رواية ليل من 1-5

موقع أيام نيوز

لكن قبل أن تستطيع فك رموزه قطع صوته أفكارها
تعالي يا ليلى.. تعالي اقعدي.
هزت رأسها ببطء وتحركت لتجلس.. إلا إن مقعدها المعتاد بجواره كان مشغولا.
كانت راندا تشغله جالسة بجوار رجل العائلة وكبيرها مقاما.
ترددت للحظة ثم اتخذت كرسيا بعيدا جلست عليه بهدوء بينما عيناها تراقبان تلك الفتاة.
لطالما كانت راندا مشهورة بين الطبقة العليا. جذابة.. بطريقة لم تستطع إنكارها.
بشرتها برونزية متألقة عيناها سوداوين واسعتان تضجان بأنوثة طاغية شعرها الأسود ينسدل بسلاسة على كتفيها وملامحها تشع سحرا خفيا. كانت ترتدي فستانا زهري بسيطا لكنه يبرز جسدها بكل إغراء ممكن. حركتها ضحكتها حتى طريقة جلوسها كلها كانت تشير إلى امرأة تعرف جيدا كيف تجذب الأنظار إليها.
شعرت ليلى بشيء مزعج يتسلل إلى قلبها.. شيء أشبه بوخزة غيرة.
لكنها تجاهلت إحساسها وأجبرت نفسها على التركيز فيما يحدث أمامها.
يلتفت نديم إلى عمه الآن ويتحدث بنبرة هادئة لكنها محملة بالمشاعر
عمي.. أنا حبيت أشكرك قدام الكل. قدام مشيرة. قدام ولادك. إللي هما اخواتي.. على كل حاجة عملتها عشاني انت ومشيرة. من يوم ما أبويا وأمي ماتوا. وأنا عمري ما حسيت إني وحيد وانت موجود.. انت كنت دايما الأب التاني ليا. ومشيرة كانت أم. ولادك مش بس أخواتي انا بحس انهم ولادي كمان.. والبيت ده قبل ما يكون بيتي هو بيتكوا. وماينفعش يتفتح إلا بيكوا.
ابتسم مهران بحنان ونظر إليه بعينين مليئتين بالفخر
انت مش محتاج تشكرني يا نديم. انت ابني.. مش بس ابن أخويا. أنا عمري ما شفتك غير كده.
ساد الصمت للحظات قبل أن يفاجئهم جميعا بما لم تتوقعه ليلى أبدا.
أمسك بيد راندا وضغط عليها برفق ثم نظر إليها نظرة خاصة.. نظرة لم ترها في عينيه من قبل ..
عشان كده.. أنا حبيت يكون الخبر ده لأول أشاركوا معاكوا.. مع عيلتي.
ابتلعت ليلى ريقها والقشعريرة تتسلل إلى أطرافها بينما تسمعه يعلن بصوته القوي
أنا وراندا.. اتخطبنا إنهاردة. وفرحنا هايكون آخر الأسبوع.
كلماته سقطت كالصاعقة عليها. بينما ضج المكان بهتافات السعادة والمباركات شعرت ليلى بالأرض تميد تحت قدميها والهواء يختفي من حولها.
تبتسم راندا بخجل وهي تتلقى القبلات من السيدة مشيرة وابنتها الكبرى لقى.. بينما نديم قد وقف ليعانق عمه وابن عمه الأصغر ..
أخيرا عملتها يا دونجوان!.. قالها ليث مشاكسا.
ضحك نديم بخشونة معانقا إياه عناق أخوي رجولي وسمح لنفسه بتسديد نظرة حادة صوب ابنة عمه الصغيرة نظرة ملؤها المعاني المبهمة.
ولأول مرة لا ترى ليلى الدفء بعينيه الخضرواين اللتين لطالما عشقتهما بل العكس كانت بالكاد تستطيع التنفس.
حدقت إليه بشحوب وشعرت بحړقة تلتهم صدرها. بينما يرتد قليلا هاتفا وهو يخاطبها مباشرة
إيه يا لولا! مافيش مبروك
أجفلت متمتمة على الفور بصوت مهزوز
مبروك!
هز رأسه قائلا بهدوئه المعهود
لأ. مبروك حاف كده ماتنفعش.. تعالي في حضڼي. ولا بقيتي تتكسفي مني
تدخل مهران ضاحكا بمودة
تتكسف منك ده انت إللي مربيها. ده أنا فاكر أول ما جينا نعيش معاك كان عندها 3 سنين. وماكانتش بتنام غير في حضنك.. قومي يا ليلى احضڼي نديم وباركيله. ده أخوكي الكبير.
أجفلت للمرة الثانية وكأن الكلمات أصابتها في مقټل كأن وقعها على أذنيها أشد قسۏة من كل ما سبق. للحظة شعرت أنها غير قادرة على الحراك قدماها تثقلتا فجأة وقلبها يخفق كطائر مذعور. لكن نظرات العائلة المنتظرة لم تترك لها خيارا.
