رواية معتصم ج4
المحتويات
تقوى على عتابه لم تعد تريد هذا الوصل فقد كسر ما لا يمكن إصلاحه ..
عادت وعد لواقعها لتحمل إبنها لداخل غرفته تبدل ثيابه بصمت تحاول الإعتياد على حياة لا حياة فيها ...
بذات المكان والتوقيت بشقة محفوظ الأسمر إنتهزت عتاب فرصة غياب والدتها قسمت عن البيت ووجودها بمفردها لتدلف لغرفة نوم والديها ...
تركت بناتها لتتسلل نحو غرفة والديها مستغلة هذا الوقت بالخصوص فلن يزعجها أحد حتى وعد التى أصبحت لا تختلط بهم متيقنة بأنها لن تأتي وتكتشف الأمر ...
فتحت عتاب الخزانة الخاصة بوالديها لتخرج حقيبة الأوراق الكبيرة الخاصة بهم تلك الحقيبة التى تمتلئ بكل ما يخص العائلة بأكملها من أوراق ومستندات تخص والدها محفوظ الذى لا يجرؤ أحدهم على إمتلاك ورقة واحدة منهم بل كان له كل السيطرة للإستحواذ حتى على الأوراق ...
طلت بوجهها الطويل وشفتيها المضمومتان تنظر نحو باب الغرفة بتشدق الإطمئنان بأن الوضع هادئ تماما لتضع الحقيبة فوق الفراش لتفتحها وهى تعبث بمحتوياتها بتركيز شديد ...
لم تنتبه لهذا الذى وقف بباب الغرفة يحدق بها وهي منشغلة بالتقليب بين الأوراق لتنتفض بفزع حين نطق مفاجئا إياها ...
بتعملي إيه يا عتاب ....!!
إضطربت للغاية حتى كادت تشق الورقة التى تحملها بين يديها لنصفين من مفاجئتها لتبتلع ريقها الذى تحجر بحنجرتها وهي تطالعه ببعض الإضطراب قبل أن تهدأ نفسها قليلا مجيبة إياه ...
محب ...!!! خضتني ...
عقد ذراعيه أمام صدره ومازالت نظراته مثبتة عليها ليعيد سؤاله مرة أخرى ...
أيوه مقولتيش برضه ... بتعملي إيه عندك ...!
وضعت الأوراق عن يدها وهي تزم شفتيها بقوة ثم نهضت من جلستها لتدنو منه قائلة ...
تعالى حقولك ... عشان إنت لازم تفهم بدل ما يتاكل حقنا ... أنا وإنت أكتر إتنين مهمشين فى البيت ده ... وجه الوقت عشان ناخد حقنا بإيدينا ...
عقد حاجباه بدون فهم محاولا إستنباط عما تتحدث ...
قصدك إيه ...!!
لمعت عيناها بخبث وهي تستكمل بث سمومها بأفكار محب أيضا فعليه التعاون معها لإسترداد حقهم الذى على وشك الضياع ...
قصدي إن الفرصة جت لنا نرجع حقنا يا محب ... ولازم تحط إيدك في إيدي عشان نرجع اللي راح ...
رغم عدم إدراكه لما تنوي فعله إلا أنها أثارت فضوله ليسألها بتمعن في حديثها المبهم ...
إنت عاوزة تعملي إيه بالضبط ..
عاوزة .. ااا ....
قطعت حديثها حينما سمعت صوت والدتها تتحدث مع بناتها بالخارج لتسرع نحو الحقيبة تلملم ما بعثرته بعجالة ...
مش وقته مش وقته ... حبقى آجى لك اوضتك أفهمك إيه الحكاية وحنعمل إيه ... روح دلوقت عطل ماما لحد ما أشيل الأوراق دى مكانها ....
رفع كتفيه و اهدلهما بدون فهم ليخرج لوالدته التى عادت للتو من الخارج بينما أعادت عتاب كل شئ كما كان كما لو أنها لم تفعل شيئا ....
بيت النجار ...
نيران حامية تصارعت بنفس صباح منذ علمها بأمر خطبة هذا الطبيب لإبنة زكيه نيران إلتهمت أعصابها وقلبها المفعم بالسواد ...
إرتدت عبائتها السوداء المزينة بالنقوش الذهبية والتى أظهرت جسدها الممتلئ تلك العبائة التى طغت بسوادها على قلبها زينت ذراعيها السميكان بالمزيد من الحلي الذهبي فهي لابد وأن تكون بكامل بهائها وتأنقها ...
تعجبت راوية من رؤية والدتها تستعد للخروج لتتسائل بإندهاش ...
رايحه فين يامه ... !! ده إحنا لسه بدرى ...!!!
مصمصت صباح شفتيها بإزدراء وهي تطالعها بجانب عينيها قائلة بإستهزاء ...
