رواية خديجة من 1-5
الفصل الأول
أمسكت ريم حفنة من الرمال الذهبية ثم تركت ذراتها تنسدل من بين أنامل يديها أخذت نفسا عميقا قبل أن تنهض ببطئ وتقترب أكثر من الشاطئ توقفت تغمض عيناها وهي تستمع إلي صوت الأمواج المتلاطمة فترتسم الصورة واضحة داخل أهدابها المغلقة.. شمس مشرقة في كبد السماء تطل علي زرقة المياه الصافية قطراتها تصل حدها علي هذه الضفاف الفضية فتلامس أنامل قدميها العاړية بعد أن تخلت عن حذائها تمنحها هذه المياه شعورا لا يوصف من السکينة والهدوء إنه البحر الجميل عشقها وعشق والدها رحمة الله عليه المؤتمن علي حديث القلب وأسراره صديقها الذي تحضر إليه في كل صباح تشعر فيه بالحاجة إلي البوح.. حين تشعر بالحنين والإشتياق لأوقات قضتها في صحبة أبيها أوقات من السعادة والطمأنينة سرقتها من الزمن ثم رحلت مع رحيل الأب والصديق.
فتحت عيناها وقد شعرت بحړقة الدموع تغزوا مقلتيها لم يمضي علي وجودهما بالاسكندرية أكثر من ثلاثة أعوام بعد أن عادا من مدينة الإمارات التي عاشت فيها مع والدها طيلة عمرها وها هي حياتها قد تغيرت في هذه الأعوام المنصرمة حتي باتت لا تتعرف عليها كانت هناك في المدينة الغريبة فتاة والدها المدللة ووحيدته يتشاركان كل شيء ويكتفي كل منهما بالآخر حتي عادا إلي الإسكندرية في ليلة قرر فيها والدها أنه اكتفي من الغربة وأراد العودة لموطنه رغم أن لا أهل له فيها ولا أصحاب.. ولكن الوطن هو الوطن يظل في القلب كعنوان للسكن والأمان وأصالة الجذر حتي وان طاف الإنسان حول العالم ورأي أجمل بقاع الأرض عادت معه مشتاقة لرؤية هذا الوطن من حديث والدها عنه وقد وقعت في عشقه ماان مست قدماها أرضه.
لم تخشي قط عشق والدها لوطنه أو أن يأخذه منها ولكن ما لم تضعه في الحسبان هو عشق من نوع آخر.. تعلق والدها بجارتهما الجميلة ثم تزوج منها بسرعة فوجدت ريم نفسها فجأة وحدها في بلد لم تألف بعد سكانه ولم تعتد عليه فوجدت في الموسيقي كعادتها ملاذا صار الخروج الصباحي بكمانها عادة تسعد يومها وتنير لحظاته تأتي باكرا إلي هذا الشاطئ القريب منها تطالع جمال صنع الخالق في ملكوته ثم تمسك كمانها وتعزف فتستشعر كل نغمة وكأنها أحرف وكلمات تصل بها من الشغف منتهاهوكما ابتعد عنها والدها ببطئ عاد إليها بعد فترة ببطئ كما كان قبل زواجه من سندس وأصبح يشاركها هذه اللحظات بعد ان اكتشف تسللها ذات يوم وأدرك كم صار بعيدا عنها حاول والدها مشاركة زوجته معهما في رحلتهما الصباحية ولكنها لم تكن من النساء الاتي يحببن الصباح الباكر واستنشاق الهواء العليل بل كانت من عشاق الليل يبدأ يومها مع قرب غروب الشمس هذا الشيء البسيط وأشياء أخري صغيرة جعلوا والدها ولأول مرة يشرع في الحديث معها عن والدتها المټوفية بعد أن كان الحديث عنها محرما لما يجلبه من ألم لقلبه وقد كانت توأم الروح وعشق لا ينسي كما اعتاد أن يقول عنها.
اختلاف والدتها عن سندس جعل والدها يبوح بالكثير.. كانت ذكريات ريم عن والدتها تكاد أن تكون معډومة وقد ټوفيت وعمر ريم لم يتجاوز الخمس سنوات ولكن أباها ومنذ تزوج العمة سندس.. جعل والدتها حية في مخيلتها بكثير من القصص عنها أخبرها كم تشبهها وكم تحمل من طيب قلبها ونقاء سريرتها ورقة احساسها وجمالها الكثير تشبه والدتها في الشكل والطباع حد التماثل.
