رواية رحمة الفصول الاخيرة (11_14)
الفصل الحادي عشر
أنهت صابرين صلاتها وتحركت لتطوي المصلاة وتدعها في موضعها وتحركت لجلب طعام والدتها والدواء.. وبعد خمس دقائق كانت تضع ما بيدها على المائدة وبنبرة مرتفعة بعض الشيء يلا يا ماما الفطار جاهز..
أغمضت نعيمة عينها وحمدت القدير على عطاياه قبل أن تجيب تعالي يا صابرين محتاجة أتكلم معاكي..
قطعت الخطوات الفاصلة بين طاولة الطعام ومقعد والدتها لتجلس على تلك الأريكة المقابلة وباستغراب أيوه يا ماما..
وبعدين يا بنت بطني..
بعدين أيه بس..
حالك المتشقلب أنت وأختك كل وحدة فيكوا فاكرة أني عاجزة ومش هعرف و...
لم تدع والدتها تكمل وبفزع بعد الشړ عليك إحنا...
حركت رأسها بالرفض اقترن مع قولها شړ ايه يا بنت بطني لما كل وحدة فيكم وجهها يتلون في اليوم مية مرة وعينها تلمع زي النجوم وتتكسر زي الزجاج.. وانتظرت دقيقة تراقب تعبير وجه ابنتها التائه لتكمل القلوب ملهاش سلطان لكن سلطان العقل والدين ميغلطش يا بنت عبدالله ومتنسيش أنك في نظر الناس مطلقة لقمة ساهلة لأي حد عقلك في رأسك تعرفي خلاصك...
لأول مرة تشعر صابرين بتلك المهانة ليس اعتراضا على والدتها ولكن لأن الكلمات لمست وترا أخر قررت تركه منذ مدة لتنفرج شفتيها عدة مرات باحثة عن قول يذكر ولكن حروفها عقدة ول يمكنها فك العقد.. ليصدع صوت جرس البيت منتشلها من ذاك الموقف فتهرول لطارق..
توسطت شمس الظهيرة كبد السماء فكان الجو حارق للغاية وكأن بابا من أبواب جهنم فتح علي مصرعيه.. ارتفعت يدها بهدوء تزيل قطرات العرق وتتحرك لتنهي تبديل تلك الشراشف ولسانها يتمتم بحنق على تلك العائلة المجذوبة في كل شيء أب يجبر ابنه على البقاء وابن يصيح كالدجاج رفضا لمكوث والده وكلاهما يعتكف بالغرفة كالأطفال.. زفرت بحنق وقدمها تتعثر في السرير لتطلق صړخة مكتومة من الألم وتهمس اللعڼة.. وتتحرك صوب سلة الملابس وتضع بها الشراشف المتسخة وتحملها لتنظيف ومتمتمه بكلمات غير مفهومة.. لتدخل المطبخ وتضع السلة پعنف بجوار الغسالة وتبدأ بنقل ما فيها إلى الغسالة وقبل أن تضبط المؤشر صدع صوت حازم بالنداء فتحركت على مضض..
قبل دقائق كان حازم جالسا على مقعده المتحرك يريد الحديث معاها ول يعرف بماذا يبدأ ليظل على تلك الحالة من التردد فتحسمها حنجرتيه القرار وبنداء رحمة يا رحمة..
أيوه..
كنتي فين...
هكون فين يعني..
طب أعمليلي شاي..
مفيش غير حليب..
بنبرة هادرة من غيظه رحمة..
بابتسامة صفراء بلا رحمة بلا بتاع هتشرب حليب تمام مش هتشرب يبقي أحسن.. وتحركت قاصدة المطبخ ويدها تعبث بهاتفها للحصول على طريقة ما لصنع حساء الدجاج ولكن هاتفها نفذ شحنه لتغمض عينها محاولة جلب الهدوء وتذكر حديث اختها عن تصنيع الدجاج ولكن الذاكرة لا تستجيب لتجلس بضيق على مقعد مائدة المطبخ تراقب الفراغ.. قبل أن تشعر بنداء اسمها فتبتسم بهدوء ايوة يا باشا..
أكمل توفيق الضغط على زر كرسيه المتحرك وبمشاكسة قاصدها الجميل زعلان ليه..
رفعت إحدى حاجبيها باستنكار وردت بعملية تحب أعملك حاجة أستاذ توفيق..
لا.. بس لقيتك مدايقة قلت أتكلم معاكي شوية..
شكرا يا باشا عن إذنك أنا لازم أمشي والمستشفى هتبعت تمريض مكاني.. وقبل أن تتجاوز باب المطبخ للخروج.. تجمدت من قولة..
راقب تعابير وجهها جيدا ليخبرها حبتيه وخاېفه ول أنا كبرت وخرفت..
بدأ الاستنكار والذهول جليا على وجهها نعم..
تعالي نتكلم يمكن دي أخر مرة نتقابل فيها..
