رواية معتصم ج4
المحتويات
...
أيوه ... الدكتور سليم إبن السيد سليمان ... ما إنت عارفاه ...
قالتها أم يوسف وهي تتباهى بعرضها المبهر لهذا الطبيب ميسور الحال لطلبه الزواج من إبنتها وتوسطها لمعرفة قبولها به لتلتهمزكيه سعادتها المفرطة بمعرفتها بهوية العريس لتظهر ثقلها ولا تقلل من قيمة بناتها لتردف ببعض الإتزان رغم موافقتها الشديدة لإتمام الأمر ...
عموما برضه يا أم يوسف مهما كان لازم نشور البنت ونشوف رأيها واللي فيه الخير يقدمه ربنا ... دول ونعم الناس يعنى ...
بإيمائة خفيفة عقبت رفيقتها ...
على خيرة الله ... شوفي رأيها إيه وبلغيني ... عشان أقول للدكتور يروح يتقدم لعمها فخري ...
بإذن الله ...
إنتظر الشاب إنتهاء حديثهم ليتدخل بهدوء ...
إتفضلي يا ست أم شجن ... أى طلبات تانية ...!!
أخرجت زكية بضع ورقات من محفظتها لتمد بها إليه ومازالت إشراقة وجهها تعبر عما تشعر به قائله ..
تشكر يا على ... خد حسابك ...
حملت أغراضها عائدة إلى البيت بمقابل البقالة وهي تلملم إبتسامتها السعيدة فأخيرا ستسعد بزواج إحدى إبنتيها حملها الثمين لسنوات قاسېة ...
لم تكن تدرى وهى تتعلق بسعادتها التى زارتها بعد عقود مرهقة مرت بها بأن هناك أعين تتقد حقدا وكراهية تتابعها سيرها وإبتسامتها دون أن تدرى ...
غمغمت صباح وهي تحدق بزكيه التى رأتها من شرفتها تقف بمحل البقالة بالمقابل ...
مالها فرحانة كدة ليه دي ....!
رفعت رأسها تجاه محل البقالة لتلتقط أول الخيط محدثة نفسها ...
هي أكيد الوليه دى قالت لها حاجة ولازمن أعرفها ...
دلفت صباح نحو الداخل تلف حول نفسها كفرخ الدجاج المتحير لا تدرى كيف تكتشف سر سعادة زكيه ...
وقت طويل لم تجد به فكرة سوى هذا الشاب الذى يعمل بمحل البقالة ليخبرها بما يعرفه سحبت هاتفها لتتصل به لتطلب طلبات عديدة كالمعتاد قبل أن تجلس بتلهف بإنتظار مجيئه بعد قليل ...
عبأ الشاب طلبات السيدة صباح فهي تنهره بقوة عندما يتأخر عنها بدقائق قليلة كان على يدق باب فخري النجار لتقابله صباح التى أكل الفضول و التلهف صبرها لمعرفة الأمر ...
أسرعت صباح تقابل الشاب لتحمل الطلبات من يديه وهي تمد يدها بنقود تفوق ثمن مشترواتها بكثير ...
خد يا على ...
خلى علينا يا ست أم فريد ...
نظر الشاب لهذا المبلغ المالي الكبير ليتهف بتوضيح ...
ده كدة كتير يا ست أم فريد ... إنت كدة ليك باقي كتير ...
رفعت كفها السميك ليهوى مصدرا ضجيج لتخبط أساورها الذهبية بعضهم ببعض تمنعه من إعادة النقود وهى تهمس كلأفعى بأعين لامعة ..
لأ ... خليهم عشانك ... بس قولي ... الوليه اللي إسمها أم يوسف دى كانت بتقول لزكيه إيه ...!!
لم يكن الأمر يحتاج لذكاء فائق لإدراكه لم أعطته المال ليجيبها على الفور بما سمعه فالأمر لا يعد سرا ولا به شئ مخجل وإلا كانوا أخفوه عنه فقد كانت أصواتهن واضحة للغاية ...
أبدا يا ست أم فريد ... دى كانت جايبه لبنتها عريس ...
شهقت صباح بقوة ليعلو صوتها الغليظ والذى إنتبهت له راوية التى خرجت من غرفتها للتو ضړبت صباح صدرها بكفها لتزيد الأمر إندهاشا تخوف له الشاب ...
عريس ...!!!!!
نكست راوية عيناها بتحسر بينما أكمل الشاب بالمزيد من المعلومات ليكسب رضاها ...
أيوة يا ست أم فريد عريس ... دى حتى بتقول إنه دكتور ...
ظن أنه بهذا الأمر سيخبرها بأمر مفرح يستحق عليه المكافأة لكن صباح مدت كفها لتقبض مرفقه بينه بقوة تحدثه بنبرة حادة إهتز لها الشاب للغاية ...