وكما رحلت عنها والدتها فعل هو في ليلة اختفي فيها القمر وكأنه أبي ان يشهد علي فاجعتها كان والدها قد اصطحبها إلي إحدي الحفلات الموسيقية والتي لم ترغب سندس زوجة أباها حضورها وآثرت البقاء في المنزل لإن مثل هذه الحفلات تصيبها بالملل وفي طريق العودة أفلت المقود من أباها فجأة وحين حاول التحكم في سيارته لم يستطع فجاءت مقطورة واصطدمت بهم تدفع السيارة إلي الأمام لتنقلب مرتين ثم تستقيم بعد أن تحطمت آخر شيء شعرت به ريم عند الاصطدام هو ۏجع كبير في رأسها وعينيها وقدمها اليسري قبل أن يسحبها سواد سحيق استيقظت منه في المشفي تدرك بكل صدمة أن أباها قد ټوفي علي الفور في الحاډثة بينما أصيبت هي بكسر في قدمها وچرح في رأسها أدي إلي تضرر العصب البصري مما أدي بدوره لإصابتها بالعمي.
لم تأبه لفقدانها البصر ولم تتألم بسببه قدر ألمها لفقدان والدها أصيبت باڼهيار عصبي تعافت منه بعد فترة كبيرة حاولت فيها قتل نفسها مرة بقطع شرايينها ولكنهم استطاعوا انقاذها لتري بعدها طيف والدها في المنام يطلب منها الحياة يخبرها أن الفرح قدرها وأنها ان أرادته سعيدا فعليها أن تكون سعيدة.
يعلم الله أنها حاولت كثيرا تبحث عن الأمل دوما في جوف الظلام تبتسم فقط لكي يشعر بها ويدرك أنها سعيدة فيسعد في لحدهحتي أنها وافقت علي خطبتها من ماجد ابن أخت سندس فقط لإنها علمت أن هذه كانت رغبته الأخيرة وأنه أخبر بها زوجته قبيل مۏته بأيام فعلت المستحيل لتنفذ وصيته.. نعم واصلت حياتها في الظاهر ولكنها متوقفة في الحقيقة عند آخر لحظات قضياها معا هي وأباها تمثلت صورته أمامها فجأة كان يبتسم لها بحنان.. رفعت أناملها تجاهه ولكنه اختفي كما ظهر من العدم لېصرخ قلبها..
لماذا ذهبت بهذه السرعة تترك لي فقط الذكريات المتلاحقة تخشي البقاء حتي تقصر لحظات الألم حياتي صارت فارغة دونك يجثم الألم علي أنقاض الفؤاد.
وعدتك بالاستمرار.. بالبقاء حية.. وعدتك بأن أعيش السعادة التي تمنيتها لي قاومت عجزي وضعفي عدت للحياة وعزفي حاولت أن أكون سعيدة حقا حاولت أبي كثيرا وفشلت..
الظلام يحيطني إنه ظلام دامس لا تنيره القناديل ولو كانت ممتدة علي طول البصر أعيش في خضم ليل داهم لا امل في شمس تمحي ظلمائه يقبع فيه السكون وتنتشر وحدة بغيضة وأعصاب تشارف الحافة فتترك الظلمة تفعل بالقلوب والعقول ماتشاء تجعلني أوقن أنه من المستحيل أن أكمل حياتي دونك يا من كنت سندي وعضدي ورفيقي يا من كنت لي كل شيءولكن تنقذني كلماتك وذكرياتي معك.. تبعد عني كل الأشباح وتمنحني السکينة لقد رحلت دون عودة ولكن روحك ستظل دوما قربي تمنحني الصبر والأمل.
عدني فقط أن تزورني بين الحين والآخر.. ستجدنا هنا دوما أنا وأوتاري نعزف ألحانا تحيي الروح فقط لإنها تذكرني بك.
مالت تسحب كمانها وتعزف علي أوتاره معزوفة أباها المفضلة تغمض عيناها فتتسلل النغمات إلي قلبها وكأنها يد والدها الحانية تربت علي خافقها برفق تعالت وتيرة المعزوفة تعلن عن حنين صارخ مالبث أن شابه الشجن ووتيرة المعزوفة تهدأ رويدا رويدا فترق لها القلوب وتبكي ألما إن استمعت إليها لتكون الخاتمة نغمات رقيقة حالمة تحمل نداءا ووعدا أو ربما.. أملا.
ما ان توقفت عن العزف حتي انتفضت علي صوت تصفيق حار يأتي من خلفها استدارت بسرعة فتلبكت وكادت أن تسقط ولكن يد امتدت إليها حالت دون سقوطها ظهر الارتباك والألم علي ملامحها تنظر تجاه صاحب الصوت ذو النبرات الرجولية العميقة التي حملت ندما وهو