رواية الحب من 19-23
وكل شيء عنده بأجل مسمى
همست آسيا بحزن و قد ازداد بكائها وتعالت شهقاتها الحادة التي تمزق صدرها
_ و نعم بالله
خرجت جنة من المطبخ و بيدها صينية صغيرة فضية عليها قدح قهوة مزخرف بنقوش كلاسيكية راقية . ما إن وصلت إلى الردهة و همت بالصعود إلى الطابق العلوي حتى تجمدت محلها ذاهلة و ارتجفت يداها بقوة فأهتز القدح و سكب بعض من محتواه على الصينية . رمشت بأهدابها مرات متتالية تتأكد من وجود عدي بالفعل أمامها والذي انتبه إليها و ظهرت الدهشة على ملامحه ايضا ثم قال
_ جنة ازيك
نظرت إليه بعينين يغمرهما الحزن تتأمل حالته التي لم تفهم بعد كيف وصل لها
بينما هي كذلك داهمتها ذكريات من الماضي تجمعهما سويا واصداء جمل بسيطة لازالت تردد بأذنها بصوته تفاقم حزنها و ألم لم يندمل حتى الآن .
رغم كل ذلك تقدمت منه بخطى هادئة تحاول لملمة شتات مشاعرها الثائرة حتى وقفت أمامه مباشرة هزت رأسها بهدوء قبل أن تجيب بصوت ثابت لم تظهر به أي من انفعالاتها
_ كويسة الف سلامة عليك
خفض بصره نحو قدميه بحسرة و مرر يده على ركبتيه ثم قال
الله يسلمك
كادت أن تستأذن منه وتنصرف إلا أنه سأل مستفهما
_ أنتي تعرفي آسيا
اومأت برأسها فقط دون أن توضح له ما علاقتها بها فحاول هو تخفيف حدة الأجواء والڠضب الخفي بعينيها و لم ترد هي البوح به قائلا
_ أنا اخو قاسم
صكت أسنانها پغضب واضح لم تقدر علي كبحه أكثر من ذلك إذا هو سبب اڼتقام قاسم من رفيقتها أقتربت من الطاولة تضع عليها الصينية بحدة حتى أنها اصدرت ضجيج و سقط القدح مفرغا كامل محتواه .
عادت تقف أمامه من جديد تتحدث بعصبية لم تستطع لجمها
_ أنت سبب كل اللي حصل ! خليت اخوك ينتقم منها و هي معملتش فيك أي حاجة عرضتها لڤضيحة كل الناس كانت بتتكلم عنها ! لولا ذكائها كان زمان محدش سابها في حالها
رفع يديه يشير لها أن تهدأ ثم هتف حتي يجعلها تستمع إليه رغما عنها
_ اهدي يا جنة ارجوكي و اسمعي اللي حصل سوء تفاهم
ضحكت باستهزاء ثم نفت برأسها قائلة بحدة
_ لا اللي حصل سوء استخدام للعقل
التفتت لتغادر الردهة لتجد قاسم يقف أمامها متعجبا من حديثها الحاد مع شقيقه رمقته باستحقار وصعدت الدرج پغضب .
