رواية الرواية من 1-5

موقع أيام نيوز

الفصل الأول 
يتطاير فى السماء تلفحه رياح الشتاء الباردة ليلتف لعدة مرات ليقع هاويا على الأرض محدثا صوت ارتطام مزعج لم ينتبه له أحد فقد خلت الطرق من زائريها بهذا الوقت فمازال الجو معتم قبيل الفجر بقليل ...
لينقشع السواد وتظهر الخيوط البيضاء لتقطع سواد السماء معلنة ميلاد يوم جديد ...
بدأ المارة يتحركون مجيئه وذهابا دون الاكتراث لذلك الشئ الملقى بإهمال إلى جانب الطريق ....
ومع سطوع اشعة الشمس الذهبية التى داعبتها نسمات الصباح لتعم الكون بدفئها انتشر الجميع فى دوامة صباحية كل متجه لوجهته ....
فهذا يتجه نحو عمله وهذا لقضاء مصلحته ....
كذلك هؤلاء الأطفال الأبرياء بملامحهم البسيطه الملائكية يرتدون ملابسهم الموحدة ك زي خاص بالمدرسة يحملون فوق ظهورهم حقائب ممتلئة يسيرون ببطء متجهين إلى المدرسة بنشاط وحيوية ....
أخذ هؤلاء الأطفال بالالتفات يمينا ويسارا خوفا من السيارات المتسارعة التى تحيط بهم ....
ليتقدم أحد الأطفال منحنيا بجسده الصغير نحو هذا الشئ الملقى على الأرض ليلتقطه ....
وفى سرعة كبيرة التف أصدقائه من حوله متسائلين بفضول ....
إيه دة !! إنت لقيت إيه يا براء !!
وريني كدة عايز أشوف !
ل يلكز أحدهم صديقه بكتفه متشدقا برقبته ليستطيع النظر لما وجده صديقه ...
وسع بس يا سيف ...خليني أشوف براء لقى إيه ... !!!
سيف استنى يا علي ... أنا جيت الأول ...
براء بغرور خلاص خلاص ... أنا إللى لقيته ... دة كتاب قديم ... وأنا إللى لقيته ...
علي هاته يا براء ... شكله عاجبني ...
براء بإصرار لأ ...... أنا إللى لقيته يعنى بتاعى ...
سيف پغضب طفولى اشمعنى بقى ... ولا بتاعك ولا بتاعه ... أنا عايز الكتاب دة ...
براء أنا الكبير وحعرف اقرأ فيه ... أنتوا مش حتعرفوا ...
علي پحده قلت لك هات الكتاب دة ...
براء بتحدى لأ ..
بدأت مشاجرة بين الصغار ليتهاوشوا فيما بينهم و يزداد صياحهم وصراخهم بصوت عال ...
لحقت بهم إحدى الفتيات الصغيرات من زميلاتهم بالمدرسة قائله ...
أسيل فيه إيه ... بتتعاركوا ليه ... !!
براء عاوز ياخد منى كتابي يا أسيل ...
علي دة مش كتابه على فكرة ... دة كان واقع فى الأرض يعنى مش بتاع حد ... وأنا كنت حرجعه لصاحبه ....
أسيل وهو فين صاحبه دة ... إنت تعرفه ...!!
على كنت حدور عليه ...
براء كداب ... إنت عاوز تاخده ليك أصلا ....
أسيل حقول للمس عليكم على فكرة ...
تركتهم أسيل وركضت بإتجاه المعلمة التى كانت لاتزال تقف أمام بوابة المدرسة القريبة منهم لتبلغها بما حدث ولما تشاجر علي وبراء وسيف....
اقتربت منهم المعلمة لتبتسم نحو الأطفال وطلبت منهم بحزم الدخول إلى المدرسة ...
المعلمه بلاش تزعلوا بعض ... هاتوا الكتاب دة وادخلوا كلكم جوه المدرسة يلا ....
لينصاع جميع التلاميذ لما أمرت به المعلمه .....
نظر الأطفال بعضهم لبعض پغضب ليتوجهوا إلى فناء المدرسة كالعادة للقيام ببعض التمارين الصباحية لترافقهم المعلمة بعد ذلك إلى فصلهم ...
دلفت المعلمة لاحقه بالتلاميذ إلى فصلهم لتضع أدواتها فوق سطح المكتب واضعه معهم الكتاب الذى وجدوه الأطفال خارج المدرسه .....
شعرت المعلمة بالتساؤلات تعلو وجوه الأطفال فى حيرة فاى منهم سيحصل على هذا الكتاب ....
المعلمه قولولي بقى .... بتاع مين الكتاب دة ...!!
ليرد براء مسرعا بتاعي أنا ....
علي لأ يا مس ... مش بتاعه ... هو لاقاه واقع على الأرض بره المدرسة ...