يا برودك يا بنت فخري ... يعني مش عارفه أنا رايحه فين ...!!!! طبعا وإنت بيهمك إيه ... قاعدة زي البقرة تاكلي وتنامي ولا حاطه فى دماغك حاجة وسايباني أنا اۏلع فى نفسي ... قال على رأى المثل ... إيش على بال القرد من سواد وشه ... ...
زفرت راوية بضيق من إستهزاء والدتها بها ثم أردفت ...
ما كفاية بقى ټحرقي فى دمي ليل ونهار ... أنا ذنبي إيه ...!!!!
ذنبك ...!!! ذنبك إنك بايرة ... مش عارفة تجيبي لك عريس زى بنات الخدامة ...
أزاحت راوية وجهها بإمتعاض عن والدتها فقد إعتادت طريقتها القاسېة معها لم تعد تهتم أو تتأثر بما تقوله لها متبلدة المشاعر حتى الحزن ودموعه فارقا حياتها لتفضل اللامبالاة عن التأثر بحديثها المتهكم منها طوال الوقت ...
إستدارت عائدة نحو الشرفة عوضا عن بقائها مع والدتها التى تضغط عليها طيلة الوقت ...
رفعت صباح طرف عبائتها بغيظ لتخرج مغمغة ...
عيله باردة ... أبرد من ماية طوبة ...
خرجت من شقتها عاقدة العزم لإفساد أمر خطبة شجن مهما كلفها الأمر لتتخذ طريقها لتنفيذ ذلك ...
الفصل الثاني عشر
سويسرا الكوخ الجديد ..
مر وقت لا بأس به وقد حاول معتصم إشعال المدفأة لتنكسر برودة الطقس قليلا كما ساعدته كاتينا بصنع أحد المشروبات الدافئة لشعورهم بالبرد الشديد ...
حاول معتصم النوم لكنه لم يستطع لشعوره بإرتجاف أطرافه لينتظر أن تدفئ نيران المدفأة الأجواء من حولهم حتى يستطع النوم ...
هذا الشعور بالراحة والدفء الذى ينتظره ليغط بنوم هادئ كذلك كاتينا التى إنتظرت بالغرفة المجاورة لتلتمس بعض الراحة بعد ليلتهم المقلقة بسبب عهد لكنها ظلت تنتظر أن تدفئ المدفأة المحيط من حولهم ...
صباح الجزار ...
خرجت من بيتها تحت أنظار إبنتها راوية وهي تتابع تحركها نحو مقدمة الحي بخطواتها الثقيلة تتهادى بتحفز تجاه بيت عائلة سليمان ...
عائلة ميسورة الحال هادئة الطباع بخلاف عائلة النجار التى تتناثر مشاكلها داخل الحي تلك العائلة ليست معتادة على الصړاخ والسباب الذى تقوم به صباح ليتجنبوا تلك السيدة المٹيرة للمتاعب منذ زمن طويل ...
لكن رؤيتها ببابهم بهذا الصباح دب التوجس بقلوبهم لقدومها المقلق ...
فتحت والدة سليم الباب لمقابلة صباح بقلق خشية سبب وجودها ببيتهم بدون سابق دعوة فهي سيدة سليطة اللسان لكنها على الرغم من ذلك حاولت رسم وجه بشوش مرحب بها فهي ضيفة بنهاية الأمر ...
يا اهلا وسهلا يا ست أم فريد إتفضلي ...
إبتسمت صباح على غير العادة لتندهش المرأة لما تعرفه عنها من غطرسة ولسان سليط لتتحدث صباح بلطافة شديدة تثير الريبة ..
يزيد من فضلك يا حبيبتي ...
دلفت نحو الداخل تناظر أرجاء البيت من حولها بمقلتيها السوداوتين تطالع كل تفاصيله بأعين كاشفة لعورات البيت دون الغضض من بصرها نظرات متبجحة لإنسانة بعيدة عن الأخلاق والقيم ومراعاة حسن الأدب وغض البصر ...
إمتعض فمها بدونية من معيشتهم وأثاثهم الذى تراه لا يمت للثراء والذوق بلمحة حتى فهو لا يحتوي على ما هو ذهبي براق وألوان زاهية بل إعتمد على الألوان الباهتة الهادئة شئ مقزز لنفسها المشبعة بالهرج والذوق المفجع للأعين ...
جلستصباح تبدأ حديثها مباشرة لتنتهى مما جائت لأجله ثم تعود لبيتها الرائع كما تظن ...
شوفي يا حبيبتي ... أنا جاية لك فى خير ... جاية افطمك على إللي بيحصل بدل ما تتورطوا ... أنا جاية أنصحك وإنتوا أحرار بقى ...
خير يا ست أم فريد .....
لفلفت صباح عيناها أولا ثم أجابت والدة سليم بنبرة ودوده ...
