رواية قمر من 7-11

موقع أيام نيوز

الفصل السابع
كان يمسك كيس القمامة ليضعه في مكانه خارج الشقة فتح باب الشقة المقابلة له وظهرت جارته اللطيفة التي تبتسم له هو وزوجته وتلقي التحية عليهما دوما حين تصادفهما يضطر هو لتجاهلها بسبب غيرة زوجته الشديدة واصرارها أن يفعل حتي باتت الجارة تقابلهما بوجه غابت عنه ابتسامته تومئ برأسها وكأنها مضطرة لفعل ذلك من باب اللياقة وحسن الجوار شعر ببعض الحرج لمرآها إياه هكذا ولكن ابتسامتها الرقيقة المترددة أزالت هذا الإحراج وهي تلقي التحية عليه لأول مرة منذ وقت طويل فبادلها إياها بلطف شعر ببعض الدوار فاستند إلي الحائط أسرعت إليه تقول بقلق
خير ياأستاذ كرممالك فيك ايه
هز رأسه يقول 
أنا بخير 
لأ مش بخير وشك أصفر ومش قادر تقف من فضلك خليني أساعدك وأدخلك الشقة بتاعتك 
هو حقا ليس بخير يشعر بدوار يضربه منذ الصباح ربما لإنه لم يأكل شيء منذ البارحة هل يتركها تساعده أم يرفض بأدب خاصة وزوجته شارفت علي الحضور وان رأتها معه داخل الشقة ستقيم الدنيا وتقعدها فوق رأسه 
ولماذا يهتمهي من تركته بهذه الحالة بعد أن توسل إليها المكوث اليوم معه لقد رأي من هذه الغريبة اهتماما لم يره منها 
ليعود قلبه ويلتمس لها الأعذار كعادته منذ أن أصبح متيما بالعشق لقد اعتادت جيهان حياة الحرية والرفاهية لن تستطيع أن تكون كأمه أبدا لن تستطيع أن تضحي برغباتها من أجل أحد فقد اعتادت أن تفعل ماتريد وقت ماتريد ليس خطؤها بل خطأ من ربوها علي ذلك ولقد أحبها هكذا أحب حيويتها وانطلاقتها وجرأتها حتي في طلب يده فهو علي عكسها تماما خجولا لم يعرف نساءا قبلها بل كانت هي الأولي والأخيرة 
أستاذ كرم 
أفاق من شروده علي صوتها يطالع صورتها المهزوزة أمامه بضعف أدرك أنها تنتظر قراره فمد يده إليها لتضعها علي كتفها وتسنده برفق حتي دلف إلي الشقة أجلسته علي أقرب كرسي قائلة
الظاهر انك مفطرتش المطبخ من هنا صح
هز رأسه بضعف فابتسمت قائلة
هعملك ساندوتش سريع وكوباية عصير أكيد مدام جيهان كان وراها ميتنج مهم ونزلت من غير ماتعرف انك تعبان 
هز رأسه مجددا وهو يبتهل أن تسرع هذه الفتاة بعمل ما قالته ثم تذهب في حال سبيلها قبل أن تعود زوجته وبالفعل اتجهت إلي المطبخ ثم عادت بعد دقائق تضع أمامه شطيرتين وكوب من العصير وشريط من دواء البرد قائلة
تاكلهم كلهم وتشرب العصير وبعدين تاخد الدوا أنا متأسفة مضطرة أسيبك وأنزل عشان ألحق محاضرتي مش عايز حاجة أجيبهالك قبل ماأنزل 
متشكر قوي كتر خيرك 
ابتسمت مجددا هذه الابتسامة الرقيقة خاصتها قائلة
مفيش داعي للشكر الجيران لبعضيها 
حملت حقيبتها وكشكول محاضرتها وذهبت وهي تغلق الباب الذي تركته طوال فترة وجودها معه مفتوحا تابعها ثم نظر إلي الصينية يمسك الشطيرة يأكل منها أغمض عينيه متلذذا بطعمها ليفتح عيونه مجددا يتذكر اعتذارها له تعتذر عن تركه وحده في مرضه وهي لا تمت له بصلة بينما لم تفعل زوجته هذا مطلقا بل تتهمه دوما بالتمارض من أجل أن يبقيها بالمنزل جواره في إجازته المړضية تلك نحي أفكاره المزعجة وهو يبتسم متذكرا كلماتها الأخيرة التي ذكرته بروح والدته وأصالة بلاده الجيران لبعضيها
جملة لا يسمعها سوي في أحضان وطنه مصر كم يشعر بالحنين الآن إليه فالغربة موحشة حقا حين تشعر بالضعف فتجد نفسك وحيدا لا أحد هناك يساعدك بل تضطر للاعتماد علي ساعدك لتنهض من عثراتك وإلا سقطت وسقوطك بالغربة لا نهوض بعده أبدا 
