رواية ليل من 1-5
المحتويات
حاجة.. أنا بضحك معاكي.
أخذت ليلى نفسا عميقا قبل أن تكمل بصوت أكثر هدوءا
زي ما قلت لك قبل كده. هو اعتذر لي. وخلاص. الخلافات إللي بيننا خلصت. ف مابقاش في داعي أمثل شخصية غير شخصيتي. أنا ماعرفش أكون مبتذلة أصلا.
ساد الصمت لثانية قبل أن تبتسم نوران في خبث وتغمز لها بمكر
اممم.. وإيه كمان كملي.. عارفة يا لولو.. أنا متعتي ماتتوصفش وأنا سامعاكي بتأفلمي عليا.. وأنا أصلا عارفة الفولة.. نديم ده مخلص عليكي رسمي والله. انتي متأكدة إنه متجوز طيب هايخطبك إمتى بقى
ضحكت ليلى رغما عنها دفعتها في كتفها بخفة وهي ترد
يا بنتي بلاش غلاسة. نديم ده أخويا.. إيه عمرك ما شوفتي اخوات
قهقهت نوران وهي تحاوط ذراع ليلى قائلة
طيب نبقى نشوف الحوار ده بعدين.. يلا بقى أحسن هاننطرد من أول يوم لو اتأخرنا أكتر من كده على أول محاضرة!
ضحكتا بخفة وأسرعتا معا نحو المبنى. تشعر ليلى أن هذا اليوم لن يكون مجرد بداية لدراستها الجامعية بل بداية لمرحلة جديدة تماما في حياتها!
__________
في المقر الرئيسي لمجموعة الراعي للحديد والصلب ...
جلس نديم خلف مكتبه الضخم تتراص أمامه ملفات هامة بينما كان عمه مهران يجلس على الجانب الآخر يقلب في بعض الأوراق استعدادا لعقد الاجتماع الإداري بعد قليل.
كان الجو مشحونا بالتركيز صوت الأوراق يقلب في هدوء ونديم يراجع آخر التفاصيل بعين حادة لا تفوت شيئا. لكن فجأة قطع مهران هذا التركيز بكلماته التي نزلت كالصاعقة على نديم رغم نبرته العادية
في عريس متقدم لليلى!
توقفت أصابع نديم للحظة عن تقليب الأوراق شعر بقبضة غير مرئية تعتصر صدره وكأن الأكسجين قد نزع من الغرفة للحظات. لكن وجهه ظل جامدا لم يبد عليه شيء وكأنه لم يتأثر بكلام عمه إطلاقا. رفع عينيه ببطء ونطق بنبرة هادئة لكنها قاطعة
ليلى لسا صغيرة.
ابتسم مهران ابتسامة خفيفة كأنه كان يتوقع هذا الرد وأكمل دون أن يتراجع
مش بس تعرف العريس مين
هز نديم رأسه في برود مصطنع وعاد ينظر إلى الأوراق كأنه لم يعد مهتما بالحديث
مش مهم يا عمي.. ليلى بدري أوي عليها عشان تاخد خطوة زي دي.. ده حتى إنهاردة أول يوم ليها في الجامعة. خليها تركز في الدراسة. بالنسبة لي أهم من موضوع العريس ده أيا كان هو مين.
لم يستسلم مهران بسهولة مال بجسده للأمام قليلا وأردف بصوت يحمل نبرة إقناع
أنا عارف ان الدراسة مهمة. لكن الجواز مش هايضرها ما عندك لقى في السنة الأخيرة وهاتتجوز قريب. أسمع يا نديم. انت عارف ليلى بالنسبة لي إيه.. عايز أطمن عليها وأوصلها لبر الآمان. وبعدين. العريس مش أي حد. ده ابن فايز نصار أهم شريك لينا. والعرض ده مايترفضش بسهولة.
في تلك اللحظة وكأن شيئا اڼفجر داخل نديم. أغلق الملف الذي بين يديه بحركة حادة ورفعه قليلا قبل أن يضعه على المكتب بقوة رفع عينيه إلى عمه نظراته هذه المرة أكثر حدة أكثر صرامة وهو يقول بنبرة قطعية لا تحتمل الجدل
ليلى لسا صغيرة.. والموضوع ده مقفول خلاص. سامعني يا عمي.. من 16 سنة انت حطيت مسؤوليتها في إيدي أنا. وأنا بقولك لأ.. فكرة جوازها دلوقتي مرفوضة.. نهائي.
توقف مهران عن الكلام للحظة تأمل نديم الذي بدا أكثر حزما مما توقع ثم زفر ببطء وهو يهز رأسه بينما نديم لم يغير من وضعه ظل محتفظا بجموده الظاهري رغم أن داخله كان يغلي.
