رواية ليل من 1-5

موقع أيام نيوز

حافظت على تماسكها قدر استطاعتها رغم أن نظراته كانت تفكك شيئا بداخلها دون أن تدري.
لكنها كعادتها لم تكن مستعدة للاعتراف.. ليس بعد.
ظل الصمت معلقا بينهما مشحونا بما لا يقال. نديم ينظر إليها بعمق يراقب الاضطراب الذي حاولت جاهدة إخفاءه خلف عينيها ذلك الاضطراب الذي يعرفه جيدا الذي لم يعد بإمكانها التستر عليه مهما ادعت القوة.
ثم دون أي مقدمات كسر الصمت بشيء لم تتوقعه بكلمات لم تتخيل أنها ستسمعها منه أبدا
أنا آسف يا ليلى!
اتسعت عيناها في دهشة حقيقية وكأن أذنيها لم تستوعبا كلماته للوهلة الأولى. رمشت ببطء وحدقت فيه كأنها تنتظر تفسيرا لما قاله لكنه لم يمنحها فرصة للسؤال بل أكمل بصوت منخفض لكنه محمل بثقل ما يشعر به
اسمعي كويس الكلام ده عشان يمكن مقدرش أقوله تاني.. أنا آسف على كل حاجة.. على قسۏتي. على معاملتي ليكي الفترة إللي فاتت.. عارف إني ۏجعتك. وعارف إنك مستحقتيش مني ده.. كنت فاكر إني لازم أبعد. لازم أخليكي تكرهيني.. بس حتى ده ما نجحتش فيه. صح
بقيت ليلى صامتة لكن عينيها قالتا كل شيء. نظرتها المرتعشة الطريقة التي شحبت بها ملامحها الاضطراب الذي ظهر على وجهها للحظة قبل أن تسارع بإخفائه كل ذلك كان أكثر من كاف ليخبره بما لا تقدر هي على قوله بصوت عال.
استمر نديم وكأن هناك ثقلا جاثما على صدره لن يزول إلا إن أفرغ كل ما بداخله
لأول مرة حاسس إني مش واقف على أرض ثابتة.. وانتي السبب.. شوفي انتي سنك وخبرتك كلها في الدنيا كام سنة.. لكن قادرة تهزي كيان راجل زيي.. قادرة تهزي كيان نديم الراعي.. عرفتي ليه كنت بعاملك كده
في اللحظة التي انتهى فيها من كلماته لم تستطع ليلى الصمود أكثر. غامت عيناها بالدموع رغم محاولتها العنيدة لكبحها لكنها لم تنجح. تساقطت دمعة ثم أخرى كأنها إفراج متأخر عن ألم ظل محتجزا لفترة طويلة أرادت أن تتكلم أن تعاتبه على أشياء كثيرة لكن الكلمات التي أرادت قولها إن خرجت فستكون بمثابة كوارث فأسرتها في نفسها مكتفية بنشيجها الحار.
شعر نديم بشيء ينقبض داخله عندما رآها تبكي إحساس مرير بالذنب تسلل إلى قلبه فأبعد المسافة المتبقية بينهما رفع يده في رفق وإصبعه يلامس وجنتها برقة يزيل آثار دموعها التي خانتها. لم يقل شيئا في البداية فقط لمسها كما لو كان يحاول محو الألم نفسه ثم همس بصوت أكثر لينا مما اعتادت عليه منه
الأميرة ماتعيطش.. أميرة بيت الراعي عيونها تضحك وبس.. عشان خاطري كفاية عياط!
رفعت ليلى وجهها إليه نظرتها تحمل ألف شعور متناقض عتاب لم تقله بعد ۏجع لم يهدأ تماما لكنها رغم ذلك لم تبعده لم تحاول الانسحاب. بل على العكس تركت نفسها تنظر إليه بعمق وكأنها تحاول التأكد إن كان يعني كلماته حقا أم لا.
وأخيرا بعد صمت قصير خرج صوتها مرتجفا قليلا لكنه يحمل شيئا من القوة
كنت فاكرة إنك عايزني أكرهك. كنت فاكرة إنك بتبعدني بعيد عنك متعمد وعملت كل ده عشان أنا بالذات أبعد كأني شيء مقزز بتهرب منه.. بس أنا..
توقفت حبست أنفاسها ثم أضافت بصوت أضعف
أنا مقدرتش أكرهك يا نديم. بالعكس.. لو ماكنتش جيت وقلت الكلام ده كله كنت کرهت نفسي لأني مش فاهمة سبب كرهك ليا!!
يشعر نديم بشيء داخله يتحرك إحساس لم يختبره منذ وقت طويل ذلك الشعور الدافئ الذي كان يحاول الهروب منه. لم يعرف بماذا يرد أو كيف يخفف عنها لكنه لم يحتاج للبحث عن الكلمات لأن ما حدث في اللحظة التالية كان كافيا لقول كل شيء.