دلف رياض من الباب يترنح قليلا طالع والدته التي وجدها جالسة علي الأريكة في هذا الوقت المبكر علي غير العادة بلا مبالاة يتجه إلي حجرته بصعوبة فتجهمت ملامح قمر ڠضبا ألا يكفيه ماتسبب فيه من ضرر ليلة البارحة برعونته بل هاهو يغضب الله مجددا و يعود مخمورا رغم أنها حذرته مرارا من أن يفعل نهضت تتجه إلي حجرته التي طرق بابها خلفه تسير بخطوات غاضبة مشټعلة فتحت الباب ودلفت إلي الحجرة رأته مرتميا علي سريره بكامل ملابسه نادته فلم يستجب ذهبت إلي الكومود وحملت ذورق المياه تسكب منه كوب ثم ألقته علي وجه رياض الذي انتفض ناهضا يقول پغضب
ايه اللي بتعمليه ده
طالعته بحدة قائلا
بفوقك من الهباب اللي شربته زي مانفسي أفوقك من الهباب اللي ملخبط بيه حياتك 
أشاح بوجهه جانبا وهو يقول
يووووه ابتدينا محاضرة كل يوم 
وياريت حاجة معاك نافعة ايه ياابني انت مش شايف حالك بقي ازاي
طالعها قائلا بملل
ماله حالي ما أنا كويس أهو 
كويس! انت بتضحك عليا ولا علي نفسك ايه الكويس في وضعك بيتك واتخرب شغلك وآخد أجازة منه كل يوم سهر وشرب وسرمحة لا صحتك في دماغك ولا سمعتك وسمعتنا تهمك 
قال بسخرية
سمعتنا ياحاجة انت مش عايشة معانا ولا إيه اسمحيلي أقتبس من كلامك انت بتضحكي عليا ولا علي نفسك اسألي اي حد حوالينا هيحكيلك علي سمعتنا وكل ده بسبب الراجل اللي بهدلني وبهدلك امبارح قدام كل الناس ولا همه عادته ولا هيشتريها الناس كلها بتتمني نسيب الشقة ونمشي بسبب صوته العالي وكلامه الزفت وخناقاته اليومية علي الفاضية والمليانة في أي وقت 
وانت دلوقت بتعمل ايه صوتك مش عالي وخناقاتك مش كل يوم معترض قوي علي تصرفاته وانت ماشي في طريقه 
والله لو تحلوا عن دماغي هعيش سلطان زماني ومحدش هيحاسبني 
ومستني إيهروح عيش لوحدك في شقتك سلطان زمانك زي مابتقول 
انت ناسية انه هددني لو عشت لوحدي هيحرمني من الميراث طبعا عايزني تحت عنيه خاېف أعمل حاجة و أسوأ سمعته ك لوا سابق في الشرطة علي أساس انه كان ملتزم قوي وصالح وانا الشيطان وبعدين مش الشرطة دي اللي دخلهالي ڠصبأديني مستحمل قرفها بالعافية 
انت مفيش فايدة فيك مصر تضيع حياتك ومستقبلك عشان تعمل اللي انت عايزه بس خليني أحذرك لآخر مرة الطريق اللي انت ماشي فيه نهايته حاجة واحدة بس ضياع ملوش آخر آخرته خسارة ومۏت ياابني 
طالعها بجمود فهزت رأسها بيأس قبل أن تغادر ليشيح بيده قائلا
جاية تنصحيني طب روحي انصحي نفسك الأول وسيبي الراجل اللي قارفنا في حياتنا ده راجل زي قلته خنقنا طول عمرنا وحتي لما حاولت امبارح أستفيد منه ومن علاقاته عشان أنقل صاحبي القسم عندنا وأهو يبقالي جميلة عنده قفلها في وشي راجل وش فقر صحيح 
نام علي السرير بملابسه مجددا ولكن لم يلبث أن إستقام جالسا يعقد حاجبيه وصړخة من والدته تصله كاد أن يتجاهلها ظنا منه أنها ټتشاجر مجددا مع والده وربما ضربها كعادته ولكن ندائها إياه بصوت ملتاع جعله ينهض من السرير ويتجه إليها ليري ما الخطب
لايوجد أقسي من المۏت يدخل الإنسان في دوامة من الحزن حتي وان لم يكن المټوفي عزيز لديك فتظل فكرة وجوده وحده في القپر يحاسب علي أفعاله فكرة تزلزل الكيان هلعا فقد انقطعت كل صلة له بهذا العالم وبقي له عمله فهل عمله سينجيه أم يهلكه
