رواية ليل من 1-5
المحتويات
تتجلى في سلوكه المسيطر حيث يظهر في كل تصرفاته لمسة من الفخامة الممزوجة بالۏحشية مرسخا بذلك سمعته كرجل لا يستهان به في ميادين الحياة كافة..
لكن الأمر مقضيا الآن وهو لم يأتي للجدال بل أتى ليحسمه مهمت كانت قوة نديم الراعي. لن تقف حائلا بوجه كهل مصمم كرياض. وخاصة إذا كان يوازيه قوة ونفوذا ..
يقول رياض بصرامة جافة
أنا مش بقول عاوز. أنا بقول هاخدها. ليلى حفيدتي.. ومن حقي أرجعها لبيتها. لاسمها. في أي وقت أعوزه.
في الداخل كان قلب نديم ينبض ببطء غير طبيعي منذ بادئ الحوار كأن روحه تحاول استيعاب الصدمة رغم أنه يرفض التصديق. ليلى حفيدة رياض نصر الدين. ليست مجرد طفلة رباها ليست مجرد حب خبأه بين ضلوعه في السر.. بل حفيدة هذا الرجل كيف لم ير هذا الاحتمال من قبل كيف لم يربط الخيوط
لطالما علم بقصة الحب المتطرفة التي جمعت بين عمه وإبنة هذا العجوز قبل أن يتزوج مهران الراعي من مشيرة. أحب دهب نصر الدين وكان مقررا لهما الزواج لكنه لم يتم لسبب لم يفصح عنه مهران ولم يحاول نديم معرفته لكنه يرى الآن بأن عمه ملزما بإطلاعه على كل شيء طوعا أو كرها ..
أفكاره تلك لم تصل إلى ملامحه. بل على العكس راح يحدق في رياض بثبات عينيه الخضروان قاتمتان باردتان كالمعدن المصقول. ثم مال للأمام أكثر مستندا إلى مكتبه صوته أكثر انخفاضا لكنه أشد وقعا وهو يقول
طلبك مرفوض يا رياض باشا.. مافيش حاجة اسمها تاخدها.. ليلى مش شيء بتملكه. ولو ليها مالك فهو أنا.. لا انت ولا حتى عمي إللي مكتوبة على اسمه!
بدا العم مستنفرا بجواره حاول التدخل في هذه اللحظة
نديم. اسمع كلامي وآ ا ..
لكن نظرة واحدة من ابن أخيه أسكتته. عاد نديم بعينيه لرياض. يواجهه يتحداه بصمت ثقيل.
ليقول رياض بهدوء أشد خطۏرة
على فكرة أنا مش جاي أتناقش معاك. ولا كل الكلام إللي إتقال ده يعتبر طلب. أنا جاي أخد حفيدتي.. بالحسنى.
رد نديم بابتسامة جانبية باردة
والحسنى دي عندك معناها إنك تطلب بنت ماعرفتهاش قبل كده من شخص رباها عمرها كله. لمجرد إنك قررت إن ليك حق عليها ده كمان معلوماتي الجديدة بتقول إنك حاولت ټقتلها. يا رياض باشا.. انت تعبت نفسك بالزيارة على الفاضي. محدش هنا ممكن يساعدك.. نورتنا!
تغير وجه رياض قليلا وكأن غروره تعرض للخدش. لكنه تمالك نفسه بسرعة. وقال بثقة
أنا مش محتاج إذنك.. خليك فاكر ده كويس.
يرد نديم بتحد وصوته يزداد حدة تدريجيا
وأنا مش هاديك فرصة حتى تحاول. ليلى مش حفيدتك. ولا هاتكون حفيدتك. ولو قربت منها بأي شكل هاتلاقيني أنا في وشك.
يضيق رياضعينيه نبرته تتحول لتحذير صريح وهو ينطق بلهجته الصعيدية الأصلية
جومتي من إهنا وإحنا مش متفجين معناها إنك الخسران انت وعمك.. وبتلعبوا پالنار!
ينهض نديم ببطء نبرته قاطعة وقراره بلا رجعة
وانت مش فاهم إن الڼار دي ولعت من زمان. ومش هاتطفيها بكلمتين ټهديد. عيبك مسألتش عني قبل ما تيجي. نديم الراعي مابيتهددش.. وليلى مش هاتعرف أي حاجة وأنت مش هاتشوفها. مش هاتحاول. ومش هاتفكر حتى. دي الحقيقة الوحيدة اللي تقدر تاخدها معاك وانت خارج من هنا.
امتد الصمت من جديد لكن هذه المرة لم يكن ثقيلا فحسب.. كان قاطعا كأنه السکين الأخير في معركة غير متكافئة ..
وفجأة ينهض رياض واقفا يجمع طرفي عباءته في يد ويمسك برأس عصاه بيد أخرى يحدق بعيني نديم مباشرة متناسيا أمر مهران. بل مخرجا مهران من حساباته إذ تيقن بأن معركته من الآن فصاعدا لن تكون إلا بينه وبين رجل واحد ..