دكتور ...دكتور مين ده ... إنطق ... قول أوام مين هو ...!
إحساس بالإرتباك جعل نبرته تهتز تخوفا من صباح حين إتسعت عيناها المخططتان بالكحل الأسود ببريق مخيف زاد من وهج بشرتها السمراء لتزداد قتامة أجابها بنبرة متلعثمة محاولا التحرر من قبضتها المتمسكة بمرفقه فيبدو أنه أخطأ بإخبارها بالأمر ...
الدكتور ااا .... سليم سليمان ... إبن الحاج سيد سليمان ...
بمجرد نطقه بالإسم وإنتهاء حاجتها له حررت صباح ذراعه من بين كفها ليسرع بخطوات متعثرة مبتعدا حتى لا تسأله عن أى شئ آخر فيما أردف بإضطراب ...
لا مؤاخذة يا ست أم فريد ...أصل ااا ... سايب المحل لوحده ..
إختفى طيفه بلحظات فيم إستدارت صباح نحو الداخل لتبدأ تنفيس ڠضبها بأول وجه تقابله راوية بالطبع ...
بقى بت زكيه يجي لها عريس دكتور ... وإنت زى الكبة خيبة قاعدة لي كدة ..!!!!
تهدج صدر راوية بحنق فما ذنبها هي بزواج بنت عمها من طبيب وما ذنبها أن الخطاب لا يخطون بابهم كبنات عمها ...
وأنا مالي ..!!!!!!!
بدأت صباح سلسلة من التوبيخ المعتاد والسباب بدون داعي أمر يجعلها تزداد حنقا وكرها لبنات عمها ...
مالك ...!!! مالك يا بايرة يا ... يا ... شوفي بيعملوا إيه عشان يجيبوا رجلين الرجالة دول ... لكن إنت حتفضلي قاعدة لي كدة ...ولا حتتجوزى ولا حتغوري من وشي ... بس على مين ... مبقاش صباح لو خليت الجوازة دى تتم .. طول ما إنت قاعدة لي كدة ... هم كمان لازمن يفضلوا قاعدين لأمهم ... ولا واحدة فيهم حتخطي عتبة جديدة ...
توعد وترصد تقدر عليه بالفعل كان رد فعلها عن هذا الأمر الذى لن تاركه يمر مرور الكرام فلن تتزوج إحداهن قبل أن تتزوج راوية والتى لا يقدم أحدهم على طلبها مطلقا ليكتب عليهن نفس مصيرها بالإكراه ...
شقة فريد النجار ...
التذمر الدائم هو ما يوصف به تلك المرأة النحيلة التى تعد نفسها أذكى وأرقى من تلك العائلة حتى مع إمتلاكهم المال الذى لا تمتلكه عائلتها ..
نفخت حنين بتذمر وضيق من زوجها محدود الذكاء والذى لا يساعدها مطلقا للوصول لمبتغاها وما تحلم به ثم رمقته بسوداوتيها بتقزز ...
يعني وأخرتها معاك ... لحد إمتى حفضل أفهم فيك وإنت البعيد مبتفهمش ...!!!
طأطأ فريد رأسه بخنوع وقلة حيلة ..
ما هو يا نونه أبويا كل ما آجى أقرب منه يصدني ومعرفش أخد معاه لا حق ولا باطل زى ما يكون مش طايقني .. خصوصا ومأمون موجود معاه ...
لوت فمها الممتعض طيلة الوقت وهى تقضم شفتها السفلية بحركة عصبية قائله ساخرة من فريد ...
إذا كنت أنا مراتك أهو ومش طايقاك ... المهم ... المشكلة فى أخوك اللي إسمه مأمون ده ... بنى آدم مش سهل ...
بقلق بالغ أوضح فريد تخوفه من معرفة مأمون بما يقوم به فى الخفاء ...
ده أنا قلبي وقع فى رجليا لما كان بيتكلم معايا إمبارح ... كنت فاكر إنه عارف بعمل إيه ...
ضړبت حنين كفيها بعضهم ببعض أهو ساذج أم غبي .. لأنه لا يمكن أن يكون صادق صافي القلب لتردف بإنفعال من غبائه الذى لا تتحمله لأكثر من ذلك ...
فاكر ...!! إنت متخيل إن مأمون ميعرفش إنت بتعمل إيه ... إنت غبي أوى كدة ...!
ثم إعتدلت لتتوهج عيناها الماكرة وهي تبث به سمومها ...
ده أخوك ده مصېبة من مصايب الزمن ... ده مفيش حاجة ميعرفهاش ... ومش بعيد يكون وقعك فى الكلام بجد عشان يثبتها عليك وتفضل مرمي فى مكانك فى المخازن ...
لم يبالي بطريقتها التى تدنى منه وتقلل من شأنه ولا من تطاولها عليه بل كان إهتمامه منصب فقط على كيفية التصرف بهذا الأمر ...
