رواية حذر الفصول من 10-12

موقع أيام نيوز

الوقت كان بعد تناول الجميع العشاء وقد خلد الكل للنوم و أن حجرة الشيخ في ذاك الجانب المتطرف جعلها بعيدة كفاية حتى لا يصل زعيق أيوب لمسامعه وكذلك الجناح الخاص بسعدون ونفيسة كان ملحقا بالجانب الآخر من الفيلا فلم يسمعا ما دار داخلها بالتأكيد فلا قبل لها على مواجهة الجميع وقص الحكاية يكفيها رد فعل أيوب وحكايته الخاصة التي نسج أحداثها من بنات خياله وما قاله فيها والذي سيظل ندبة بالروح لن تندمل تحركت صوب حجرة المكتب متطلعة نحو أركانها في ۏجع تتمنى لو تحمل هواء هذه الغرفة دون غيرها تحتفظ به في قنينات للذكرى حين يقهرها الۏجع تتنسم بعضها دواء لعلة الحنين تقدمت للداخل وانحنت تجمع كل أوراقها الشخصية المبعثرة من هنا وهناك وما أن انتهت حتى وقعت عيناها على المال الموجود على المكتب وضعت أوراقها في مظروفها وتركت المال جانبا قبل أن تخرج من الغرفة التي لن تطأ عتباتها مرة آخرى متوجهة للصالون حيث توقفت أمام الرجل هاتفة أنا جاهزة ياللاه بينا. 

اندفع أيوب كالمچنون بسيارته لخارج الفيلا حتى أن مالو شعر بالذعر حين أصدرت مكابح السيارة صوتا قويا وهو يندفع بها على الطريق ما كان عليه قيادة السيارة وقدمه ما زالت على حالها تحتاج لبعض الوقت حتى تتحسن بشكل أفضل يسمح له بالقيادة في سلام لكن من كان وقتها قادرا على ردعه ومنعه من الخروج بها وهو في حالته الثائرة تلك بعد مقابلة الرجل الذي تركه خلفه بالفيلا وتكشف كل هذه الحقائق عنها! 
زاد من سرعته كأنه يفرغ غضبه كله بالضغط على دواسة البنزين لتنطلق العربة بشكل چنوني مطابق لوضع قائدها الذي ضغط مشغل الأغاني لعله يلهيه عما يكابده قلبه فما كان إلا أن وضع الحطب فوق ناره المتأججة من الأساس وعبدالحليم يصدح في ۏجع متسائلا  
شوف بقينا فين يا قلبي وهي راحت فين! 
شوف خدتنا لفين يا قلبي! وشوف سابتنا فين!
في سكة زمان راجعين في سكة زمان.. 
في نفس المكان ضايعين في نفس المكان..
ضړب أيوب المقود بكفه عدة مرات بقوة كادت أن تدميه مغلقا مشغل الأغاني الذي تواطأ عليه مع كل الأحداث التي مرت به ليزيده ۏجعا على ۏجع ليجد نفسه فجأة أمام بيت اللؤلؤ ترك العربة وسار في اتجاه الشاطيء وما أن توقف أمام البحر متطلعا لتلك الظلمة التي تغشاه والأشبه بظلمة نفسه في تلك اللحظة حتى صړخ في قوة متأوها صړخة جبارة مدوية خرجت من أعماق الۏجع الكامن لسنوات طويلة بين ضلوعه مخلوط بحشاه صابرا عليه لا يشكوه مخلوق حتى كل الصبر وفاض الۏجع مع اكتشافه خيانتها وخداعها له. 
تقدم صوب البحر أكثر مستشعرا أنه قطعة من جمر متقد بدأت تهدأ قليلا كلما دخل إلى عمق الماء البارد حتى غمر كليته غاب للحظة أسفل سطحه ثم عاد للظهور يسير للشاطيء في هوادة وجسده يقطر مثقلا حركته حتى وصل للرمال فألقى نفسه عليها يتطلع للسماء في تيه وشرود.
لا يعلم كم ظل على حاله لدقائق ربما لساعات لكنه أدرك أن الفجر قد أقترب أوانه.. نهض في تثاقل سائرا صوب البيت متحاشيا النظر إلى ذاك الموضع الذي جمعهما منذ عدة أيام حيث كان قد قرر الاعتراف بحبها وطلبها للزواج حاد ببصره بعيدا حتى لا يستشعر كم كان مغفلا حين فكر في تسليم قلبه لامرأة ليعيد نفس الكرة مجددا ويدخل نفس دائرة الألم الذي لا ينتهي.. 
دفع عنه ملابسه المشربة بماء البحر والرمال ودخل تحت ماء المغطس البارد وتوضأ.. أنهى ارتداءه لملابس نظيفة وفرد مصلاه أرضا وكبر في محاولة لخشوع يخضع له جوارحه لكن ما لامس جبينه الأرض ساجدا حتى بكى.. سالت دموعه حارة على جانبي وجهه.. وبكى من فرط ما فيه ذاك الذي لا شيء يبكيه.. ولم يهمس إلا بكلمة واحدة.. يا رب .. 
 