هو نديم الراعي. لا غيره ...
هانتجابلو تاني يا ولد رشيد! .. قالها رياض بابتسامة جانبية
بالمناسبة.. بوك كان يشبهلك تمام.. وكان عنيد جوي كيفك.. بس ماكنش غبي.. سلام.
واستدار موليا إلى الخارج ..
ظل نديم يحدق في إثره ثائر الأعصاب بينما يدور مهران حول المكتب ليقف بجواره قائلا بتوتر
نديم.. من فضلك.. أرجوك قولي إنك هاتقدر تساعدني أتفادى المصېبة دي.. قولي إن رياض مش هايقدر ياخد مني ليلى.. أرجوك!!
أدار نديم رأسه نحو عمه متمتما بصرامة
محدش يقدر يقرب لها طول ما أنا عايش.. وعايزك تنسالي رياض ده دلوقتي خالص. عشان هاتحكيلي الحكاية من أولها.. زي ما حصلت بالظبط.. فاهمني يا عمي
أجابه مهران مطرقا رأسه پانكسار واضح
فاهمك.. هاحكيلك.. هاحكيلك كل حاجة يا نديم!
_________________
خرجت كل من ليلى ونوران من قاعة المحاضرة الأولى تعرفتا على فتاة بالمدرج واصطحبتاها معهما للخارج النسيم يرافقهن بخفة على وقع خطواتهن الرشيقة وصولا إلى الوجهة المنشودة ..
تجمع الضوء الخاڤت في الكافيتيريا حولهن حيث جلسن على طاولة زجاجية في زاوية هادئة. في البداية علت ضحكات نوران مستهجنة من تصرف المعيد الذي بدا وكأنه يرقص على إيقاع سخريته الخاصة. فقالت بنبرة مرحة
أهو الواد ده من إللي بيسموهم دحيحة.. هو شاطر بس يا عيني دماغه باظت من العبقرية!
ضحكت ليلى بانطلاق وقد لفتت ضحكتها الجذابة إنتباه الطلبة من حولها أثارت أعجاب الشباب منهم وغيرة الشابات لتميزها عنهن في الشكل والأسلوب بينما ردت رفيقتهما الثالثة بدعابة
طيب مش هاتصدقي لو قلت لك إنه كان دفعة أخويا هنا وعاد أخر سنة مرتين بسبب إنه كان مصمم على مجموع معين.
سألتها ليلى بفضول شديد
وجاب المجموع ده يا رنا
جاوبتها رنا مسيطرة على ضحكتها
لأ.. بس استسلم في الأخر وبقى زي ما شوفتي كده.
انطلقت الضحكات منهن بينما نزلت المشروبات المرطبة إلى طاولتهن كانت الأجواء تزدان بخفة الحديث وتداخل ظلال الضحك مع لمسات الضوء ...
أوباااااا !
استرعت صيحة نوران الخاڤتة إنتباه ليلى لتسألها باهتمام
إيه يابنتي مالك
نوران وهي تشير خلسة لمقدمة الكافيتيريا
بصي القمر إللي سقط من السما علينا ده.. الواد الحليوة إللي لابس جاكت جلد إسود.. يخربيت جمال أمه!!
ضحكت ليلى منها مستخفة لكنها ألقت نظرة بدافع الفضول لترى شابا وسيما بالفعل يحمل في ملامحه الثقة وجاذبية لا تخفى ارتدى جاكيتا ضيقا من الجلد اللامع وبنطلونا من الجينز الداكن وحذاء رياضي ناصع البياض كأسنانه التي بدت متألقة ما أن ابتسم باتساع لإحداهن في هذه اللحظة ..
برز صوت رنا وهي تقول مصوبة نظراتها نحوه بلا تحفظ
ماعرفوش ده للأسف.. رغم إني كنت باجي هنا كتير مع اخواتي وعارفة كل الطلبة.. بس أعرف البنت إللي ماشية جنبه.. دي شهد سليمان. كانت معايا في المدرسة. بس بت مغرورة أوي وشايفة نفسها.. محدش كان بيطقها بصراحة حتى المدرسين.. كانت بتتعامل حلو بس عشان أبوها حد مهم وكان موصي عليها.. أعوذ بالله على الصدف.. لو كنت أعرف إنها جاية هنا كنت حولت!
رفعت ليلى حاجبا قائلة بأريحية
ليه يا حبيبي ولا يهمك.. كأنها مش موجودة. محدش يقدر يجبر حد يتقبل أي شخص. ف انتي كأنك مش شايفاها.
وابتسمت ..
لكنهما لم تبادلاها الابتسامة.. كل من نوران و رنا.. نظرتا إلى نقطة ما وراء ليلى وقد انتابتهما حالة من الخرس والبلاهة ..