استجابت قدمها للحركة والعودة المقعد من جديد رغم رفض عقلها هذا ليه حضرتك قلت كده..
ابتسم برزانة وبنبرته الرخيمة كنت بعتبرك بنتي يمكن لأني شفتك شبها لكن تعاملك برسمية معايا بلاش..
أيوة بس.. وابتلعت حروفها مع..
بس ايه... دماغك راحت فين..
مارحتش لكن أنت شايف الوضع مينفعش يمكن أنا لحد دلوقتي بقول ليه شخص بمكانتك يساعد بنت زي.. مش غريبة حبتين لحد ما أقنعت نفسي أنها صدقة منك انك تساعدني أشتغل..
عارفة يا رحمة أنت شبها في كل حاجة من زمان رفضت شغلها عندي وقالت مبقبلش صدقة بس الي متعرفيهوش أن الراجل مبيعملش صدقة مع أنثى الا لو شاف فيها حاجة وأنا شفتها فيك خۏفت يحصلك زيها لما عرفت حكايتك لكن أنت أقوى منها بكتير.. وأغمض عيناه قابضا على تلك الدمعة العالقة بأهدابه جامعا البعض من ذرات الهواء قبل أن يكمل.. العين مراية القلب يمكن عينك لحد دلوقتي خاېفه لكن الي بتعملية مع حازم ليه دافع تاني أنت خاېفه منو.. يوم ما طلبت منك تنتقلي معاه هنا قلت لو رفضت يبقي أنا خرفت لكن...
الحكاية أكبر من كده لا أنا ول هو ننفع العقد مبتنفعش مع بعضها..
بس بتقوي بعضها الشيبة دي مش من فراغ..
صعب عن إذنك وتحركت تقاوم دموعها لتصدم بكرسيه المتحرك فتبتسم برزانة وتتحرك بهدوء صوب الخارج لتتوقف على..
كان حازم يستمع لما قيل وقبل أن يخبرها بمكنون قلبه كانت قررت الرحيل دون عودة ملقية نظرتها الغائمة وبسمتها الباهتة بوجهه لتنفرج شفتاه تتجوزيني..
صڤعة حادة نالت من قلبها على اثرها اهتز جسدها ولكنها استعانت بتلك القطع الخشبية لثبات وبجمود الحكاية ملهاش بداية يا كابتن واغلقت الباب خلفها بقوة تاركة لعينها العنان..
. أغلق حازم عيناه مانعا ذرات الهواء من العبث بتلك الغيوم المتجمعة في حدقتيه ولكن كانت لأنفه رأي أخر فقد اعترفت الكثير والكثير من الذرات لتطفأ ذاك البركان المشتعل بداخله من رحيلها.. لو أخبره أحدهم قبل سنوات أن شعور اليتم سيعود ليستوطن روحه من جديد ما كان صدق بل كان أوسعه ضړبا ولكن تلك الحقيقة المرة أن اليتيم لم ولن يشفى من جراح الاحتياج وهي كانت كمادة لاذعة لشفاء بها يشفي الچرح ولكن مع ندبة أعمق في الروح تقيح الچرح على أثرها لإخراج ما بداخله من خبث الډماء.. لترتفع يداه لتمسد ذاك الألم النابض من بين أضلعه ولكن الألم يزداد قسۏة ولهيب العجز يأكل ما تبقى لديه من معالم للحياة فهو أيقن أن شعاع الحياة المتبقي له قد ولى..
خرج توفيق من المطبخ محاولا أثناء رحمة عن قرارها ولكن قد سبق السيف العزم مع إغلاقها الباب ليعتصر فؤاده من الألم برؤية رسوم ابنه النابضة بالألم ليتبرع قائلا لو بتحبها بجد الحقها وهي عندها الي يخليها ترفض أي حاجة بلاش تبقى زي تبكي على الي فات كل دقيقة..
لم يستطع الرد ولكن تلك النظرة المطلة من عيناه أبلغ من كلمات لا تعد ول تحصي ليدفع مقعده المتحرك قاصدا الشرفة و قلبه يعتصر من الحزن وما هي الا دقيقة وكان ينتظر خروجها من البناية لتلتقط عيناه رأسها الضائعة بين كتفيها المتهدلين خطواتها المنهكة وقبل أن تنفرج شفتاه عن النداء...
قبل دقائق أنهى حمدي تناول إحدى اللفافات من سرواله وعيناه مثبتة على البناية ينتظر خروجها و جسده يغلي كالمرجل من فرط الڠضب وعقله يحيك الألف القصص والتخيلات السافرة لما يجري معاها مع ذاك الرجلان.. ليستنشق عدة أنفاس من تلك المحمولة بين إصبعية ويخرجها بتمهل شديد وكأن ينقصه جنون من غياب العقل التقطت عيناه هيئتها مشعثه الشعر ووجهها المنتفخ ليضع تخمين أقذر من السابق ويتحرك تاركا تلك العربة خلفه..
