رواية انا له من 1-4
البارت الاول
تنفس هواء الصباح بعد إختناقه بنسمات ليل عصيب مر عليه كباقى لياليه راقب تسلل خيوط النهار من خلف ستار الظلام بعد أن أنتهى من صلاته فأحكم غلق سحاب كنزته الصوفية وخرج إلى ذلك الطريق الذى يتخذ منه مضمارا فصوت خطواته الراكضة تصدر صوتا بدعس تلك الأوراق الجافة المتساقطة من الأشجار التى تحيط المكان كالسياج يعدو كمن هناك شبحا بأثره يريد الفرار منه حتى تباطأت قدميه ووقف يلتقط أنفاسه اللاهثة فأنحنى بجزعه العلوى وأرتكز بيديه على ركبتيه يحاول تنظيم أنفاسه وصدره مازال يعلو ويهبط حتى سمع صوت رنين هاتفه فأستقام بوقفته وسحبه من جيب كنزته
وضع الهاتف على أذنه قائلا
أيوة لقيتهم ولا لسه
جاءه الرد على الطرف الآخر قائلا بطاعة
أيوة حضرتك لقيت واحد فيهم وجبت عنوانه وعرفت كل حاجة عنه
حك جبهته بيده يزفر بشئ من الارتياح فرد قائلا
تمام إستنانى فى مكانك قدامى نص ساعة وجايلك مش هتأخر
أنهى مكالمته وأكمل ركضه حتى وصل لذلك المنزل الذى لا يبعد كثيرا عن مكان تواجده فالمنزل مشيد بإحترافية يدل على فخامة ورقى ساكنيه تحيطه حديقة غناء تتناغم ألوان الأشجار والورود بها كإنها لوحة بديعة رسمتها يد فنان محترف ولج للداخل وجد العاملين بالمنزل إستيقظوا لبدء روتينهم اليومى كأنهم بخلية نحل يسعى كل منهم لتأدية مهمته على أكمل وجه أرتقى الدرج بخطواته السريعة حتى وصل لغرفته بالطابق الثاني ففتح سحاب كنزته يلقيها على طرف الفراش وولج للمرحاض وبعد عدة دقائق خرج يجفف رأسه فتهدلت خصلات شعره الأسود على جبينه فغرز أصابعه بها بتأفف من سرعة نمو شعره
أنا مش عارف كل لما أقص شعرى يطول بسرعة ليه كده
ألقى المنشفة وأرتدى ثيابه وعاد يقف أمام المرآة ثانية لتمشيط شعره ووضع عطره الذى يحمل إسم أفخم دور العطور أخذ نفسا عميقا يزفره ببطئ وقلة حيلة متمنيا أن يكون عثر على مبتغاه تلك المرة
هبط الدرجات بخطوات تكاد لا تسمع وتسلل بخفة من خلف تلك السيدة ذات الخمسة وخمسون عاما التى توليه ظهرها تعمل على تنسيق مائدة الطعام كعادتها كل يوم طوقها بذراعيه يكاد يرفعها عن الأرض من رشاقتها التى حافظت عليها منذ أن كانت فتاة صغيرة
قبلها على وجنتها قائلا بحب
صباح الخير يا كوكو
أفتر ثغر كريمة عن إبتسامة واسعة من اللفظ التحببى الذى يناديها به ولدها دائما فهتفت پغضب مصطنع
أنا مش بكلمك على فكرة
إبتعد عنها قليلا ليتيح لها الاستدارة إليه فسكنت حركاته يتطلع إليها بصمت خشيت هى أن يأخذ حديثها على محمل الجد فهذا عيبه الوحيد لايحب المزاح
فرد قائلا بهدوء
ليه يا أمى عملت إيه
سحبته من كف يده تجلسه على مقعده ومازال رافعا وجهه لها فى إنتظار أن تجيبه على ما سألها إياه وضعت له من الطعام بطبقه الخاص وهى باسمة
أنا بهزر معاك بس زعلت أنك رجعت متأخر أمبارح وكل يوم على كده
حملق بطبقه قائلا بصوت خاڤت
إنتى عارفة أتأخرت ليه يا أمى
جلست كريمة على مقعدها وأعتلت ملامح وجهها الحزن على ما أصاب ولدها منذ ذلك الحاډث المرير فمدت يده تربت على يده التى يكورها حتى برزت عروقه الزرقاء بها فدمدمت بحنان قائلة
حبيبى كفاية بقى ټعذب نفسك لحد كده اللى حصل حصل ودى إرادة ربنا ملناش يد فيها
وضع إحدى يديه أسفل ذقنه يحاول جاهدا أن يخرج صوته طبيعيا بدون تلك الغصة العالقة به فتمتم قائلا
