رواية التائهة ج4
يا بابا ده انت لسه بنفسك قايل لازم الموضوع يكون سري ومحدش يعرف حاجة !!
هز والده رأسه إيجابا وهو يبرر اقتراحه
ده صحيح بس المساعدة دي مهمة عشان تسهل دخولها البيت !
عجز مسعد عن الوصول إلى مقصد والده من هذا الاقتراح وهتف بإحباط
مش فاهمك بصراحة يا بابا وحاسس كده إن الليلة كلها هتبوظ !
أخذ باسل نفسا عميقا وزفره على مهل ثم تساءل بهدوء
ممكن حضرتك يا سيادة اللوا توضح اكتر إنت قصدك ايه بالظبط
أضاف مسعد هو الأخر متسائلا بنبرة ساخرة
مين يا بابا اللي انت هاتشركه معانا اللي عليه العين والنيني !
ابتسم له والده إبتسامة غامضة ثم أجابه بصوت جاد وهو مثبت أنظاره على ابنه
إيناس أختك
صاح كلا من باسل ومسعد سويا و في نفس واحد بصوت مرتفع وقد ارتسمت علامات الذهول و الصدمة عليهما
مييييييين !!!
يتبع الجديد
الفصل الرابع عشر
في المقهى الحديث
سرد اللواء محمد خطته لثلاثتهم والتي كانت تتضمن الإستعانة بإيناس كوسيلة تمكن سابين من التواجد بحجة مقنعة في المنزل دون إثارة الريبة أو الشكوك حول طبيعة وجودها وسط عائلته .
فدور إيناس في تلك الخطة يقتصر على إيهام والدتها أن لديها صديقة أجنبية تعرفت عليها عن طريق الانترنت وستأتي للقاهرة للقيام بدراسات عليا لفترة وجيزة ثم تعود إلى موطنها .. وطوال تلك الفترة ستقيم في منزل عائلتها بعد أن عرضت عليها إيناس استضافتها ..
وسيقوم والده بدعم ابنته في طلبها ويوافق على مسألة الاستضافة ويشجعها على الاستفادة من رفيقتها بحجة أنها متعلمة ومن ثقافة وحضارة مختلفة ولديها امتيازات كثيرة ..
وبالتالي سترضخ أمها لرغبتهما إن وجدت موافقة الجميع وترحيبهم بها ...
بدت الفكرة مقنعة إلى حد كبير ومنطقية لا تثير الشكوك ... ولكن اﻷصعب هو تنفيذها بحرفية ..
نفخ مسعد بضيق وهو يستمع إلى حديث والده ثم أرجع ظهره للخلف وهتف بتبرم
كلامك فل يا بابا بس البت ايناس هبلة وممكن تكشفنا !!
ثم الټفت برأسه ناحية رفيقه وسأله بجدية
ولا ايه رأيك يا باسل
لم ينتبه له باسل .. فقد كان شاردا في التفكير في إيناس .. فمجرد ترديد اسمها يثير في نفسه مشاعر غريبة .. مشاعر لم يعتد عليها بعد حاول مقاومتها قبل أن تظهر أكثر ..
طال صمته فعاودمسعد سؤاله بإلحاح بعد أن لاحظ شروده
انت معانا يا باسل بأقولك ايه رأيك في البت ايناس
وكأنه أصيب بالحرج من سؤاله المباغت .. وأحمر طرفي أذنيه بصورة مبالغة .. وعمد إلى رسم تعابير جامدة على وجهه ليخفي توتره وهو يرد عليه بحذر
أنا شايف إن إيناس صغيرة ومش هاتنفع تقوم بالدور ده .. هي ممكن كمان تتأذى و. . آآ..
قاطعه اللواء محمد قائلا باستنكار وهو يدقق النظر فيه
هو أنا يعني مش خاېف على بنتي وبعدين صغيرة ايه .. ده ماشاء الله طالعة أولى ثانوي وكام شهر وتكمل 16 سنة !
لم تفهم سابين معظم الحوار فأوضح لها باسل باللغة الانجليزية مقصده فهزت رأسها بتفهم ..
برر اللواء محمد كبر سن ابنته بصوت هاديء
اصلها داخلة المدرسة كبيرة !
في حين أضاف مسعد بمزاح
عجوزة يعني عدت السن القانوني للحضانة وقتها !
حدج محمد ابنه بنظرات محذرة وأشار له بيده وهو يقول بجدية
بطل آلش يا مسعد وتريقة على أختك ! مش ذنبها إن سن التقديم على المدرسة أيامها كان كبير !
شعر مسعد بالحرج من توبيخ والده
له أمام سابين فابتسم بسخافة وهو يقول مدافعا عن نفسه
مش بآلش يا بابا بس آآ..
قاطعه أبيه قائلا بجدية وقد تشنجت ملامح وجهه
من غير بسبسة .. أختك أكتر حد هاينفع يقوم بالدور ده المهم بس نقنعها !