لم يكن يعرف حتى الآن لماذا شعر بهذه الثورة تجتاحه لماذا شعر بالڠضب لمجرد أن هناك رجلا آخر يفكر في ليلى بتلك الطريقة. لكنه لم يكن مستعدا لمواجهة مشاعره في هذه اللحظة. كل ما كان يعرفه أنه لن يسمح بهذا الأمر أن يحدث لا الآن ولا في أي وقت قريب.
يدق باب المكتب يعقبه دخول السكرتيرة الشابة وهي تخبر نديم بلهجة رسمية
رياض نصر الدين برا يا فندم.
لم يكد الاسم يلفظ!
حتى بدا التوتر واضحا على وجه مهران. الټفت إلى نديم بسرعة وكأنه لم يتوقع سماع هذا الاسم على الإطلاق.
أما نديم فقد رفع حاجبه ببطء كأنه يحاول استيعاب الخبر للحظات. لم يكن يتوقع هذه الزيارة نهائيا.
رياض نصر الدين!
رجل الأعمال الطاعن في السن الاسم الذي ظل لعقود رمزا للثروة والسلطة لكنه تقاعد منذ سنوات بعد أن سلم مقاليد أعماله لورثته. لم يعد يظهر في المشهد كثيرا لذا ما الذي جاء به إلى هنا اليوم ولماذا تحديدا يطلب مقابلته هو الآن
تخلص نديم من أفكاره سريعا وبتعبير محايد أمر السكرتيرة
دخليه يا مروة.
غادرت الفتاة بسرعة ولم تمر سوى لحظات حتى فتح الباب مجددا ليدخل رجل عجوز لكن هيبته كانت كافية لفرض الصمت في الغرفة.
كان يرتدي عباءة سوداء أنيقة باهظة الثمن صنعت بحرفية واضحة. يعلوها مئزر من نفس القماش الداكن محدد بشريط ذهبي.
رغم تقدمه في العمر إلا أن ظهره ظل مستقيما يحمل في يده عصا فاخرة منحوتة بدقة من خشب داكن رأسها من الفضة الخالصة منحوت عليها رمز عائلته العريق.
تقدم الرجل في خطوات محسوبة تنبئ عن شخص اعتاد أن يتحرك وسط الكبار دون استعجال ورفع بصره نحو الرجلين بتحية هادئة ذات وقار
مساء الخير!
نهض نديم من مكانه ليحييه باحترام وقد حافظ على وقفته الواثقة ونظراته الثابتة وهو يرد بنفس الهدوء
مساء النور. رياض باشا بنفسه.. نورت الشركة.
مد رياض يده ببطء لمصافحته استجاب نديم باحترام دون أن يفقد شيئا من هيبته المعتادة. ثم انتقل نظره إلى مهران الذي لم يبد مرتاحا على الإطلاق بل كان متوترا بطريقة لم تخف على أحد.
جلس نديم أولا وأشار إلى أحد المقاعد
اتفضل يا باشا.
جلس رياض ببطء وضع عصاه إلى جانبه ثم الټفت إلى مهران بنظرة ذات مغزى قبل أن يقول بنبرة محملة بالكثير من الإشارات غير المفهومة حتى الآن
أنا جيت مخصوص عشانك يا مهران.. بس لما سألت قالولي إنك في مكتب نديم بيه.
ظل الجو مشحونا لثوان بينما مهران يحاول أن يخفي توتره ونديم يراقب ما يحدث بعيني صقر محاولا أن يفهم المغزى الحقيقي من هذه الزيارة الغير المتوقعة.
ساد الصمت للحظات أخر لكنه لم يكن صمتا عاديا بل كان ممتلئا بالتوتر كأن الهواء في الغرفة أصبح أثقل.
لم يستطع مهران إخفاء اضطرابه يده التي كانت تستند إلى المكتب انقبضت في توتر واضح بينما نديم ظل ثابتا في مكانه يراقب المشهد بعينين حادتين يحاول أن يفهم ما يجري رياض نصر الدين لم يكن رجلا يأتي بلا سبب ولم يكن ممن يضيعون وقتهم في المجاملات الفارغة. لذا حين فتح فمه أخيرا بعد لحظات الصمت كان صوته ثقيلا واضحا وكلماته سقطت في الغرفة كحجر ثقيل في ماء راكد
أنا ليا عندك أمانة يا مهران. وجاي أخدها.
كلماته كانت كافية لتجعل كل شيء يتجمد للحظة. مهران بدا وكأن الډم قد انسحب من وجهه بينما نديم لم يتحرك لكن عينيه ضاقتا قليلا في حذر.
ثم أكمل رياض. هذه المرة بصوت أشد صرامة كأنه لا يترك مجالا للنقاش
أنا عايز حفيدتي عايز بنت دهب عايز ليلى يا مهران!
يتبع ...