خرج الرجل معها من الفيلا لتقابل في طريقها هزاع الذي نهض مرحبا بها في سعادة دمعت عيناها لمرآه متوجهة صوب موضعه ربتت على رأسه الضخم في حنو عدة مرات وما أن همت بالمغادرة حتى أصدر أنينا معترضا آثار أشجانها كان هزاع هو الوحيد الذي ودعته من سكان الفيلا ومن رحمة الله عليها أنها راحلة في وقت الجميع فيه نيام اندفعت مبتعدة عن هزاع الذي خفت أنينه حين ابتعدت معتقدا أنها لا ترغب في اللعب معه خطت خارج أعتاب بوابة الفيلا التي ما أن أغلق مالو بابها خلفهما وهما بانتظار سيارة أجرة تقلهما للمشفى حتى شعرت أن شيء ثمين ينزع من بين ضلوعها وأن قلبها موجوع بشكل لا يمكن أن يستوعبه إدراك لو كان ذهابها لزوجها قد حدث منذ ثلاثة أشهر ماضية لكانت في قمة الفرحة وسعادة الدنيا تظللها لكن ما حدث خلال هذه الفترة حول القلب والفكر لوجهة آخرى لم يكن لها خيارا فيها كانت غارقة في خواطرها حتى أنها ما وعت وصولها المشفى فترجلت ما أن نبها الرجل المصاحب لها الذي سارت خلفه في عدة ممرات حتى وصلت لغرفة مجدي دفع الرجل بابها وتركها تمر داخلها مبتسما لها مغلقها خلفها تاركا الزوجين معا لأول مرة ليهتف مجدي مبتسما في فرحة واهنة سلمى! أخيرا شوفتك! 
هتفت في هدوء أولا حمدا لله على السلامة يا مجدي! ثانيا أنت باعت لي ليه! 
تعجب مجدي يعني ايه باعت لك ليه! باعت اشوف مراتي! 
هتفت سلمى في برود مراتك منين! أنت مش طلقتني لما شفتني فالمطار ومعجبتكش راجع عايز مني ايه! 
قهقه مجدي متعجبا ايه الحكاية العجيبة دي! مين اللي قالك الكلام المنيل ده! 
أكدت في اضطراب أختك! 
هتف مجدي مندهشا أختي مين! أنا معنديش أخوات! 
هتفت سلمى متعجبة إزاي! والله صبحي لما رن على تليفونك عشان يعرف أنت مرحتش المطار ليه عشان تاخدني أختك دي ردت عليه وقالت له إنك.. يعني.. انك اتوفيت! .. وإنك طلقتني لما شفتني فالمطار ومعجبتكش وأنت راجع من المطار حصل لك حاډثة. 
هتف مجدي في حنق إيه الفيلم ده! مين دي! وايه التخاريف دي كلها! 
هتفت سلمى متسائلة يعني أنت مطلقتنيش! 
ابتسم مجدي مشاكسا في نبرة تحمل لمحة ماجنة هو أنا لسه اتجوزتك عشان اطلقك يا سوسو! 
هتفت سلمى مذعورة سوسو مين! 
اتسعت ابتسامة مجدي العابثة هو في حد غيرك هنا!. ما تيجي تقعدي جنبي شوية بدل ما أنت واقفة بعيد كده! 
رفضت سلمى في اضطراب لا أنا مرتاحة كده أنت المفروض تخرج امتى من هنا! 
أكد مجدي متنهدا يعني المفروض بكرة أو بعده بكتيره! أنا الصراحة زهقت من القعدة فالمستشفى بقالي فترة فايق من الغيبوبة ومحدش معايا إلا عم حسن الراجل الطيب اللي جالك قلت تبقي جنبي بقى عشان نرجع بيتنا سوا. 
هتفت سلمى متعجبة بقالك فترة ومحدش بلغني ليه! متهيء لي عندك علم بمكاني أهو! 
أكد مجدي لا مكنتش أعرف أنت فين! كل اللي جه فبالي إنك رجعتي مصر زي ما جيتي بس أهو اللي يسأل ما يتوهش وعرفت اوصل إنك هنا. 
هتفت سلمى في حنق بس أختك كانت عارفة إني هنا ومستنية ظهورك! 
هتف مجدي في حنق مماثل هتقولي أختك تاني! مين دي! أنا معرفش أنت بتتكلمي عن مين! ولا بقي معايا أي حاجة ولا أي حد من بعد الحاډثة لا تليفون ولا أي حاجة خالص! العربية اتبهدلت معدتش تنفع وأنا طلعت منها بمعجزة يبقى هيفضل معايا التليفون!.. أكيد وقع في ايد حد منه ولا منها لله. 
كان مبرر منطقي جعل سلمي تبتلع لسانها في محاولة لمداراة ما بداخلها من ڠضب وقد انقلبت حياتها جراء هذه الحمقاء التي حادثت أخيها وكانت تمدهما بالمعلومات الخاطئة عنه وعن حالته. 
هتف مجدي محاولا ترطيب الأجواء تعالي عدليلي المخدرة اللي ورا ضهري بقى. 
ترددت سلمى وما أن همت بالاقتراب لتنفيذ مطلبه إلا ودفع أحدهم الباب بعد طرقة واحدة سريعة كان الطبيب المعالج الذي بدأ في فحصه فخرجت سلمى من الغرفة مسرعة تنتظر بالخارج انتهاء الطبيب حتى تسمع منه مجريات الحالة بنفسها. 
توقفت في الردهة أمام باب الحجرة كتمثال شمعي بلا روح تتطلع إلى جانبي الردهة الباردة يمينا ويسارا لا مخلوق هناك كأن العالم خلا من قاطنيه إلاها تقف على قارعة الأيام وحيدة على مفترق طريق لا تعلم إلى أين يفضي! ولا تدرك أين يمكن أن يكون منتهاه! صدمات متتالية عاشتها وما زالت تعيشها افقدتها لبعض الوقت بوصلة توجهاتها الصحيحة واغرقتها في اختبار لا تدرك إن كانت قادرة على مجابهته هذه المرة.
اندفعت مهرولة بلا وعي صوب أحد جانبي الردهة حتى وصلت للحمام دخلت على عجل وما أن وجدت نفسها بمفردها حتى اڼفجرت في بكاء دام لا تعلم لما تبكي! وعلما تبكي! ففي حضرة الغياب كل الأعذار مقبولة وكل المبررات شافعة وكل الدموع سخية تحمل رائحة الشوق وطعم الوجيعة.. وسطوة القهر.. 