طب والعمل يا حنين ..!!
طرفت بعيناها لوهلة بغرور وهى تجيبه بدهاء ...
مش عارفه من غيري كنت حتعمل إيه ... اللي المفروض تعمله دلوقت هو إنك تخلي أبوك يشك فى مأمون عشان يبعده عن الوكالة وېخاف يملكه على الفلوس ...
إتسعت عينا فريد بإنبهار قائلا بترقب ...
إزاى ...!!
ضحكت حنين بتهكم ضحكتها القصيرة قبل أن تستكمل حديثها ...
المفروض تعرف مأمون مسافر إمتى يستلم بضاعة ووقتها تفهم أبوك إنك الكميات اللي وصلت أقل من الحقيقة ... ساعتها أبوك حيشك إن مأمون بيلعب فى الكميات وبياخد فلوس لحسابه ... ووقتها بقى واحدة واحدة تدخل لأبوك وتاخد مكانه ...
فهمت ..
قالها فريد بحماس وعليه التنفيذ فى الحال لمعرفة متى سيسافر مأمون لبدء خطته ...
غمغمت حنين بنبرة خفيضة للغاية بسخط ..
يا ريت تكون فهمت ... هو إنت بتفهم اصلا .. ده ناقص آجى أتكلم بدالك ... مش كفاية عليا أمك وأختك .. عيلة ما يعلم بيها إلا ربنا ...
سويسرا ...
لم يعد شعور الإستغراب يهيم بالنفوس فقد أصبح كل شيء متوقع لمحة عين إختلفت بها الأوضاع فصاحب البيت أصبح هاربا والمعټدي أصبح مالكا ...
وسط تلك الأجواء التى تبعت هذا الطقس العاصف برودة قارسة وسحب كثيفة تغطي السماء أمطار مازالت تتفاوت شدتها رياح تتنقل بين الأشجار التى إبتلت من الأمطار ...
أجواء تبعث بالضيق والكآبة خاصة وهما بوسطها دون ملجأ أو حامي منها ...
كانت كاتينا هي المرشدة الآن بعد خروجهم المتسلل من الكوخ للهروب من تلك المتوحشة المچنونة سارت كاتينا متقدمة معتصم لإرشاده نحو بيت قديم يملكه والديها لا يبعد كثيرا عن طريق الكوخ ...
وسط طريق يخترق الغابة والأشجار الكثيفة التى تحجب الرؤية بشكل واضح إتخذا طريقهم للشمال
بعد سير لوقت لا بأس به بهذه الطرقات الغير ممهدة بفعل العاصفة وقفت كاتينا تشير إلى أحد الإتجاهات لتخبر معتصم بإرهاق ...
ها هو ماوصي ... إنه الكوخ خاصتنا ...
وقف معتصم يستقيم بهامته حاملا حقيبته فوق ظهره ليضغط جبهته متطلعا بتمعن بذات الإتجاه الذى تأشر إليه كاتينا ...
من بين فروع الأشجار الكثيفة ترائى له كوخ قديم لا يمكن رؤيته بشكل واضح لتنبسط ملامح وجهه المتجهمة ببسمة ضعيفة للغاية ليردف معقبا ...
إنه كوخ بالفعل ...
تطلعت كاتينا بوجهه المستريح حينما إستطرد قائلا ...
أظن أنه من المستحيل أن تصل عهد إلينا ها هنا ... لقد وصلنا نحن بأعجوبة ...
إتسعت بسمتها التى تدل على إنتصارها على تلك المتطفلة ..
بالطبع ماوصي ... لن تستطيع الوصول إلينا مهما حاولت .. مكان الكوخ هنا مختبئ لدرجة كبيرة لا يمكن أن يأتي إليه أحد إلا من يعرف مكانه بالتحديد مسبقا ...
أومأ معتصم بخفة وهو يتقدم بخطواته تجاه الكوخ لتتبعه كاتينا ...
كان كوخا عاديا للغاية لا يشبه الكوخ الذى كانا يقيمان به فيبدو أنه قديم للغاية مدت كاتينا ذراعها القصير لتصل بصعوبة لأحد المصابيح تسحب المفتاح من فوقه لتشعر بالزهو لتحصلها عليه ...
إتجهت نحو الباب الموصد لتفتحه بالمفتاح قبل أن يدلفا نحو الداخل
...
إجتاح جسديهما شعور بالبرودة فالكوخ صامت هادئ بشكل كبير بعكس كوخهما الدافئ حتى المدفأة المطفأة هي من النوع القديم الذى يحتاج للأخشاب لإشعالها للشعور بالدفء ...
لم تكن الأجواء بالخارج أقل برودة لكن يأمل المرء عندما يخطو داخل البيت بالشعور بالدفء والأمان فهو مفهوم يغرس بالنفس
متابعة القراءة