3
_ _
امتدت لحظة الصمت بين الرجال الثلاثة مشحونة ثقيلة كأن الهواء نفسه صار متحجرا بينهم.
بقى رياض نصر الدين ثابتا صلبا في مكانه وجهه مزيج من الصرامة والسلطة المكتسبة عبر السنوات. بينما بدا مهران متوترا أصابعه تطرق على حافة مقعده بحركة لا إرادية لينفلت صوته فجأة مندفعا بنزق فيه من الڠضب
حفيدتك إيه إللي عايزها يا رياض بيه انت متخيل لما تجيلي بعد أكتر من 18 سنة تطالب ببنتي إني هاوافق بسهولة كده وأقولك اتفضل خدها وبعدين انت ناسي عملت فيها إيه وفي أمها زمان !!
نظر رياض نحو مهران. لم يرتفع صوته لم يتغير حتى إيقاعه الهادئ لكن الهواء نفسه صار أكثر كثافة بينهما وهو يقول
لا انت. ولا أي مخلوق في الدنيا دي يا مهران له حق يحاسبني على حاجة عملتها في حياتي.. ودهب كانت بنتي. بنتي أنا.. زي ما بنتها حفيدتي. ومهما لف الزمن ولا دار. الحقيقة دي مش هاتتغير.
ارتفعت أنفاس مهران وهو يقول بصوت خشن أبلغ من أي صړاخ
الحقيقة دي ماتلزمنيش. أنا إللي ربيت وكبرت. ليلى بنتي أنا.. من أول ساعة ليها في الدنيا وهي مسؤليتي أنا بعد ما سيادتك أمرت بقټلها. هانت عليك الطفلة إللي بتقول عليها حفيدتك زي ما هانت عليك بنتك.. انت موهوم لو فكرت إني ممكن أسايرك. وهاتبقى مچنون لو حاولت تفتح الموضوع ده تاني لأني مش هاتردد في إني أدافع عن بنتي حتى لو وصلت للقتل.. هاقتلك يا رياض بيه!!!
عمي!
أخيرا ..
طغى صوت نديم الحاد على الأجواء المضطربة بغتة ..
نظر مهران إليه بأعين متأججة كاد أن يفتح فاهه مجددا لكن نديم لم يمنحه فرصة لقول المزيد. قطع الجمود المطبق بصوته الواثق مقاطعا عمه قبل أن يتفوه بكلمة أخرى
رياض باشا.. انت في مكتبي. يعني ليك احترامك لأخر لحظة. لكن عشان أضمن لك ده 100 من فضلك وضح لي سبب الزيارة. أو بمعنى أصح.. صلح لي إللي أنا سمعته منك ومن عمي.
لم يرمش الأخير لم يتهز حتى لنبرة الټهديد في صوت خصمه.. فقط اكتفى بإمالة ذقنه قليلا وقال بصوته الثقيل
أظنك سمعت كويس.. وأظنك بردو عارف. زي ما أنا شايف من عنيك.. إن ليلى مش بنت عمك ولا حتى تقرب ليعلتك!
أومأ له نديم قائلا بصلابة
أيوة عارف.. ليلى مش بنت عمي.. لكن ده ماينفيش صلتها بيا. پالدم لأ. لكن على الورق هي فرد من عيلتي. و واجب عليا حمايتها من كل حاجة. وتحديدا منك انت.
تجلى الڠضب في زوايا عيني العجوز وقال من بصوت مكتوم دون أن تطلق شفتاه أي وعود بالتصعيد.. بعد
أنا جدها.. يمكن مهران ماقالكش الحقيقة دي. لكن سواء عرفتها بدري أو متأخر ماتفرقش معايا.. أنا ليا حق عندكوا.. ليا حفيدتي وهاخدها.. أظن محدش يقدر يمنعني ولا حد يقدر يلومني.
مال نديم بجسده قليلا للأمام مجرد بوصات بسيطة لكنها حملت ثقل التحدي كما حملها صوته الهادئ وهو يرد عليه
وأنا مفروض أعمل إيه لما أسمع كلامك ده يا سيادة الباشا وفاكرني هاقتنع مثلا. إنك ظهرت فجأة بعد السنين دي كلها. لمجرد إنك عاوز تاخد ليلى
رفع رياض حاجبا بالكاد وكأنه يتفحص نديم كما يتفحص رجل أعمال شابا مغرورا يبالغ في تقدير نفسه. لكنه يعرف في أعماقه بأن نديم أكثر مما يظن.
فقد سمع وعرف عنه الكثير طوال السنوات الماضية فهو له سمعة ذائعة الصيت في أنحاء ممتدة بوسطهم الراقي وحتى خارجه إنه ببساطة يشكل التجسيد الحي لمعنى الهيبة والإرادة قوته لا تقتصر على نجاحاته المالية فحسب بل
متابعة القراءة