شاع خبر رحيل سلمى عن الفيلا لم تصدق نفيسة وسعدون ما سمعاه من أيوب بشكل مقتضب أن أهلها استدعوها على وجه السرعة وهو عمل على مغادرتها وحجز ما يلزم لأن على ما يبدو الأمر طارىء ولا علم له هل ستعود مرة آخرى أم لا! لكنهما تقبلا الوضع بآخر الأمر وما كان لهما أن يستفسرا عن أي أسباب فرضخا لحقيقة غيابها. 
كان هذا الإعلان الجاف عن رحيلها المفاجىء هو كل ما تلقاه الجميع بالفيلا وعلى رأسهم الشيخ الذي تعجب من غرابة الحدث وتنفيذه بهذه السرعة ما بين عشية وضحاها لم يقتنع بالطبع لكنه لم يعقب كذلك يخبره حدسه أن الأمر أكبر مما يظهره أيوب وأن حدث جلل قد وقع ها هنا في غفلة منه ولا يدرك ماهيته.. 

جلست قبالة الطبيب مستفسرة حالته كده استقرت يا دكتور! 
هتف الطبيب آه الحمد لله إحنا كان لازم نتأكد إن كل حاجة تمام بعد الغيبوبة اللي صحي منها.. 
سألت سلمى يعني نقدر نخرج امتى! 
سأل الطبيب مترددا هو حضرتك تقربي له إيه! 
أكدت سلمى في تردد لا رغبة لها في إقرار هذه الحقيقة أنا.. أنا مراته.. 
اضطرب الطبيب وهتف بابتسامة شاحبة أهلا بحضرتك أصل أنا أول مرة اتشرف بك معاه كان.. 
وصمت الطبيب ولم يكمل بل هتف بدلا عن ذلك مؤكدا تقدروا تخرجوا النهاردة لو حبيتوا.. 
تنبهت سلمى لتردد الطبيب فتساءلت هو فيه حد كان معاه وأنا مش موجودة! 
وبدأت تبرر غيابها عن اللحاق بزوجها في هذه الحالة أصل أنا لسه واصلة من السفر لما وصلني الخبر كانوا مخبيين عليا.
أكد الطبيب مسرعا لا كان رجل واحد هو اللي بيزوره على فترات عن إذنك عندي مرور ع المرضى. 
هم الطبيب بالمغادرة
تم نسخ الرابط