هنا فطنت المعلمة أنها يجب أن تتحلى بالذكاء حتى لا تسبب فتنة أو ضيق بين هؤلاء الأطفال ... كذلك يبدو أنه دفتر قديم لا قيمة له ...
ففكرت على الفور بتحفيز هؤلاء الأطفال باستخدام هذا الدفتر أو كما يطلقون عليه الكتاب....
المعلمه طيب واضح كدة إننا مش عارفين مين صاحبه ... وأكيد هو قديم وصاحبه مش محتاجه ... إيه رأيكم نعمل مسابقة جميلة فى الفصل واللى حيجاوب على كل الاسئلة يفوز بالكتاب دة ...
همهم التلاميذ بالموافقة ليتحفزوا جميعا للاجابة بتميز على اسئلة المعلمة التى تطرحها عليهم السؤال يلى الآخر بمهارة ...
وبعد إنتهاء المعلمة من مسابقتها مع التلاميذ لم يفز أى من الأولاد بالكتاب بل فازت به الطفلة سمر
سمر فتاة جميله صغيرة ذات ملامح طفولية بريئه لكنها تتمتع بذكاء يفوق سنها كذلك شقاوة محببة يعشقها كل المحيطين بها ....
أعلنت المعلمة فوز سمر بالمسابقة لتمد يدها ملوحة بهذا الدفتر مطالبة سمر بالتقدم لنيل جائزتها ....
تقدمت سمر لتمسك بالدفتر بيديها الصغيرتين وهى تشعر بسعادة بالغة لفوزها العظيم اليوم ...
عادت سمر إلى مقعدها مبتسمة بسعادة لتضع الدفتر القديم بحقيبتها وسط زهوها بإنتصارها على الجميع لتجلس بهدوء مستكملة اليوم الدراسي بصورة عادية ....
________________________________________
أوقف سيارة أجرة ليجلس بالمقعد المجاور للسائق بألفة وكأنه يعرف السائق حق المعرفة ...
لكنه فى الحقيقة يرى هذا السائق لأول مرة بحياته لكن هذه هى طبيعته الاجتماعية ....
هشام .... هشام شاب فى الثامنة والعشرون قمحى البشرة ذو شعر بني ناعم كثيف يلتف بعشوائية محببة .... ذو أنف مدبب وسيم الطلعة ذو لحية صغيرة نابته والتى زادت من وسامته وأكسبته مظهر أنيق ... خاصة مع ارتدائه نظارته الشمسيه و قميص صوفى أسود يعتليه جاكيت قصير بدون أكمام ووشاح صوفي ممزوج بين الأحمر القاني والأخضر الزيتي مع الأسود مما أعطاه مظهر مميز وملفت ...
وضع حقيبته الجلدية فوق ساقيه وهو يتحدث بأريحية مع السائق فى حديث طويل عن أوضاع الناس وقلة حيلتهم ...
فما كان من هشام سوى أن يبدأ فقط الحوار ليستطرد السائق فى سرد معاناته هو وغيره من المطحونين فى دوامة الحياة ...
ليستمتع هشام بهذا الحوار الذى يديره كلما استقل سيارة من سيارات الأجرة خلال تنقله من مكان لآخر ....
وسط هذا الحديث الذى لا ينقطع اختلس هشام النظر إلى ساعته بنظرة خاطفة فمازال أمامه بعض الوقت لوصوله إلى البيت الكبير ...
لكنه فى داخله لا يشعر بأى اشتياق إطلاقا للذهاب إليه على الرغم من غيابه لما يزيد عن ستة أشهر منذ آخر زيارة له لهذا البيت وساكنيه ....
_________________________________________
باحدى المستشفيات ...
جلست فى صمت ودمعه حفظت مكانها على وجهها .. تلك الدموع التى تساقطت فى طريق محفوظ محفور بعينيها الذابلتين منذ أمد بعيد ...
كم تشعر بالوحدة ...كم تمنت المۏت ... وكيف تحب وجودها فى هذا العالم الذى لم يشعر بوجودها يوما ... كيف .....
سؤال طالما تردد صداه فى رأسها ...كيف تحب الدنيا التى لم تحبها 
كيف تعيش بالدنيا فى هذه الوحدة القاټلة ....
مسحت دمعتها بأطراف أصابعها لتبتعد عن جلستها أمام النافذة متعتها الوحيدة بهذا البرد القارس ...
جلست على طرف الفراش قابعه بصمت لتتمدد بعدها محاوله النوم هاربة من واقعها البائس ....
________________________________________
تركيا ....
إسطنبول ....
يجب أن تسترخى قليلا فبعد عمل شاق لأيام طويلة ها هو أخيرا يوم تستطيع أن ترتاح به وتستنشق هذا الهواء العليل ذو النسمات الباردة ....
اميمه ....اميمه .... هو إحنا جايين هنا عشان تنامى ....!!