ساد الصمت المكان فيما عدا صوت المقرئ الذي يصدح من مكبرات الصوت واتشح الجميع بالسواد لا يوجد ألم جاثم علي الفؤادولا حزن تلبس العيون أو دموع فقط وجوه متجهمة بعضها لا يصدق ۏفاة هذا الرجل الذي كان يتمسك بالحياة رغم كل شيء رجل نجا من قنبلة فماټ ليلا بهدوء بينما خلت وجوه بناته من المشاعر يتقبلون التعازي ببرود الكل يتعجب لهذا المأتم الخالي من الكلمات والدموع المتشح فقط بالصمت والجفاء فيما عدا زوجة هذا الرجل التي جلست مطرقة الرأس بحزن تتساقط دموعها دون توقف تساءلوا بدهشة كيف تبدو حزينة هكذا وقد سقاها المټوفي المر كاسات والجميع يشهد علي أفعاله معها لا يدرون أنها تزرف دموع الندم تشعر بالذنب وتعد نفسها سببا في ۏفاته فقد عجز قلبه أن يتحمل صدمة رحيلها عنه تعلم أنه لطالما أحبها وأن أفعاله معها كانت رغما عنه انه حب مرضي من رجل مريض نفسي يشهد الله أنها توسلت إليه مرارا للعلاج ولكنه أبي متهما إياها بالخرف في بعض الأحيان وغاضبا منزلا بها العقاپ في البعض الآخر لقد تحملته كثيرا وصبرت بعد أن ذبحت آمالها علي يده وتهتكت كرامتها وقټل القلب في كنفه مازالت چراحها منه ټنزف ولكن احساسها بالذنب يتملكها ربما لو لم تخبره بأنها راحلة لظل علي قيد الحياة قلبها الرقيق لا يستطيع تحمل ذنب كهذا لقد تسببت في مۏت إنسان حتي وان كان إنسانا قاسېا ظالما مثل زوجها 
وحدي الله ياحبيبتي متعمليش في نفسك كدة المۏت علينا حق 
رفعت قمر وجهها تطالع محدثتها بعيون زائغة تمتلئ بالدموع فوجدتها جارتها التي ربتت علي يدها بحنان قائلة
ده عمره وقدره المۏت مش آخر الرحلة دي بدايتها اطلبيله الرحمة وادعيله بالمغفرة وقوي نفسك عشان تقدري تسدي وراه 
نعم انه عمره ساعته التي كتبها الله في اللوح المحفوظ بها أو من غيرها كان سيتوفي في هذه اللحظة ستتمالك نفسها وتضع بينها وبين شعورها بالذنب حدودا حتي تستطيع أن تستمر في هذه الحياة وستدعو له بالرحمة ليس وفاءا وحبا منها لزوجها الراحل فهو لا يستحق وفاءا أو حبا وإنما هو واجبها التي أقسمت علي تأديته حتي الرمق الأخير 
حين ېموت شخص قريب منك تشعر بخواء بداخلك خلفه صدمة الفقد وألم الفراق ربما لم يكن يحب والده ولكنه كان والده علي أي حال كان يكن له رفقا أوصاه به رب العالمين في كتابه الحكيم حين قال وبالوالدين إحسانا 
حتي هذه الذكريات الأليمة التي تركها له أباه نحاها عن خاطره بقوة رغم المشاهد التي تأتيه تباعا رغبة في دعوة خالصة من القلب بالرحمة يرددها لسانه دون إنقطاع عله يكون الإبن البار بأبيه يرحمه من عڈاب القپر وعذاب الڼار فحتي إن كان الأب سيئا فهو ولد صالح وسيظل هكذا حتي الممات 
أفاق من شروده الحزين علي بعض الناس الذين جاءوه يقومون بواجب التعزية تقبلها بهدوء فتقدم منه جارهم الجديد الذي ساعده منذ فترة علي الانتقال لمسكنه لقد كان اسمه مصطفي نعم العم مصطفي توسم فيه الطيبة والأخلاق منذ أن رآه للمرة الأولي وها هو يطالعه بعيون حانية وكأنه يشعر بصراع قلبه كما لم يفعل أحد ربت علي كتفه قائلا
البقاء لله يامالك ربنا يرحمه 
يارب 
لو احتجت أي
حاجة متترددش كلمني أنا صحيح غريب بالنسبة لك بس صدقني انت زي ابني ولو كنت خلفت ولد مكنتش هتمني يشبه حد قدك 
ياليت أبي أراني لحظة من حنان كهذه اللحظة التي استشعرتها من طيات كلماتك أيها الرجل الطيب 
اغروقت عيناه بالدموع واكتفي بهزة من رأسه وقد غص حلقه فاستقرت الكلمات داجل جوفه هز العم مصطفي رأسه بدوره قبل أن يبتعد ليسمح لبقية الرجال

تم نسخ الرابط