فجأة ودون أي مقدمات رمت ليلى نفسها بين ذراعيه كما لو أن جسدها سبق عقلها في اتخاذ القرار.
تجمد نديم في مكانه للحظات وكأن عقله لم يستوعب ما يحدث. شعر بيديها تحيطان به بأنفاسها المتلاحقة عند عنقه بذلك الارتجاف الطفيف في جسدها وهي تلجأ إليه.
لو كرهتك.. أبقى کرهت نديم الراعي.. أبقى کرهت نفسي يا ليلى. اوعي تفكري إني ممكن أكرهك.. اوعي.. مهما عملت.. مهما شوفتي مني.
ظلت ليلى بين ذراعيه تتشبث به كما لو كان طوق نجاتها الوحيد بينما هو يضمها إليه وكأنه يحاول حمايتها من كل ما ألقاه عليها من ألم في الماضي. لم يكن هناك شيء في هذه اللحظة سوى دفء احتضانها سوى الإحساس بأنها قريبة أخيرا بعد كل المسافات التي وضعها بنفسه بينهما.
لكن هذه اللحظة لم تدم طويلا.
دفع باب الغرفة فجأة ليتبعثر الصمت في الهواء ومعه تبعثرت اللحظة بأكملها.
ظهرت راندا عند العتبة وقفت للحظة متجمدة مكانها وعيناها تتسعان برؤية ما أمامها. زوجها يحتضن ابنة عمه الصغرى الأميرة المدللة كما يطلقون عليها بينما ليلى متشبثة بظهره بقوة كأنها ترفض أن تتركه.
تحولت نظرتها في لحظة إلى صقيع قاټل تجهمت ملامحها بشدة ونقلت بصرها بينهما بعينين مشتعلتين بالڠضب بينما ظل نديم جامدا في مكانه باردا وكأنه لم يفاجأ بوجودها ولم يهتز لمراقبتها وهي تراهما معا.
من جهة أخرى ليلى لم تفوت الفرصة. بل على العكس رسمت ابتسامة صغيرة تحمل من الشماتة والانتصار أكثر مما تحمل من البراءة وهي تنظر إلى راندا نظرة تحد صامت كأنها تهمس لها دون أن تنطق بكلمة واحدة إنه لي أنا!.
حاولت راندا كبح ثورة الڠضب التي اجتاحتها لكنها فشلت. اشټعل صوتها حدة وهي تخاطب زوجها
دورت عليك في البيت كله مالقتكش.. ماكنتش أعرف إنك هنا!
لم يحرك نديم ساكنا ظل محتفظا بجموده المعتاد وكأن وجودها أو عدمه لا يفرق لديه كثيرا. أبعد ذراعيه عن ليلى بهدوء ولم يعط راندا أكثر من نظرة جانبية قبل أن يخاطب ابنة عمه بصوت خاڤت لكنه قاطع
هاسيبك دلوقتي يا لولا.. شوفي هاتعملي إيه مع صاحبتك. تصبحي على خير.
هزت ليلى رأسها وهي لا تزال محتفظة بابتسامتها وألقت عليه نظرة هادئة دون أن تهتم برد فعل راندا المتجهمة.
تقدم نديم نحو راندا بخطوات هادئة لم يبد عليه أي ارتباك أو تردد مد يده وأمسك بمعصمها برفق حازم ثم قادها للخارج دون أن ينطق بكلمة أخرى.
لم تفتح راندا فمها حتى وصلا إلى غرفتهما وما إن أغلق نديم الباب خلفهما حتى اڼفجرت فيه
ممكن تفهمني إيه إللي أنا شوفته ده انت بجد كنت حاضن بنت عمك بالشكل ده! وعملت كده قدامي وبكل برود. ما ترد عليا!!
لم يتحرك نديم من مكانه لم يبد عليه حتى أنه متفاجئ من نبرتها الغاضبة. فقط خلع ساعته من معصمه ووضعها على المنضدة القريبة قبل أن يلتفت إليها أخيرا ويرد بصوت هادئ جدا لكنه يحمل في طياته شيئا خطېرا
راندا.. خدي بالك من كلامك.. إللي بتتكلمي عنها دي بنت عمي الصغيرة.. يعني أختي.. ومن قبل ما تدخلي حياتي شوفتي بعينك الطريقة إللي بعامل ليلى بالذات بيها.. ليلى دي أنا إللي ربيتها على إيدي.. ف نبرتك في الكلام عليها ماتعجبنيش وتتحاسبي عليها كمان.
اتسعت عينا راندا أكثر وشعرت لوهلة أن شيئا في صدرها سينفجر من شدة الڠضب
انت بتقلب الترابيزة يا نديم.. يعني أنا إللي غلطانة مش انت صح أنا إللي غلطانة عشان دخلت أوضة بنت عم جوزي لاقيته ماسكها في حضنه.. ده انت مابتعملهاش معايا أنا وأنا مراااتك!!