أنا سمعت كلام كدة مش عارفه هو صح ولا غلط ... ويا ريت يكون غلط ... أصل إنتوا ناس طيبين ومالكومش فى السكك البطالة ...
حركت السيدة رأسها بدون فهم لمقصد صباح لكنها شعرت بأن هناك أمر هام للغاية بحديثها ...
قصدك إيه ... أنا مش فاهمة حاجة ...!!!
مصمصت صباح شفتيها بتأزم وهي توضح لها ...
أنا سمعت إن إبنك الداكتور .. عاوز يتجوز بنت اخو جوزى .. صح الكلام ...!!!
قضبت السيدة جبهتها بتعجب فمن أين لها معرفة ذلك فلم يتقدم لها بعد بشكل رسمي لتجيبها بترقب ..
مظبوط ... بس مين قالك ...!!
بعنجهية شديدة أعادت جذعها للخلف مستكملة بثقة كما لو أن لا شئ يخفى عليها ..
مش مهم مين قالي ... المهم أنا جايه أقولك إيه ...
أنصتت والدة سليم لها لتستطرد صباح..
البت دى وأختها وأمهم كمان .. أستغفر الله العظيم مشيهم بطال ... وكل يوم والتاني عامله معاهم مشكلة ... من كتر عمايلهم السودا ... إحنا ناس محترمين منقبلش كدة ... وأكيد يا أختى إنت سمعتي اللي بيحصل ...
فاهت السيدة بإيمائة كادت أن تصدق بها حديث صباح فربما هي محقة ...
أيوة فعلا إنتوا بينكم مشاكل على طول ... بس إزاى يا ست أم فريد .. دول أدب وأخلاق وجمال ما شاء الله ...
تسائلت بعدم إقناع بعد من حجة صباح لتجيبها رفيقتها على الفور مؤكدة حديثها ...
ما هو جمالهم ده إللي مخليهم يعملوا كدة ... ده جوزي وولادي كل يوم والتاني ظابطين البنات مع رجاله وحاجة أستغفر الله العظيم مقولكيش خليني ساكته ... ربنا يستر علي ولايانا
... دول يا حبيبتي مش بتوع نسب وفتح بيت ... ده إنت تبقى غلطانه ... وعموما براحتكم أنا جيت أخلص ذمتي من ربنا وأنصحكم لوجه الله ... وإنتوا أحرار ...
تفكرت السيدة لبعض الوقت فلابد أن زوجة عمهم تعلم ما لا يعلمه الأغراب عنهم لتردف برفض حتي لو أن الأمر بنفسها مازال به بعض الشك ...
لا وعلى إيه ... هي البنات إتعدمت يعنى ما أهم فى كل حته ... خلينا نبعد عن الشړ ونغني له ... كتر خيرك يا ست أم فريد ...
ها قد حققت مبتغاها لتنهض ببطء لحركتها الثقيلة قائله ..
طيب .. أقوم أنا بقى .. أنا قلت ثواب كدة لله أعرفكم أحسن رجلكم تيجي فى الخية وتحاسبوا على مشاريب إنتوا مشربتوهاش ... بالإذن ...
قالتها وهى تتجه صوب باب الشقة فكما دخلت خرجت وقد رسم فوق ثغرها بسمة خبيثة تعني إنتهاء الأمر فلن يجرؤ أحد على طلب مثل هذا مرة أخرى فبالتأكيد سيتداول الجميع الأمر وتصبح بنات زكيه غير صالحات للزواج لسمعتهم السيئة ...
عطارة النجار ...
إقتربت الظهيرة ليتوجه فخري كعادته للصلاة بالمسجد كما هو معتاد بكل صلاة رجل تقي لكنه مازال يدفع ثمن غلطة إرتكبها لطمعه توبة متأخرة أفضل من العيش بذنوب بقية العمر ...
فعل كل ما يمكنه للتقرب إلي الله والتصدق لكنه مازال لا يشعر بالسعادة هل كانت خطيئته جسيمة إلى هذا الحد لكنه تقبل ورضخ لحياته وإعتاد السلبية والإنزواء ومتابعة أعماله فى صمت ...
جلس مأمون بمكتب والده لحين عودته من أداء الصلاة بالمسجد وهو يتابع بعيناه السوداوتين حركة العمال بداخل المتجر بينما كانت عيناه تخترق وتتفحص سير العمل كان
يتحدث أيضا بذات التركيز بمكالمته الهاتفية فهو ذكي للغاية يستطيع أداء أكثر من مهمة بوقت واحد ...
لكنه حين لاحظ أخيه فريد قد حضر للتو حاول إنهاء المكالمة ليتفرغ لهذا المتجه صوبه بشكل تام ...
أيوة ... تمام ... خلاص إتفقنا ... حكلمك تاني أكيد ... النهارده حكلمك ... مع
متابعة القراءة