ونعم بالله يا أمى أنا مش معترض على أمر ربنا بس مش هسيب اللى حرمنى من إبنى فى حاله لازم ياخد جزاءه الله أعلم إتسبب فى ضرر لمين تانى بطيشه وإستهتاره
داهمته ذكريات الحاډث دفعة واحدة فترك مكانه فهو لم يستطيع وضع أى شئ من الطعام بفمه فنهض تاركا مقعده قائلا
سلام يا أمى انا رايح الشركة ورايا شغل كتير
حدقت كريمة بأثره بحزن جم فمنذ أكثر من عام تقريبا ووقوع ذلك الحاډث المرير الذى أفضى بخسارتها لحفيدها وخسارة ولدها لإبنه وهو أصبح هكذا شخص عصبى المزاج لا يحتمل أن يذكره أحد بما حدث لايشغل عقله سوى العثور على من فعل به ذلك
وصل إلى مقر عمله وجد محاميه الخاص بإنتظاره فهب واقفا إحتراما له فأشار إليه بالجلوس ليبدأ فى إخباره تلك المعلومات التى عثر عليها
وضع المحامى الملف من يده أمامه قائلا
دى كل المعلومات عن الولد اللى لقيته إسمه رامز طلعت الزينى
حك جبهته بتفكير قائلا
طلعت الزينى صاحب مصنع الزينى للحديد والصلب
أومأ المحامى برأسه إيجابا قائلا
أيوة هو حضرتك ده إبنه الصغير عيل فاسد مبيعملش حاجة غير إنه يصرف فلوس أبوه والصراحة أبوه بېخاف عليه أوى ولو عرف اللى حضرتك ناوى عليه الدنيا هتقوم حريقة بينك وبينه
رد قائلا بعدم إكتراث
إبن طلعت الزينى ولا إبن طلعت حرب حتى غلط يبقى لازم يتعاقب وياخد جزاءه أنا مش هنسى اللى أتعمل فيا وأبنى اللى راح منى قدام عينى بسبب قلة ضميرهم والواد التانى معرفتش توصله
حرك المحامى رأسه نفيا
لاء معرفتش هو مين بس ممكن حضرتك تعرف من اللى إسمه رامز ده لأنه أكيد مش هيبقى حابب يشيل الليلة كلها لوحده وأكيد هيعترف على شريكه
لم يمهل نفسه دقيقة أخرى فخرج من مكتبه يستقل سيارته ينطلق بها حتى وصل إلى مقر شركة طلعت الزينى وهو يعلم أن اليوم سيشهد على الكثير
على صعيد آخر فى أحد ضواحى مدينة القاهرة وخاصة بمنطقة المعادى وفى منزل هادىء يخيم عليه الحب والمودة بين أفراده وقفت الأم وتدعى زينب إمرأة جميلة حنون فى منتصف الأربعينات من عمرها أمام الموقد تتابع تحضير طعام الإفطار لأسرتها فبعد إنتهاءها من سكب القهوة بالقدح الخاص بزوجها حملتها للخارج تضعها على المائدة رفعت رأسها تحدق بباب غرفة إبنتها فأومأت برأسها بيأس فتلك الفتاة لا تستيقظ من نومها إلا إذا ألح عليها أحد بالاستيقاظ فولجت للغرفة أقتربت من النافذة تزيح ستائرها جانبا قائلة بصوت حنون يشوبه بعض الصرامة
تالين اصحى بقى يا حبيبتى كفياكى نوم قومى بقى
تململت تلك الفتاة ذات الواحد والعشرون ربيعا بنومها فسحبت الوسادة تضعها على رأسها تغمغم بصوت ناعس
خمس دقايق بس ياماما وهقوم خمس دقايق بس يا حبيبتى
أقتربت زينب من إبنتها وسحبت الوسادة الموضوعة على رأسها قائلة بحنو بالغ
يلا يا حبيبتى بلاش كسل هتتاخرى على جامعتك يا قلبى
إنصاعت تالين لصوت والداتها الرقيق فهتفت قائلة بطاعة
حاضر هقوم أهو يا ماما
مسدت زينب على رأس تالين قائلة
يلا بسرعة الفطار جاهز ومتعمليش زى كل يوم تنزلى من غير فطار
تمطت تالين بكسل قائلة
حاضر يا زوزو هقوم أهو وهاكل قبل ما أنزل
تركت تلك الحسناء فراشها وولجت للمرحاض وخرج أدت صلاتها وأرتدت ثيابها ووضعت حجابها الذى أبرز جمال وإستدارة وجهها تتهيأ لذهابها إلى الجامعة فهى طالبة بالسنة النهائية بكلية التربية خرجت من غرفتها تبتسم لوالداتها قائلة
صباح الخير على أحلى زوزو فى الدنيا
ردت زينب وهى تضع كوب الماء على المائدة قائلة بإبتسامة عريضة