أجبرت نفسها على النهوض ارتباكها ېفضحها خطواتها نحو نديم كانت مترددة ثقيلة وكأنها تسير على جمر لا يرى. كان هو ثابتا في مكانه لم يتحرك فقط راقب اقترابها بصمت مريب كأنه ينتظر أن تصل إليه بنفسها.
وعندما وقفت أمامه مباشرة رفعت عينيها إليه للحظة تلاقت النظرات فاشټعل شيء ما في قلبها إحساس غامض مجهول المصدر لكنه خانق. لم تمنح نفسها وقتا لتحلل ما يحدث بداخلها فقط مدت ذراعيها ببطء وشبت على أطراف أصابعها تحيط عنقه بذراعيها في عناق بدا وكأنه محاولة يائسة للامتثال لما يطلب منها أكثر من كونه فعلا نابعا من قلبها.
إلا إن الكلمات التي خرجت من بين شفتيها.. كانت الأثقل على روحها الأشد إيلاما
مبروك يا أخويا.
وما إن نطقتها حتى شعرت بذراعيه تلتفان حولها فجأة بقوة لم تتوقعها كأنهما قيد أحكم إغلاقه عليها كأنهما يرفضانهما معا هذا اللقب الذي منحته إياه وبادلها ذاته بدوره.
جاء صوته منخفضا لكنه نفذ إلى أعمق نقطة في روحها محملا بشيء لم تستطع تفسيره
الله يبارك فيكي.. يا أختي.
ذلك الرد كان بمثابة الضړبة القاضية لأي مشاعر أحستها تجاهه.. انتهى كل شيء.. حتى قبل أن يبدأ!
يتبع ...

_ _ 
كان الليل قد أسدل ستاره على أرجاء القصر حين صعد نديم الدرج بخطوات ثابتة بعد أن أنهى أعماله العالقة بمكتبه. خفتت الأضواء في الممر الطويل المؤدي إلى غرف النوم والهدوء الذي يخيم على المكان لم يكن سوى قناع يخفي تحته عواصف من المشاعر التي لا تهدأ هنا بين جدران هذا البيت.
عندما اقترب من باب غرفة ليلى. استوقفه صوتها كانت تبكي ونبراتها المتحشرجة تشي بحزن متراكم لم تجد له متنفسا سوى في حديثها مع شخص تثق به. وأي شخص سواها صديقتها المقربة نوران عياش.
توقف في مكانه وقلبه يخفق على إيقاع أنفاسها المضطربة. ألصق راحة يده بخشب الباب مصغيا بينما صوتها يتسلل إلى أعماقه يوخزه بالشعور بالذنب 
بقى حد تاني.. بقى شخص ماعرفوش يا نوران.. نديم إللي أنا طول عمري أعرفه مابقاش موجود. قبل كده ماكنش يقدر يزعلني ولا حد كان يقدر وهو موجود.. دلوقتي مابقاش يفرق معاه احساسي.. اتحول مش فاهمة إيه السبب.. أوقات بكون عايزه أسأله ليه.. ليه بيحاول يخليني أكرهه. وأنا مش قادرة. مهما حاولت.. مهما وجعتني تصرفاته.. قلبي مش راضي يكرهه!!
استقرت كلماتها فوق صدره كصخرة ثقيلة ألقت به في دوامة من المشاعر المتضاربة. لم يكن بحاجة إلى سماع المزيد. كل حرف نطقته كان كافيا لإشعال نيران لم تنطفئ داخله يوما حتى وإن حاول إقناع نفسه بعكس ذلك.
حسم أمره ووضع يده على مقبض الباب قبل أن يفتحه بهدوء. لم يكن بحاجة إلى إصدار أي صوت فوجوده وحده كان كفيلا بإعلان حضوره الطاغي.
التفتت ليلى إليه فورا وعلى الرغم من أن الدموع ما زالت تلمع في عينيها إلا أنها أسرعت بمسحها في إصرار كأنها تخشى أن يراها ضعيفة. رفعت رأسها وعادت ترتدي قناعها المعتاد قناع الكبرياء والعناد الذي لطالما واجهته به.
كانت جالسة فوق سريرها مقابل صديقتها نوران التي بدا عليها بعض الارتباك لرؤيته. لكن ليلى لم تمنحه سوى نظرة ثابتة نظرة تتحدى ضعفها أمامه كأنها تريد أن تثبت له بأنها لا تزال صامدة حتى وهو يحاول كسرها.
أما هو فقد وقف عند الباب يراقبها بصمت عينيه تلتهمان تفاصيل وجهها الذي يعرفه جيدا يعرف كل انفعالاته كل محاولاتها لإخفاء ألمها خلف جدار من الصلابة. شعر بشيء يشبه الإعجاب إعجاب بذلك التمرد الذي لا ينكسر فيها حتى وهي في أضعف حالاتها.