نظرت ليلى تلقائيا حيث تنظران فإذا بها ترى ذاك الشاب وقف أمامها مبتسما بلباقة وكأن الزمان توقف ليستمع لصوته الذي جمع بين الحزم والنعومة وهو يخاطبها مباشرة
صباح الخير.. آنسة ليلى. صح
تراجعت ليلى قليلا خلف حجاب تحفظها وأجابته بخفة لكن ببرود اكتسبته من ربيبها وحبيبها.. نديم
أيوة أنا.. أفندم!
طرف الشاب بأهدابه الطويلة قائلا بلهجة حيادية
ممكن أخد من وقتك خمس دقايق.. محتاج أكلمك على إنفراد.. على فكرة أنا جاي هنا مخصوص عشانك.
حانت من ليلى إلتفاتة إلى نوران ورنا المذهولتين ثم عاودت النظر إلى الشاب قائلة بجدية
فعلا! جاي عشاني بس أنا ماعرفكش!
رمقها الشاب بابتسامة واثقة مد يده للمصافحة بلطف كأنه يمد جسرا من الثقة وقال
بسيطة. أنا أعرفك بنفسي زين نصر الدين!!!
يتبع ...
4
_ _
غرفة المكتب يغمرها الهدوء التام.. بعد أن شدد نديم على ألا يقاطع أحد اجتماعه الخاص بعمه ..
الضوء الأصفر الدافئ تنعكس إضاءته على سطح المكتب الزجاجي. مهران يجلس على الأريكة الجلدية المواجهة للمكتب على بعد أمتار قليلة جسده مسترخ لكن عيناه تحملان ثقل الماضي. نديم يجلس خلف مكتبه يراقبه في صمت كأنه ينتظر أن يستكمل حديثه من حيث توقف ..
إلا إن مهران لا يزال صامتا في عينيه شرود كأنما يعيد مشاهدة شريط قديم لم يمح رغم مرور السنين. الټفت برأسه قليلا لا يريد أن يلتقي بعيني نديم مباشرة كأن الحكي بصيغة الماضي لا يكفي ليجعله أقل ألما ...
بيت العمدة! .. ردد مهران بصوت هادئ متعب وأردف
أهلها كانوا جيراننا قبل ما نسيب البلد من زمان ونيجي نعيش في القاهرة.. دهب. أصغر بنات رياض نصر الدين. أحلاهم. أقربهم لقلبه.. أو كانت أقربهم لقلبه!!
بتر جملته متنهدا بعمق وأكمل
كنت أشطر طالب في البلد. والأهالي كانوا بيحبوني أوي. عشان كده لما كانوا بيجوا يطلبوا من ابويا أساعد عيالهم في المذاكرة ماكنتش بمانع وبقنعه كمان.. لحد ما دخلت بيت رياض.. كان العمدة وقتها.. دهب مادخلتش مدارس. على أيامها كان ممنوع بنت في بيت رياض نصر الدين تخرج من بيتها وتروح المدرسة.. كان واثق مني ومن أخلاقي زيه زي كل أهل البلد. فسمح لي أدرس لها.. أعلمها تقرأ وتكتب.. كانت بتستجيب.. كانت شاطرة.. كانت جميلة ورقيقة أوي.. واحدة واحدة لاقيتني بحبها حب مش طبيعي حب خلاني أعمل حاجات عمري ما فكرت إني أعملها عشانها.. زي إني أتنازلت عن حلم دخولي الجامعة وأختارت أقعد جنب ابويا أدير شغله وأراعي مصالحنا في البلد ..
يلتقط نديم سېجارة من العلبة الفضية بجواره يشعلها ببطء دون أن يقطع عليه الحديث. لم يكن في حاجة لسؤاله فالرجل أمامه غارق في الذكرى ولن يتوقف حتى يصل للنهاية ..
يهز مهران رأسه مسترجعا
لما طلبت من ابويا يجي معايا عشان أخطبها مارفضش.. ولما روحنا رياض رحب جدا.. وفعلا. اتخطبنا.. بس بعد فترة قصيرة صدمتني بحاجة ماتوقعتهاش!
لم يحتاج نديم لتفسير لما هو واضح أمامه وضوح الشمس وقال برتابة لكنه مهتم
كانت بتحب حد تاني.
يبتسم مهران بسخرية باهتة وقال
أيوة واحد مش من مستواهم على حد قول أبوها ده إللي قالته لما واجهتني بالحقيقة. أنا إللي كنت ابن عيلة كبيرة وابن أصول. لكن قلبي كان صغير قدامها.. يومها عيطت. اتوسلت لي أسيبها لأنها وعدت حبيبها ماتكنش لحد غيره. قالت لي إن أبوها طول عمره عڼيف وشديد. وإن مهما كانت غلاوة أي حد عنده لا بيسمعها ولا بيسمع لحد. إللي في راسه بيعمله.
فجأة ينهض مهران من مكانه يتقدم ببطء ناحية النافذة يرفع الستار قليلا وينظر إلى المدينة الممتدة أمامه كأنما يبحث في أنوارها عن شيء من ماضيه. ويستطرد بصوت منخفض كأنه يحدث نفسه
وافقت تيجي من ناحيتي
متابعة القراءة