حينها توجه قاسم نحو شقيقه يجلس علي المقعد المجاور له متسائلا
_ هو أنت تعرف جنة منين
زفر عدي بضيق و أجاب بهدوء
_ موضوع قديم
ابتسم قاسم بتهكم و أعاد ظهره إلى الخلف قائلا بسخرية
_ طبعا مواضعيك كتير بس محدش يعرف عنها حاجة
وجد الندم بعينيه واضحا فاستأنف حديثه متسائلا
_ و اية بقي موضوع جنة
تنهد بقوة و مرر يده على وجهه پغضب وسط نظرات شقيقه الثاقبة عليه و كأن عينيه تعري روحه مما قد يشعر به من ندم و ڠضب داخلي من نفسه ثم بدأ يسرد له تفاصيل تعارفه بجنة
_ قابلتها في الچيم و كنت معجب بيها و لما شوفتها في عروض ليها زاد إعجابي بيها و حسيت انها هي كمان معجبة كلمتها و اتعرفت عليها و اخدنا ارقام بعض فضلنا فترة نتكلم و خرجنا كذا مرة و روحت لها كام عرض
صمت هنيهة وابتلع ريقه يرطب حلقه الجاف ثم أردف
_ بعدين لقيت الانبهار بدأ يختفي و حسيت انها بقت بالنسبة لي عادية جدا .. بعدت عنها يومين كدا يمكن إحساسي غلط و لما هي اللي كلمتنا تسأل عن غيابي عنها قولتلها ان خلاص قررت ابعد و ان علاقتنا كانت غلط من الاول
رفع عدي رأسه حيث الدرج التي صعدته ثم ردد مجددا
_ الغريب ان وقتها كانت هادية بشكل خلاني ندمت اني قولتلها كدا بعدت بكل بساطة من غير حتى ما تسأل اية غير شعوري ناحيتها
زفر قاسم پغضب و لكم يد المقعد بقوة قائلا
_ أنا مش عارف اقولك اية
هز رأسه بهدوء كأنه يبلغه بصمت أنه يعلم ما يريد قوله عاد بمقعده المتحرك إلى الخلف قليلا ثم تحدث بصوت خاڤت
_ تعرف ان بعدها ندمت جدا و حاولت اكلمها بس هي اللي رفضت انها تكلمني او تقابلني
تحدث قاسم بحدة بعدما وقف عن المقعد
_ حقها .. طالما مش متأكد من مشاعرك تعلقها بيك لية من الاول و بعدين تسيبها
أغمض عدي عينيه يضغط على جفنيه بقوة يشعر بالندم يفتك به أكثر من ذي قبل ثم سأل
_ زي ما خليتك تعمل مش كدا
تهرب قاسم من الحديث عن هذا هم بصعود الدرج قائلا
_ هشوف ماما عشان نمشي
ابتسم ابتسامة باهتة يعلم بتهرب قاسم من الحديث عن خطأ فادح قد ارتكبه بحق آسيا حتى لا تسوء حالته النفسية كما أخبره الطبيب .
_ خالتي بالله عليكي حاولي تقنعينها
قالها آدم الذي يقف أمام باب شقة السيدة سوزان يرجو خالته أن تحاول اقناعها بزواجه من رقية دون وجود والدته ابتسمت له خالته بحب و ربتت علي كتفه برفق حتي يطمئن قائلة
_ متخافش يا حبيبي دي سوزان دي طيبة و قلبها ابيض
رن جرس الباب و انتظر حتى يفتح الباب لحظات قليلة وفتحت السيدة سوزان الباب و استقبلتهما بترحاب وابتسامة واسعة
_ أهلا يا أهلا ازيك يا ميرفت عاملة اية يا حبيبتي
دلفت السيدة ميرفت إلى الداخل بهدوء ثم أجابت مبتسمة
_ الحمد لله بخير يا سوزي
دلف آدم خلفها بعد أن ألقى التحية على السيدة سوزان والتي بحثت بعينيها عن والدته امتعض وجهها حين لم تجدها معهما الا انها أغلقت الباب بهدوء و لم يصدر عنها أي رد فعل يظهر ضيقها .
تنحنحت السيدة ميرفت قبل ان تسأل
_ اومال فين رقية
ارتفع صوت السيدة سوزان و هي تنادي على رقية تخرج في نبرتها كل ما يعتمل بداخلها من ضيق .
خرجت رقية على اثر صوت عمتها من الغرفة و توجهت نحو المطبخ تأخذ صينية الضيافة عن الطاولة ثم تحركت نحو الردهة بخطى هادئة .
وضعت الصينية على الطاولة و اقتربت تحيي السيدة ميرفت التي تكن لها قدر كبير من الحب و الاحترام ثم جلست إلى جوارها .
