأخرت اليوم على موعدها الثابت معه والذى لا تتأخر عنه أبدا من اجل أن تمنحه دواء يريح جسده وحديثا يدفئ روحه توقف بكرسيه وهو يدرك شيئا واحدا ..توقه لها. لقد استسلم لمشاعره ولن يقاومها بعد الآن سيحظى بلحظاته الثمينة معها وسيترك نفسه على سجيتها عقد حاجبيه متسائلا..
وماذا بعد
ماذا لو ابتعدت عنه بدورها بعد أن يستسلم لمشاعره تجاهها
فيوما ما سيحضرها النصيب وستبتعد بالتأكيد...
رفض هذه الفكرة تماما ورفع يداه إلى أذنه يصمت أفكاره التي تتردد بداخلها...
لا يتخيل أن يكون هناك وقت لا يكون فيه مع من يهوى....
فوحده حبها من أعاد لقلبه الإعمار...
من جعله ينبض من جديد...
يناديها بكل ذرة في الكيان....
بالله عليك لا ترحلي وتتركيني لوحدتي مجددا...
فقد مللت الوحدة بعد أن صرتي رفيقتي...
وحصلت أخيرا على السلام.
طرقات خفيفة على الباب جعلته يطالعه بلهفة يسمح لصاحبتها بالدخول وهو يتمالك نبراته التي ستعبر بالتأكيد عن مشاعره...
تبا....
مظهرها الجديد...
ابتسامتها الرقيقة تلك...
عيونها الجميلة البريئة...
كل ذلك يسحب أنفاسه حرفيا ويجبره على الاستسلام للحب.
تقدمت باتجاهه تحمل الحقنة بيدها فلم يستطع السيطرة على مشاعره وهو يسألها بلهفة
إتأخرتي ليه
طالعته بحيرة تحاول أن تتجاهل هذه اللهفة في صوته ونظراته لابد وان الوحدة سببهما بالتأكيد او ربما الألم تلك الفكرة الأخيرة أوجعت قلبها لتكتب بسرعة
الحقنة الأول والدوا وبعدين نتكلم.
هز رأسه باستسلام يستدير وهو يرفع تيشيرته لتحقنه في ظهره بينما أسرعت هي بتأدية مهمتها وقد تعرق جسدها بالكامل خجلا تتعجب من ذلك وهي قد فعلتها مرارا وتكرارا من قبل في جامعتها ولكنها تشعر فقط بالخجل مع هذا الرجل ...وحده لا غير.
عدل تيشيرته وهو يستدير إليها يلاحظ حمرة خجلها المحببة إليه يكاد ان يبتسم راضيا ولكنه وارى ابتسامته وهو يطالعها قائلا
ممكن بقى تقوليلى إتأخرتى ليه
كتبت بسرعة
آسفة والله على تأخيرى كان ورايا أبحاث ومكتبة الجامعة مقدرتش تساعدنى لإن كل الكتب اللى محتاجاها إستعاروها زمايلى.. روحت كذا مكتبة عشان ادور على المراجع اللي ممكن تفيدني في بحثي اللي قاللي خلصت واللي قاللي إنها نسخ نادرة أصلا ومتعبش نفسى بالتدوير عليها وهكذا لحد ما يئست ورجعت.
قال لها بارتياح
يعنى كنت بتدورى في المكاتب على كتب!
هزت رأسها وهي فى حيرة من أمرها عن سر نبراته التى غادرها القلق وسكنها الرضا ليطالعها بابتسامة تسللت إلى شفتيه قائلا
ممكن اعرف إيه هي المراجع اللي إنت محتاجاها بالضبط
مرجعين اللى ناقصينى كتاب عن بدائل المضادات الحيوية أو Natural Alternatives to Antibiotics واللي بيقدم نصائح سليمة ومعلومات أساسية دقيقة عن العلاجات العشبية والمكملات الغذائية اللي ممكن استخدامها لعلاج الأمراض المنتشرة ومنع الإفراط في استخدام المضادات الحيوية اللي أكيد هتضعف الجهاز المناعي وكتاب عن الخدمات الصحية غير الرسمية في المجتمعات النامية فيه أبحاث كتيره على النت بس بصراحة محبش الاقتباس من بحث غيرى وكمان بحب أجيب معلوماتي من مصادرها الأصلية عشان أكون واثقة منها.
طالعته وهو يبتسم لتبتسم بدورها ثم تكتب
أكيد دوشتك أنا آسفة.
هز رأسه قائلا
بالعكس أنا حبيت اهتمامك ببحثك ودراستك ورغبتك في إن معلوماتك تكون وراها مصادر مضبوطة جدا مش مجرد أبحاث من على النت.
كتبت
الحقيقة هما بحثين بس مطلعين عيني لإنهم لدكتور واحد والدكتور ده من أشطر وأصعب الدكاترة عندنا في الجامعة بيراجع البحث بالكلمة وده بيقلقنى طبعا أنا بطبعى قلوقة أصلا.
قليل من الهدوء مفيد بس كتير منه مضر يا آية.
هزت رأسها بموافقتها على كلماته ليتجه إلى ركن في حجرته وسط حيرتها موضوع به خزانة ثنائية بضلفات مغلقة قائلا
تعالى ورايا .