مرر بصره نحو نوران. قبل أن ينطق بصوت هادئ لكنه يحمل أمرا لا يقبل الجدال
نوران.. ممكن تسيبينا لوحدنا شوية من فضلك
كلماته كالسهم أصابت جو الغرفة فأثقلت الهواء بحالة من الترقب نظرت نوران إلى ليلى. وكأنها تنتظر منها إذنا غير منطوق لكن ليلى لم تقل شيئا فقط اكتفت بتشديد أصابعها حول الغطاء وكأنها تستعد لمواجهة لا تعرف كيف ستنتهي.
ترددت نوران قليلا وكأنها كانت تخشى أن تترك ليلى وحدها معه لكن في النهاية استجابت للصمت الذي فرض نفسه على الغرفة. نهضت من مكانها بخطوات مترددة ألقت على صديقتها نظرة أخيرة تحاول طمأنتها قبل أن تتجه إلى الباب وتفتحه بهدوء ثم تخرج مغلقة إياه خلفها برفق.
حل السكون بينهما ثقيلا ممتدا كأنه يتحدى أي محاولة لكسره. لم يتحرك نديم من مكانه ولم تتزحزح ليلى عن وضعها لكنها كانت تشعر بتوتر غريب يتسلل إلى أوصالها يجبرها على التظاهر بالتماسك أكثر. مرت لحظات قبل أن تأخذ نفسا عميقا وتقرر قطع هذا الصمت بنفسها ... 
شكرا !.. نطقت بصوت جاف.
نديم بهدوء على إيه
كنت قلقانة أحسن تطرد نوران.. يعني. عشان انت معاقبني.. بس شكرا إنك مأحرجتنيش و ...
لم تكمل جملتها إذ بادرها نديم برد هادئ لكنه قاطع
عقاپي ليكي عمره ما يوصل إني أطرد صاحبتك.. خصوصا وأنا عارف إنها أقرب صديقة ليكي.
نظر إليها نظرة مباشرة نظرة لم تستطع أن تفهمها تماما لكنها شعرت بها تتغلغل تحت جلدها. بدا كأنه على وشك أن يضيف شيئا آخر لكنه صمت لوهلة قصيرة ثم رفع يده بإشارة خفيفة نحو شعرها المصبوغ بالأشقر وعاد يتحدث بصوت منخفض لكنه لا يخلو من التلميح
إلا لو كانت هي السبب ورا إنك غيرتي ستايل شعرك.. ساعتها هايكون ليا تصرف تاني معاها.
رفعت حاجبيها ببطء وكأنها تفاجأت بإدراكه للأمر. مررت أصابعها بين خصلاتها ثم هزت رأسها بقليل من الحدة وهي تردد بجمود
نوران ملهاش أي علاقة.. الفكرة كانت فكرتي أنا.
لم يعلق نديم على الفور فقط أومأ برأسه ببطء وكأنه يستوعب ردها ثم زفر أنفاسه في هدوء. ظل يحدق بها لثوان أخرى قبل أن يتحرك أخيرا. اقترب منها بخطوات هادئة حتى جلس على حافة السرير في مواجهتها تماما.
تصلبت ليلى في مكانها لكنها لم تبتعد. فقط راقبته بعينين مليئتين بالحذر تنتظر ما سيقوله ما سيفعله. نظراتهما تلاقت في صمت جديد لكنه هذه المرة لم يكن صمتا فارغا بل كان مزدحما بكل ما لم يقال بعد.
رفع يده قليلا وكأنه يفكر في لمس شعرها لكنه توقف في اللحظة الأخيرة فقطع المسافة بينهما بالكلمات بدلا من ذلك
ليه ليه قررتي تغيري شكلك فجأة
لم ترد ليلى مباشرة وكأنها تزن كلماتها قبل أن تنطق بها. ثم بعد لحظة قصيرة زمت شفتيها وردت بإجابة أذهلته
عشان أعجبك!
لم يزح نديم عينيه عنها لقد نجحت وباغتته بجوابها لكنه مارس على نفسه أقصى درجات ضبط النفس وقال بهدوء
ومين قال إن شكلك في الأول ماكنش عاجبني والسؤال الأهم.. ليه عايزة تعجبيني أنا بالذات يا ليلى
رمشت ليلى باضطراب للحظة لكنها استعادت تماسكها سريعا وردت بلهجة طبيعية
انت طول عمرك كنت مرايتي.. من وأنا صغيرة كل حاجة عملتها كنت باخد رأيك فيها. لون التوكة. شكل الجزمة. تسريحة الشعر.. في الفترة الأخيرة لما كنت باخد رأيك كنت بشوف نظرة غريبة في عينك.. كأنك مابقتش شايفني حلوة.. كأنك مش طايق تشوفني أصلا.. كنت موجوعة.. متغاظة!!
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خاڤتة لكنها لم تكن ابتسامة مرح بل ابتسامة تحمل معاني لا تفهم بسهولة. مال بجسده قليلا للأمام ليقلص المسافة بينهما أكثر وعيناه ثابتتان على عينيها وهو يرد بنبرة منخفضة
مني.. ولا من نفسك
ارتجفت أنفاسها للحظة لكنها لم تسمح لنفسها بالتراجع.
تم نسخ الرابط