حمحم آدم ينبه خالته أن تتحدث أومأت إليه ونظرت نحو السيدة سوزان متحدثة
_ بصي يا سوزي انا جاية النهاردة أطلب ايد رقية لابني آدم
تنهد السيدة سوزان بقوة لمع الحزن بعينيها و هي تري العبرات العالقة بأهداب إبنة اخيها و تحدثت بجدية
_ انتي عارفة يا ميرفت انك غالية عليا اوي و مرفضلكيش طلب بس من غير وجود سحر و موافقتها مش هقدر اوافق على آدم انتي شوفتي اللي حصل المرة اللي فاتت و انا مش هسمح لاختك تعمل في رقية اي حاجة تاني
تحدثت السيدة ميرفت مشيرة نحو آدم
_ آدم شاريها و بيحبها و انتي عارفة كدا كويس و مش هيسمح ان اي حاجة تحصل تزعلها
رفعت الاخري يدها باعتراض مقاطعة اياها عن الحديث
_ معلش يعني يا ميرفت بس هو سمح مرة قبل كدا و مش عايزة اقولك كان أثرها اية على رقية و امها اللي تعبت بعدها و دخلت المستشفى
و حين أنتهت من حديثها مالت نحو الأمام تأخذ كوب من العصير تمده إلى السيدة ميرفت ثم قالت مبتسمة
_ خلينا ناخد قاعدتنا مع بعض و كأنها زيارة عادية انتي منوراني
و حين وجد آدم ان لا سبيل من موافقة عمتها تحدث سريعا
_ أنا هبعد رقية عن امي تماما صدقيني و مش هسمح بأي حاجة تأذيها
نفت السيدة سوزان برأسها غير راضية عن حديثه ثم قالت
_ شرطي الوحيد أن سحر تيجي تتقدملها يا آدم و دا محصلش يبقي كل شيء قسمة و نصيب
استمعوا إلى طرقات على باب الشقة استأذنت رقية وقفت تفتح الباب و ظهرت الصدمة جلية علي وجهها حين وجدت والدة آدم تقف أمامها تنظر إليها بهدوء لذا همست بذهول
_ طنط سحر !!
لم تتبدل ملامح السيدة سحر بل ظلت تحدق برقية و عينيها الباكية و قالت
_ اية مش هتستقبليني و لا اية يا رقية
أزاحت رقية نفسها عن صد الباب و افسحت المجال إليها حتى تدخل تفاجأ الجميع من وجودها و وقفت السيدة سوزان متحفزة لصد اي هجوم قد تفعله لكنها أذهلت الجميع حين ابتسمت و صافحت السيد سوزان ثم نظرت إلى شقيقتها و قالت معاتبة
_ كدا بردو تيجي مع آدم يخطب لوحدك
ابتهج وجه السيدة ميرفت و ربتت علي الأريكة في دعوة صامتة بالجلوس إلى جوارها ثم تحدثت مشيرة نحو السيدة سوزان
_ كويس انك جيتي يا غالية الست سوزي منشفة ريقنا و مكنتش راضية بأي حاجة غير وجودك
نظرت السيد سحر إلى آدم الذي لم يستوعب بعد أن والدته استسلمت و جاءت لكي تطلب له يد رقية ابتسم باغتباط و همس شاكرا والدته بأمتنان .
التفتت السيدة سحر نحو رقية ثم تحدثت معتذرة
_ أنا أسفة جدا يا رقية على كل اللي حصل
تنهدت بقوة و التفتت برأسها إلى السيدة سوزان قائلة بجدية
_ دلوقتي يا سوزان أنا جاية اطلب ايد رقية لابني آدم على سنة الله و رسوله و بكل رضا و الله
خرجت تنهيدة ارتياح في ذات الوقت من كلا من رقية و آدم ثم نظرا إلى بعضهم البعض و ابتسما .