تنهد مسعد بعمق ورد عليه بإبتسامة مغترة
خلاص يا بابا سبهالي أنا هالفلها هدية محترمة بمناسبة نجاحها واقولها على الخطة !
أثارت عبارة مسعد الأخيرة فضول باسل فالټفت برأسه ناحيته وسأله بإهتمام وقد لمعت عيناه قليلا
هي ايناس نجحت
أومأ مسعد برأسه إيجابا وهو يرد
اه الحمد لله .. وجابت مجموع كبير
استدار مسعد ناحية سابين وغمز لها قائلا بنبرة شبه مغتاظة
طول عمرها موس البت دي .. مالهاش في اللعب ولا الصياعة الكتب والمذاكرة واكلين دماغها على الأخر
أضاف والده قائلا بنبرة متباهية
طبعا .. ده أنا مربيها على الاخلاق والالتزام ... وإن كانت عملت حاجة غلط بتيجي تقولي يا بابا أنا عملت كذا ومعمرهاش كدبت عليا
!
تابع مسعد قائلا بعبوس زائف وهو يشير بيده
بس مصلحجية درجة أولى ټموت في الهدايا والشړا والمساومة !
زادت ابتسامته الساخرة اتساعا وهو يتساءل بمكر
ما توقفها في سوبر ماركت آبابا
حذره اللواء محمد قائلا بجدية
اتلم يا مسعد بدل ما أهزقك قدام الأجانب
تنحنح مسعد بحرج ووضع إصبعه على طرف أنفه وردد بخفوت
احم.. عندك حق برستيجي برضوه !
ابتسمت سابين برقة ثم مطت لتهمس بتحمس قليل في نبرة صوتها الناعمة
ممممم .. أنا أهب أحب اشوف ايناس دي
رد عليها مسعد بحماسة أكبر وهو يغمز لها
هاتعجبك أوي يا صابرين نسخة مني !
أبدت سابين إهتمامها قائلة وهي ترفع حاجبيها للأعلى
واو ! شيء رائع
تدخل اللواء محمد في الحوار قائلا بجدية
بنتي غير مسعد .. ولا شبهه في أي حاجة هي ليها شخصية مع نفسها كده .. بس جدعة وبنت أصول !!!
كانت كلمات محمد المتفاخرة بإبنته تثير ضيق باسل أكثر وتزيد من تأنيب ضميره وإحساسه بالذنب نحوها ..
فهو لم يمهل نفسه الفرصة لتصديقها وظن بها السوء رغم أنها لم تخبيء عنه شيء وكانت صادقة معه منذ البداية ولم تنكر ما حدث .. تهوره فقط دفعه لإھانتها بتلك الصورة ..
ما أوجعه بحق هو تذكره لكلماته الچارحة والمهينة لها ..
..
أغمض عينيه للحظة ليسيطر على حالة الفوران التي تعتريه من الداخل هو أخطأ في حقها وعليه ألا يكابر في هذا ...
.....................................
في منزل مسعد غراب
عقدت إيناس شعرها جديلة طويلة وجمعت خصلات شعرها القصيرة والمتناثرة خلف أذنيها ثم اتجهت إلى خارج غرفتها وهي تصيح بصوت جهوري
ماما أنا نازلة
حضرت والدتها من المطبخ وهي تمسح يدها في منشفة قطنية وسألتها بإستغراب وهي تنظر إليها
نازلة ! ليه رايحة فين
ردت عليها بتنهيدة مطولة
بابا عاوزاني في الكافيه شوية
قطبت صفية جبينها بإندهاش وسألتها مستفهمة بفضول واضح في نظراتها
أبوكي ليه
ردت عليها بإختصار
مقالش
زمت صفية بتبرم وتمتمت بكلمات مبهمة ثم تابعت قائلة بجدية وهي تشير بيدها
طب قوليله مايتأخرش أنا خلصت الأكل
هزت إيناس رأسها وهي تجيبها
حاضر !
ثم انحنت للأسفل لتسحب حذائها من الخزانة المخصصة لها وارتدته وعاودت النظر إلى هيئتها في المرآة المعلقة خلف باب المنزل ..
تأملت بنطالها الجينز القديم وكنزتها الواسعة ذات اللون الأبيض التي تغطي خصرها وتصل إلى ما قبل ركبتيها بنظرات فاترة .. ثم ابتسمت لنفسها بسخرية وهي تردد بسخط
ماشبهش البنات في حاجة ! أنا زي الولاد !
أمسكت بالمقبض وأدارته واتجهت إلى الخارج ..
.......................................
بجوار مدخل المقهى
وقف باسل على مقربة من مدخل المقهي مستندا على جانب سيارته وعاقدا ساعديه أمام صدره وترقب بفارغ الصبر وصول إيناس بعد أن استأذن من أبيها أن يراها بالخارج مدعيا تهنئتها بنجاحها في الامتحانات ثم بعد ذلك يصطحبها للداخل ليتحدثوا معها هو أراد أن يحظى بفرصة معها على إنفراد ليعتذر لها عن تطاوله عليها ..