تبعته ففتح إحدى تلك الضلف لتتسع عينا آية من الدهشة وهي ترى كمية من الكتب تساوى ثروة وعيناها تمر على أسماءهم بسرعة بينما مد يده وأخرج هو كتابين منحهما لها وسط حيرتها قائلا
دول الكتابين اللي بتدوري عليهم واحد عن بدائل المضادات الحيوية والتاني عن الخدمات الصحية غير الرسمية في المجتمعات النامية ودراسة ميدانية فى مدينة بسكرةاللي مشهورة بالنوع ده من العلاج بيقولوا عليه سحر وهو مجرد علاج بالأعشاب الطبيعية وبعض الحيوانات والطب النبوي.
تأملت تلك الكتب فى يدها بدهشة ثم كتبت
انت بتجمع الكتب دي ليه
ابتسم قائلا
أنا قارئ نهم وبحب أقرا في كل المجالات وعشقي وهوايتي هي تجميع الكتب النادرة.
طالعته بامتنان وهي تكتب
انا مش عارفة أشكرك إزاي
بإنك تنجحي وتتفوقي كمان.
احتبست أنفاسها من نظراته فابتلعت ريقها بصعوبة وحمرة ظللت وجنتها فابتسم بداخله يتوقع هروبها وقد فعلت وهي تطرق برأسها تكتب
يبقى أبدأ حالا وأروح أوضتي عشان أكتب بحثي.
هز رأسه فابتسمت بامتنان قبل أن تغادر الحجرة بخطوات رشيقة رقيقة يتابعها بعينيه قبل أن يتنهد وقد تسلل إليه شعور بالۏحشة ما إن غادرت حجرته.
كان يقف بسيارته خارج هذه الجمعية الخيرية ينقر على مقوده برتابة وهو يطالع باب الجمعية مترقبا نظر إلى ساعته ..لقد تجاوزت التاسعة هذه الحمقاء تصر على التأخر ليلا لتكون عرضة لكل أنواع الأڈى. أخذ نفسا عميقا وهو يهدئ حاله لا بأس. ستتعلم مع مرور الأيام أن تحافظ على نفسها من الأڈى وهو لن يتركها حتى تفعل لديه شعور عجيب بالمسئولية عنها وكأنها ابنته الأخرى أو......
نفض أفكاره التي تراوده مؤخرا عنها يتجاهلها رغم إدراكه العميق لها وإلا فبم يفسر اهتمامه الشديد بها ومراقبته الدائمة لها لقد ادعى في البداية أنه الواجب ولكن فى قرارة نفسه يدرك أن هناك ما هو أكثر من الواجب.....بكثير.
والدليل على ذلك هو إصراره على رؤيتها الآن رغم أن المخبر الذى وكله بمراقبتها قد أخبره أنها اليوم قد تسلمت وظيفة جديدة لها في هذه الجمعية الخيرية وأنها أضحت بخير تماما لا ينكر أنه تعجب فى البداية لإختيارها جمعية خيرية كعمل لها ولكنه رغم ذلك أعجب بهذا الإختيار ودعمه من كل قلبه فهؤلاء الأطفال الأيتام بالداخل يستأهلون حنانها الذى رآها تغدقه على طفلته.. شاهدها الآن تخرج من باب الجمعية.. عملية رائعة في لباسها الجديد لا يفسد عملية لباسها سوى هذا الحذاء ذو الكعب العالي جدا انه حقا لا يدرى كيف ترتديه النساء ..صعدت إلى سيارتها وانطلقت بها على الفور ليتبعها بدوره وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة راضية.
تململت تشعر بالدفء في أوصالها تساءلت في البداية عن مكانها لتدرك دون ان تفتح عيناها أنها تتوسد صدر أحدهم وتتسلل إلى مسامعها نبضات قلبه السريعة نوعا ما عادت إليها ذاكرتها بقوة لتوقن من ان الصدر الذى تتوسده هو صدر مراد كادت أن تنتفض مبتعدة ولكن هذا الدفء الذى يحتويها جعلها تتراجع مستكينة في حضنه تنعم بهذا الدفء قليلا قبل أن تتذكر انه لم يعد من حقها المكوث في حضنه وقد صار زوجها السابق تدرك حرمانية ما يحدث لتفتح عيناها على الفور وتستقيم جالسة تسأله باضطراب دون أن تنظر إليه قائلة
هي الساعة كام
كاد أن يبتسم لاضطرابها ولكنه وارى تلك الابتسامة خلف جدية زائفة وهو يقول
تسعة ونص إحنا خلاص قربنا نوصل قدامنا تقريبا نص ساعة كمان و...
رنين هاتفه جعله يصمت ثم يصف سيارته على جنب قبل أن يطالع هاتفه ويجيبه على الفور شكر من جانبه وبضعة كلمات لم تفهمها ثم أغلق الهاتف وهو ينظر إلى عينيها الحائرتين قائلا
زي ماتوقعتى.. ماما طلبت عماد وقالها زي ماقولناله بالظبط.
هزت رأسها بهدوء ليعاود هو القيادة مجددا وفى قلبه تصارعت أسئلة لا حصر لها..
لماذا تكره والدته قسمة إلى هذا الحد
ولماذا لاتثق بها
والآن أيضا لاتثق به..
لماذا يحيط الحزن والغموض هذا المنزل وقاطنيه
وكيف سيكشف عن كل هذا الغموض
ترى هل سيستطيع إصلاح كل أخطاء الماضي
وهل سيحصل الجميع على نهاية سعيدة كما يرجوا
ليزفر بقوة وقد وجد أن كل هذه الأسئلة بلا إجابات....في الوقت الحالي.