نظرت عمتها بينهما ثم ضحكت بسعادة قائلة
_ يبقي أنا موافقة و نقرأ فاتحة دلوقتي كمان
اتم الجميع قراءة سورة الفاتحة و انطلقت الزغاريد من عمتها بفرحة عارمة غمرتها و تبادلوا التهاني مقررين إنهاء الحديث بتفاصيل الزيجة الآن
وصل قاسم إلى قسم الشرطة و توجه مباشرة إلى مكتب صديقه عمرو الذي استقبلته بحبور يبلغه أنه قد حدث ما اراد و تم إلقاء القبض على طارق و شركائه . ابتهج قاسم و شعر بالسعادة تتفاقم داخل صدره مرر يده علي فخذيه بحماس قبل أن يسأل عن التفاصيل . أخذ عمرو ملف أسود عن المكتب و قدمه إلى قاسم قائلا
_ اللي حصل يا سيدي ان الكاميرات جابت مكالمة فيديو بين ناجي و طارق بيتفقوا علي الفلوس اللي هيدهاله لو بعتله فيديوهات الناس اللي بياخد أعضائهم بكل التفاصيل في فيديو تاني و هما بيتكلموا فيديو كول و المړيض حافظ الفيديو عنده على اللابتوب و الشحنة اللي كانت في المينا و انت وقفتها الكونتينر كان جوا ناس متخدرة رايح يتعمل عليها لايفات تتباع بملايين و واحد من شركائه اعترف بالكلام دا تخيل المړيض جايب ناس يقطعها عشان مزاجه هو و الصحبة الكريمة
_ آه .. أخيرا
قالها قاسم بعد تنهيدة حارة من أعماق قلبه يعود برأسه إلى الخلف ضحك عمرو بخفة وضړب بيده على سطح المكتب قائلا
_ انت لو شوفت وشه بعد اعتراف شريكه ان الكوو عرف اننا شوفنا الفيديوهات اللي على اللابتوب بتاعه كنت حاسس انه هيتجلط
ضحك قاسم بصخب متخيلا هلع طارق و خوفه مما سيحل به بعد كشفه . تنهد حامدا الله ثم الټفت إلى عمرو من جديد متسائلا
_ متعرفش حاجة عن قضية أسيل التهامي
هز عمرو رأسه و أجاب بهدوء
_ ايوة جابه أمير اللي جوزها قال انه كان خاطڤها و انكر كل الاټهامات و أنه ميعرفش حاجة عن القتيلة من زمان خرج بس الوقتي تحت المراقبة و كمان هيشوفوا إشارة تليفونه لقط في نفس المكان و لا لا
وقف قاسم عن المقعد يرتب من هيئة ثيابه ثم تحدث بجدية
_ طيب انا هروح مكتبي و أي جديد بلغني بيه
دقت الساعة العاشرة مساء و آسيا لم تخرج من غرفتها لم تمس الطعام و لم تسمح بتواجد صديقتها معاها . منذ أن غادرت السيدة أمل و هي تمسك بالحاسوب المحمول فقد وصتها أن تستمع إلى بعض المقاطع الدينية المصورة لبعض علماء الدين أخذها الفضول لسماع ما ترويه تلك السيدة و منذ ساعات و هي تنتقل من مقطع مصور إلى آخر حيث كان عقلها مغيب عن بعض الحقائق و تناولت المقاطع موضوعات عديدة مثل الجنة والڼار الحساب التوبة المغفرة و يوم القيامة .
و مع كل مقطع تزداد دموعها و تهمس بالاستغفار ثم تردد في أذنها صوت قاسم حين قال
_ انتي في غفلة و الله
اليوم ايقنت أنها كانت في غفلة بالفعل كانت تتعرى أمام الجميع تنشر صور فوتوغرافيه لها على مواقع التواصل بشكل منفر . اغلقت الحاسوب ووضعته على وحدة الادراج ثم توجهت نحو المرحاض تنوي الوضوء .
حين خرجت من المرحاض ارتدت اكثر الاشياء احتشاما و ألقت حجاب ابيض صغير على رأسها ارتجف قلبها في مهابة حين وقفت بمنتصف الغرفة تريد اداء الفريضة كانت تشعر بالتيه و الضياع سيطرت الرهبة علي ملامحها التي بهتت پخوف .
رفعت يديها إلى جوار رأسها تهمس بصوت مرتجف
_ الله اكبر
اتبعت ما شاهدت في المقاطع عن الصلاة الصحيحة حتى سجدت لله وحينها اڼفجرت في بكاء مرير بصوت مرتفع و في حالة من الإنهيار التام أخرجت ما بداخلها من ألم في حديث خاڤت بينها و بين ربها .
خارج الغرفة كان السيد نجيب تود الاطمئنان على حفيدته و ما كاد ان يطرق الباب حتى استمع إلى صوت بكائها و شهقاتها المرتفعة و همست متلعثمة لا يقدر على فهمها طرق الباب عدة مرات ولكن لم يلقى اجابة منها ليضطر إلى فتح الباب وجدها تسجد بالارض تبكي و تهمس طالبة العفو و المغفرة من الله عز و جل .
ابتهج السيد نجيب و ظهرت السعادة طاغية علي ملامحه لم يراها يوما تصلي و لم تسمع إلى نصيحته لها قط و بتلقائية أغلق الباب عليها يستند على الباب هامسا بسعادة
_ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء
يتبع ...