لمحها وهي تسير بخطوات بطيئة من على بعد فاعتدل في وقفته وأرخى ساعديه .. وانتصب بجسده متلهفا للحديث معها ..
رفعت رأسها لتنظر إلى الطريق أمامها فتفاجئت بباسل محدقا بها وينظر مباشرة في عينيها ..
صدمت منه وارتعد جسدها للحظة من نظراته المسلطة عليها ومن وجوده أمامها ...
تحولت ملامحها المرتخية نسبيا إلى عبوس جلي .. ثم أشاحت بوجهها بعيدا عنه متجاهلة أياه وكأنه نكرة ولم تراه ..
زمت بضيق وتابعت سيرها ولكن بخطوات سريعة ..
تحرك باسل نحوها وهو يهتف بصوت آجش
وآمر
ايناس استني !
لم تصغ إليه بل أكملت خطواتها دون الإكتراث به ..
لحق بها ووقف أمامها ليسد عليها الطريق ثم حدجها بنظرات قوية وهو يقول بجدية صارمة
استني يا إيناس أنا عاوز أتكلم معاكي !
انتفضت من حركته وزاد تجهم وجهها ونفخت بنفاذ صبر وردت عليه بحنق
في ايه تاني عاوز تقوله افتكرت كلمة زيادة تهيني بيها ولا حابب تمد إيدك عليا !
ابتلع باسل ريقه بضيق فقد استشف من كلماتها الغاضبة بغضها من تصرفه الفظ معها فأخذ نفسا عميقا ليسيطر على انفعالاته وزفره بعجالة ثم ضغط على شفتيه وردد قائلا بإمتعاض
لأ مش كده أنا آآ..
قاطعته قائلة بحدة وهي تنظر بجمود في عينيه
لو جاي تطمن إني التزمت باللي قولته فأنا خلاص فهمت كلامك كله وأمنت بيه أنا مش زي البنات عندي شنب ودقن وسوالف كمان فاستحالة حد يبصلي ولا عاوزة من الأساس حد يبصلي أصلا أنا دماغي في دراستي وبس !!
أثارت كلماتها السابقة حفيظته ..
هو جرحها عمدا واحدث أثرا سلبيا في نفسها ..
هي مازالت تذكر إهانته لها تقليله من شأنها إساءتها لهيئتها .. بل والأكثر من هذا هز ثقتها في نفسها ..
أيقن أنه أحدث شرخا وأوجد فجوة كبيرة بينهما ..
أسبل عيناه وهو يطالعها بنظرات نادمة ثم تابع بهدوء
إيناس حقك عليا أنا أسف مكانش ينفع أكلمك كده أنا كنت منفعل وقتها واتضايقت من اللي حصل !
أغضبها اعتذاره وكأن ما فعله بها هين لا يستحق إلا كلمات بسيطة يرددها على لسانه ..
فبلا وعي ارتفعت نبرتها وهي ترد
انت صدقت إني عملت كده مع إني مكدبتش عليك في حاجة !
اعتذر مجددا وهو يشير بحاجبيه لتنتبه لوجدهما مع عامة الناس
أسف مكونتش أقصد !
أرادت إيناس إيلامه أن تجعله يشعر بحجم خطئه وأن يعي جيدا أن لكل شخص مشاعر تحترم لا يحق لأحد أن يسيء إليه لمجرد هيئته أو مظهره العام .. لكن بإشارته الأخيرة ظنت أنه يشعر بالحرج من وجوده معها.. أنها لا تستحق أن ينظر لها شاب ما وسيم بل أجمل في ملامحه منها ..
ولذلك لم تعد ترغب في الاستمرار معه في الحديث فإستياءها منه يتخطى شعوره بالذنب وتقبل ندمه ..
لذا حافظت على كبريائها ورسمت ابتسامة باردة مصطنعة على ثغرها وردت عليه غير مكترثة
مافيش مشكلة لو لسه حاسس بالذنب من ناحيتي فمتقلقش أنا عادي خلاص !
ازدردت ريقها المرير وتحركت للجانب لتتخطاه وهي تجاهد للحفاظ على ابتسامتها ..
سار إلى جوارها وهتف بإلحاح
إيناس استني بس
التفتت برأسها نحوه ورمقته بنظرات حزينة وهي تقول بجدية متعمدة الضغط على حروف كل كلمة
أنا الموضوع نسيته يا أبيه باسل !!!!!!
فغر فمه مشدوها من عبارتها الأخيرة وردد پصدمة واضحة
نعم أبيه !!!
أسرعت في خطاها دون أن تترك له المجال لتفسير ما قالته لكنها أرادت أن يصل إليه مغزى كلمتها المقصودة أبيه ..
وبالفعل نجحت في هذا .. فظل للحظات مذهولا مما قالته ..
ولجت إلى داخل المقهي وبصعوبة بالغة نجحت في إخفاء مشاعرها المقهورة ..
بحثت بعينيها بنظرات خاطفة عن أبيها بين رواد المكان فوجدته يشير لها