أميمه ... شابة فى أواخر العشرينيات تتمتع بإطلالة ساحرة ذات عيون بنية واسعة وشعر بنفس لون عينيها وأنف دقيق وابتسامة هادئة ... هدوئها المميز أعطى لها غموض جذاب لتحيط بها هالة للتساؤل دوما عن شابة مثلها لكن صمتها كاجابة عن تساؤلات الجميع زاد من هالة الغموض حولها لتجذب الإنتباه من كل المحيطين بها
أميمه أيوة .... جايه انام عندك مانع يا سيلا ..!!
سيلا .... فتاة تركية من أصل عربي بيضاء البشرة ذات عيون خضراء تصبغ شعرها القصير بلون أحمر نارى مزعج جدا خاصة لأميمه لكنها لن تتدخل فذلك من حرية سيلا الشخصية .... تعمل كمساعدة لأميمه وصديقة مقربة لها منذ خمس سنوات مدة معرفتها بأميمه ....لطالما كانت الفتاة المخلصة وصديقة يعتمد عليها وقت الشدة على الرغم من أن مظهرها يوحى بالنقيض .... فيظهر عليها التمرد واللامبالاة ....
سيلا لأ .... أنا عايزة أخرج من مود الشغل .... عايزة أرتاح واتكلم كلام البنات .... مش عايزة أنام أو أقعد ساكته ....
أميمه أنا عاوزة كدة ... متوجعيش دماغي ... مش حيبقى فى الشركة وهنا كمان .....
سيلا أنا إللى الحق عليا أنى جيت معاك ....
أميمه قومي روحي ...
سيلا لو فاكرة أنى جايه لك لوحدك تبقى غلطانة ....
وأشارت سيلا بعيناها باتجاه طفل صغير أخذ يلعب بسعادة مع إحدى السيدات .....
إستكملت سيلا حديثها مردفه ..
سيلا أنا جايه عشان حبيبى مينو ولا أنت فاكرة إنك لوحدك إللى بتحبيه ...
ابتسمت اميمه فهى تعلم بصدق محبة سيلا لولدها يامن ذو الأربع سنوات ...
أميمه طيب طالما بتحبيه كدة ما تشوفيلي حل .... ماندى حتسافر كمان يومين إجازة وحتقعد شهر فى بلدهم ... ومش لاقيه حد يساعدني مع مينو وأنت عارفة ضغط الشغل إللى عندنا ....
سيلا طب ما اجى أقعد معاك الشهر دة إيه رأيك ...!!
اميمه باندهاش حقيقي .... ممكن تسيبي والدتك وتيجى تقعدى معايا !!
سيلا وليه لأ .... انتى عارفه هى بتحبك انت ومينو قد إيه ....
اميمه يا ريت يا سيلا ... لأنى بجد مش لاقيه حل ....
سيلا أول ما ماندى تسافر حتلاقيني فوق دماغك .... ولو حبيتي أجيب ماما كمان معايا ....
اميمه ضاحكه لأ ... كدة حتعبكم أوى أوى ....
سيلا لا مټخافيش ... هى كمان بتحب مينو جدا كأنه حفيدها بالضبط ...
اميمه بجد .... تبقوا عملتوا فيا معروف جامد فى الشهر دة .... وكمان البيت واسع وحنرتاح فيه كلنا ....
سيلا اتفقنا يا مديرتي الحلوة ... من بكرة حنبقى عندك ...
ضحكت أميمه وهى توارى ضيقتها فما تعيش به لم يكن حلمها قط .....
_________________________________________
المدرسة ...
انتهى اليوم الدراسى ليخرج التلاميذ من المدرسة بعضهم يسير على الأقدام كما جائوا ... وبعضهم يستقل سيارة أحد والديه ..... والبقيه تستقل الحافلة الخاصة بالمدرسة .....
وصلت سمر إلى الحافلة لتجلس بمقعدها التى تتخذه كل يوم استعدادا لعودتها إلى البيت .......
_________________________________________
هشام..
فى الطريق ...
بعد قطع طريق طويل وسط هذا الزحام المرورى الشديد توقفت سيارة الأجرة أمام بوابة كبيرة للبيت الذى على الرغم من بهائه و رقية إلا أنه يبعث فى نفسه الضيق ...
لكن هشام مضطر للمجئ إلى هنا ....
تقدم بخطوات متثاقلة نحو الممر المؤدى إلى داخل هذا البيت الكبير ...
فتح الباب بحرص وهدوء لكنه لم يستمع لأى صوت بالداخل فيبدو أنهم جميعا خارج المنزل الآن ....
تنهد هشام ليطلق زفيرا ينم عن الراحة ... فآخر ما كان يود رؤيته أن يكون أحدهم موجود بالبيت ....
هشام كويس أوى مفيش حد هنا ... أخد إللى كنت عايزة بسرعة والحق أمشى قبل ما يرجعوا .....
رفع هشام وشاحه الصوفي المميز إلى الأعلى وهو يعدل من وضع حقيبته على كتفه صاعدا

تم نسخ الرابط