صباح النور يا قلب زوزو أخيرا جهزتى نفسك علشان تروحى كليتك
نظرت تالين حولها فعاودت التحديق بوجه والداتها قائلة بإستفهام
هو بابا فين أوعى يكون راح الشغل قبل ما أشوفه
تبسمت زينب قائلة
بيلبس علشان يروح الشغل مټخافيش هو يقدر يروح الشغل قبل ما يشوفك
عاودت تالين سؤالها وهى تضع من الطعام الموضوع على المائدة بفمها قائلة
بسام بسلامته صحى ولا لسه نايم زى عوايده
زفرت زينب بقلة حيلة عند ذكر إسم ولدها قائلة
روحى صحيه يا تالين مش راضى يقوم
ولجت تالين غرفة شقيقها الذى يصغرها بثلاث سنوات فهو طالب بالسنة الأولى بكلية التجارة
أقتربت تالين من فراش شقيقها تصيح بصوتها قائلة
بسااااام اصحى يلا كفياك نوم
أنتفض بسام بعد سماع صوت صياح شقيقته فجلس بالفراش قائلا
إيه ده فى إيه بتصرخى كده ليه يا تالين ثم أنا مش عايز اقوم سبينى أنام بقى
عاد بسام يستلقى على الفراش فأقتربت منه تجذبه من ذراعه قائلة
بقولك قوم دا انت لسه اول سنة فى الكلية ومقضيها نوم
تأفف بسام قائلا
أنا فاشل يا ستى سبينى انام بقى
وكزته تالين بكتفه برقة قائلة بټهديد مصطنع
هتقوم ولا ادلق عليك مايه
إنصاع بسام لها بالاخير قائلا بتبرم
خلاص قايم ياقمر انتى ايه الصباح العسل ده أختى قمر يا ناس
رفعت تالين إحدى حاجبيها لمعرفة سبب تملق شقيقها لها فهتفت به قائلة
إممم مش مرتحالك عايز ايه
إزدادت إبتسامة بسام إتساعا قائلا
ولا حاجة يا قلبى
أومأت تالين برأسها قائلة
قلبك يبقى كده عايز فلوس
رد بسام مشاغبا إياها
اوعى تفهمينى صح يا أختى يا حبيبتى
وضعت تالين يدها بخصرها قائلة
عيب دا اللى ربى خير من اللى اشترى
قرص بسام إحدى وجنتيها قائلا بإبتسامة
اللى ربى بتاع مربى
نفضت يده الموضوعة على وجنتها قائلة بجدية
بس ويلا بقى كفاية هزار على الصبح خلينا نلحق محاضراتنا
خرجت تالين من غرفة شقيقها ورأت والدها يخرج من غرفته هو الآخر فأقتربت منه بخطوات شبه راكضة حتى وصلت إليه تلقى عليه تحية الصباح فربت عليها بحنان قائلا
انا مش عارف لما تتجوزى مين هيصبح عليا الصباح العسل ده كل يوم
تبسمت تالين ضاحكة فهتفت قائلة
متخافش يا بابا هتلاقينى كل يوم جيالك اصبح عليك
مسد على رأسها يحدق بوجهها الحسن قائلا
بقى كده الواد مروان ياخد حبيبة قلبى منى خلاص
خرج بسام من غرفته قائلا بتفكه
اه متفكرنيش كل ما افتكر ان اختى القمر دى قربت تتجوز ببقى نفس أشرح مروان
زمت تالين شفتيها قائلة
تشرحه طب اعملها كده يا بسام
رد جلال قائلا
الصراحة احنا مش متخيلين البيت هيبقى من غيرك عامل ازاى يا حبيبتى بعد ما تتجوزى
حاولت زينب إنهاء جدلهم فهتفت بهم قائلة بصوتها الجميل
يلا بقى افطروا ومش كل شوية تتكلموا فى الموضوع ده
أقتربت تالين من والداتها تطوق كتفيها بمحبة قائلة
عايزة تسربينى انتى يا زوزو زى القطة
ربتت زينب على ذراع إبنتها الملتف حول كتفها قائلة بحب
أخص عليكى دا انتى بنتى حبيبتى
جلسوا جميعا لتناول وجبة الإفطار وبعد الإنتهاء نهضت تالين قائلة بعجالة
سلام بقى علشان الحق محاضراتى يلا يا بسام
أخذت شقيقها معها وخرجوا من المنزل وصلوا للجامعة فذهب بسام رأسا إلى كليته وذهبت تالين إلى كليتها وجدت صديقتها المقربة وهى فتاة تدعى سمر تنتظرها فهتفت بصوت جهورى قائلة
دا انتى مواعيدك زفت سيبانى كل ده لوحدى ماكنتى تتأخرى شوية كمان يا أختى
حاولت تالين صرف ڠضبها فتمتمت باسمة
جتلك اهو يا جميل روق بقى