قبل أن تتحرك قدمها من البناية كانت يدها ترتفع لإزالة ما تبقى من دموعها لتتوقف بغتة بسبب ظهور ذاك الجسد أمامها وقبل أن تصب جمام ڠضبها كانت شفتها تهتف بذهول حمدي..
كمضخة ضخمة رجت بهدير قلبه فقد على أثرها التنفس لدقائق قبل أن ينفض ذاك الشعور ويرسم بسمته الحزينة ونبرته المماثلة كنت فين يا أبله الدنيا مقلوبة عليك..
خفق قلبها بقوة وبلهفة ماما جرلها حاجة..
لا يا ابلة الست نعيمة بخير لكن..
لم تفصح شفتها عن القول فما زالت على أثر الصدمة ولكن بعينها رأي آخر بالتساؤل..
أجاد رسم قناع الأسف الذي تركه منذ معرفته بسفالتها ليكمل البت رضوى بقالها كام يوم في دنيا غير الدنيا ومبتكلش أي حاجة..
ممكن يكون دور برد..
لا يا أبلة شكل حاجة من أيهم حصلتها في المدرسة وعاوزين نوديها لدكتور نفساني..
فزع أحل بعينها على تلك الصغيرة لتسارع بفتح حقيبتها وشفتاها تخبره هكتبلك رقم دكتور كويس... وقبل أن تكمل كانت تسقط في براثن سلطان النوم..
ألقى حمدي نظرة على المكان من حولها قبل أن يحملها ويضعها في سيارته منطلقا إلى ما لا يعرف..
كانت عيني حازم تجحظ أكثر من ذي قبل ويداه تقبض بقوة على مقعده المعدني ونبرة قاسېة تفارق حنجرتيه كالقذيفة رحمة.. لتبحث عيناه عن الهاتف طالبا رقم أخيه ليبدأ بدفع مقعده بكل ما لديه من قوة..
أخر ما يمكننا توقعه هو أول صڤعة تمر بنا وهو ليس صڤعة فحسب بل ضړبة لا مثيل لها من سواط العشق الضائع.. حبست أنفاسها لوهلة وأغمضت عينها لتأكد من وقوفه أمامها وقبل أن تبدي رفضا لوجوده ببيتهم فقد عقدت العزم على الرفض لتنفرج شفتها بحروف اسمه ما بين الكثير والكثير خالد..
لم يستطع المكوث دقيقة أخرى في البيت بعد حواره مع والدته ليجد نفسه يأتي إلى منزلها دون تردد وبنبرته ممكن أدخل..
نظرت حولها عدة مرات ليس للاختباء من حالها ولكن لذاك المداهمة الغير محسوبة من هجوم جيوش الغير وقبل أن تجيب بأي شيء كان صوت والدتها الجواب مين يا صابرين..
أجلت حنجرتيها سريعا ولكن ليس لديها بطاقة تعريف لوجوده ليتبرع هو بالدخول مساء الخير..
غريب يقتحم بيتك و يلقي ترحيبا فما من مفر سوى الجواب والجود بكرم الضيافة وعيناه ترسل الكثير لابنتها مع قولها اتفضل يا ابني..
رجفة قوية مرت بسائر جسدها وقطرات العرق تتجمع بقوة وبنبرة شبة ثابتة أستاذ خالد مديري في المجلة..
حركت نعيمة عينها بغموض فهي دائما لا تهين فتياتها أمام أحد وبنبرتها شوفي الأستاذ يشرب أيه..
حركت رأسها بنعم وهي تعلم أن بعد رحيله ستأخذ الكثير والكثير من ڠضب والدتها وبهدوء تشرب أيه..
كان خالد يراقب تعابير وجوههم من طرفا خفي وبهدوء لا ينافي تلك النظرات شاي..
هرولت للمطبخ تحتمي به من كل شيء فالقادم لا يبشر بالخير لتبدأ بإعداد الشاي واخراج بعض المخبوزات بجواره.. لتمر الخمس دقائق لتحمل صنيه وتتحرك بارتجاف نحو الردهة ولسانها يتمتم بالكثير لتجحظ عينها والدتها تبتسم بانشراح وضحكاته الرجولية تملاء البيت لتقف كالبلهاء تحدق بهم لتفق من شرودها على صوت والدتها بالتقدم... تحركت لتضع ما بيدها وعينها ما زالت بجحوظها وقبل أن تنحني قليلا لوضع ما بيدها كان..
خرج صوت نعيمة بابتهاج قدمي الشاي لخطيبك..
هل فقدت قدرتها على السمع أم أن خيالات عقلها والأحلام تتجلى بقوة!..
ليصدع صوت خالد لا خطوبة ايه نمشيها جواز على طول..
لتجيب نعيمة بهدوء الرأي ل صابرين..
ليكمل بمرحة والسكوت علامة الرضا مش كدة برضو..
صل إليها حديثهم كالضباب هو والدتها يقررون زواج رفضته لتنجلي حنجرتيها بتساؤل خطوبة ايه..
لم يدع لها مجال