رفع حاجبه قليلا وكأنه يسخر من منطقها قبل أن يرد ببرود
إللي بيحصل بيني وبينك أكتر من حضڼ يا راندا.. معلش بتقارني إيه بإيه انتي كلامك مابقاش موزون ومحتاجة وقفة تراجعي نفسك.. وإلا هاضطر أحط حد لحياتنا مع بعض.
شعرت راندا وكأن الهواء سحب من رئتيها حدقت فيه غير مصدقة وكأنها تستوعب للتو ما لم تكن تود الاعتراف به منذ البداية. مدت يدها نحوه وكأنها تحاول التشبث بشيء ما قبل أن تقول بصوت مرتجف لكنه لا يزال غاضبا
انت بتهددني يا نديم عاوز توصل لإيه بالكلام ده
تقدم نحوها خطوة نظراته ثابتة باردة حد القسۏة ثم قال بنفس النبرة المنخفضة التي زادت من توترها
أنا مش پهددك يا راندا.. أنا بواجهك بالواقع إللي انتي رافضة تشوفيه.. وأظن دلوقتي. بعد اللي سمعتيه. فهمتي اللي كنت بحاول أوصلهولك من زمان.. الاختيار في إيدك انتي.
رمقها بنظرة جافة مطولة ثم ولى من أمامها ساحبا بيجامته في بده متجها بها صوب الحمام أغلق الباب خلفه بقوة وأطبق الصمت من بعده.
بينما تشعر راندا بوخزة في صدرها وكأن شيئا ما ټحطم بداخلها. لم تكن تتوقع هذه المواجهة لم تكن مستعدة لسماع الحقيقة منه بهذه الصراحة المؤلمة. لكن الأسوأ من ذلك كله هو أنها لم تكن تملك أي رد لتواجهه به.
لم يربط بينهما الحب يوما على الأقل من جهته و ها قد اعترف للتو ولو بطريقة غير مباشرة بأنه لم يرتبط بها حبا أو حتى رغبة بل لأنها فقط.. واجهة!
بالطبع هذا هو السبب وهذا ما يفسر بعده المتزايد عنها إنه يزهدها لا يراها امرأة بما يكفي ليعاملها كزوجة بينه وبينها.
ولكن ما ذنبها هل لأنها أحبته
وقد قال أن الخيار لها. ما يعني أنه لن يغير طريقته معها يسد الطريق عليها وفي نفس الوقت يدفعها لتتخذ هي القرار بدلا عنه.
فهل ستفعل
_________
بعد مرور أسبوع ...
تصل ليلى إلى الجامعة لأول مرة قلبها يخفق بمزيج من الحماس والتوتر. كانت ترتدي ملابس محتشمة بسيطة مؤلفة من تنورة صفراء واسعة وكنزة بيضاء بأكمام قصيرة مطعمة ببتلات زهور دوار الشمس. تنسدل خصيلات شعرها الناعمة بتسريحة هادئة بعيدة عن أي صخب.
إلتقت بنوران عند البوابة سارت نحوها بخفة كالفراشة بينما تتأملها الأخيرة من رأسها حتى قدميها بنظرة طويلة قبل أن ترفع حاجبيها بدهشة مصطنعة وتقول بمكر
يا نهار أبيض! إيه ده! أنا شايفة ليلى الراعي بجد ولا دي واحدة شبهها وأنا مش واخدة بالي
نظرت إليها ليلى بضيق لكنها لم ترد فاسترسلت نوران بمرح وهي تميل نحوها لتهمس كأنها تكشف سرا عظيما
يحكى أن نديم باشا رجع الهانم قطة تاني.. مش بس خلاها تسمع كلامه. لااااا. دي بتنفذه برضا وطيب خاطر كمان. حقيقي نديم باشا مسيطر!
زفرت ليلى في ضيق توقفت عن السير والتفتت إلى صديقتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها نبرتها حازمة هذه المرة
محدش يقدر يسيطر عليا يا نوران.. فاهمة
رفعت نوران حاجبا ساخرا لكن قبل أن تفتح فمها لترد أكملت ليلى بنفس النبرة الواثقة
أنا إللي قررت ألبس واسع.. لما كنت بلبس بشكل ملفت قبل كده. ده ماكانش عشان حاجة غير إني كنت عايزة أغيظه لأنه كان بيقول عليا لسا عيلة صغيرة. انتي عارفة إني لو عايزة أعمل حاجة لا نديم ولا عشرة زيه يمنعوني. بدليل شعري لسا ستايله زي ما هو ماغيرتوش.
رفعت نوران يديها باستسلام مصطنع قائلة
ياستي محدش قال
تم نسخ الرابط