رواية حب ليس له مثيل الفصول من 51-60

موقع أيام نيوز

حتى كاد الأمر يبدو كما لو أن الأوراق قد كتبت مسبقا وفي انتظاره.
لم تمض سوى لحظات حتى وجد الصغير نفسه جالسا بين أقرانه وكأن القدر عجل بخطواته في هذا العالم الجديد.
رفع زكريا وجهه البريء إلى والدته وكوثر وقال بثقة طفولية ممزوجة بحماس خفي
أمي كوثر لا تقلقا سأكون على ما يرام... سأنتبه في الفصل.
ابتسمت كوثر ثم أشارت إلى فتى يجلس على مقربة منه شعره قصير وعيناه تحملان لمحة من النباهة وقالت بنبرة مطمئنة تحاول أن تواري قلقا دفينا
هذا دارين ابن أخي لقد طلبت منه أن يكون درعك فلا تتردد في اللجوء إليه إن ضايقك أحدهم.
أشرق وجه زكريا وكأنه عثر على كنز غير متوقع وهتف بحماسة
حقا حسنا سأفعل!
بينما كانت سيرين وكوثر تنهيان الإجراءات انتهز زكريا الفرصة ليتأمل الروضة بعين تسترق النظر إلى التفاصيل الصغيرة وكأنه يستطلع ساحة معركة قادمة.
لم يكن هذا مجرد يوم دراسي عابر بل بداية مرحلة جديدة تشبه رقعة الشطرنج حيث كل حركة قد تحمل خلفها نية غير معلنة.
سرعان ما التقط زكريا طرف خيط أثار فضوله حين علم أن أحد الطلاب يدعى مالك نصران حفيد عم ظافر الأكبر أي باختصار... قريب والده المتنصل من التزاماته!
الاسم وحده كان كفيلا بإشعال شرارة في رأسه الصغير فمالك ليس مجرد تلميذ آخر بل سليل عائلة اعتادت أن تكون في الجهة المقابلة من الصراع.
ترددت أقاويل بين الممرات عن ذكاء مالك ونباهته وعن كونه محبوبا من الجميع لكنه في نظر زكريا لم يكن سوى حلقة جديدة من تلك السلالة التي عرفت والدته القهر على يديها.
للحظة راح زكريا يتساءل أي نوع من العباقرة قد تنجبهم تلك العائلة وهل الذكاء وحده كاف ليكسر الٹأر القديم
أما سيرين فكانت تجهل تماما خيوط الأفكار التي تداخلت في رأس صغيرها ففي نظرها زكريا لم يكن سوى طفل طيب القلب لم تلوثه الأحقاد بعد كما إنه خلال إقامتهما بالخارج قد أرسلته إلى روضة محلية حيث أحبه المعلمون وزملاؤه لحسن خلقه ولم يكن لديها أي سبب للقلق الآن.
بكل طمأنينة أودعته سيرين في الفصل قبل أن تغادر مع كوثر لكن الأخيرة لم تستطع تجاهل تلك النظرة في عيني زكريا فقد شعرت ولو لوهلة أن وراء حماسه للبقاء سرا لم تفك شفرته.
سيرين! هل لاحظت كيف بدا زاك متحمسا على غير العادة قالتها كوثر بشك.
توقفت سيرين للحظة لكنها هزت كتفيها بلا مبالاة
نعم لكنه دائما ما كان يحب التعلم وتكوين الصداقات.
أطرقت كوثر رأسها قليلا وكأن إحساسها لم يخفت تماما ثم التفتت إليها وقالت بصوت أكثر حذرا
آمل أن يكون الأمر كذلك... لكن لدي شعور بأنه لن يكون مجرد طالب عادي هنا.
ثم ابتسمت كوثر وغمزت لها مازحة وهي تعقد ذراعها بذراع سيرين
على كل حال يبدو أن دارين لن يكون من يحميه بل العكس تماما!
الفصل 59 
حين تركت سيرين صغيرها زكريا في روضة الأطفال شعرت أخيرا بأنها تنفض عن كاهلها بعضا من التوتر الذي صاحبها منذ مجيئهما إلى المدينة. أتاح لها ذلك فرصة نادرة لتتجول برفقة كوثر التي بفضل نادر قررت البقاء لفترة أطول لرعاية زكريا. 
نظرت إليها سيرين بعينين مليئتين بالامتنان وقالت بصدق 
شكرا لك كوثر... لا أعرف ما كنت سأفعله بدونك.
ابتسمت كوثر ابتسامة خفيفة تحمل مزيجا من التواضع والدفء وردت عليها بنبرة مازحة 
متى أصبحت رسمية هكذا لا حاجة لكل هذا الشكر بيننا. 
وفي هذه الأثناء بينما كان زكريا يخطو إلى داخل الفصل الدراسي انطلقت نظرات الدهشة والإعجاب نحوه كأنه نجم أطل فجأة في سماء لم يكن أحد يتوقعه.
وسامته لم تكن عادية بل كانت تحمل شيئا خاصا هالة من الجاذبية جعلت الفتيات يتهامسن فيما بينهن وعيونهن تتابعه وكأنهن وقعن في أسر سحره منذ اللحظة الأولى. 
تقدم المعلم ليعرف الجميع إليه قائلا بصوته الهادئ 
هذا زكريا تلميذ جديد انتقل إلينا مؤخرا من الخارج أرجو أن تعتنوا به جيدا.
في زاوية الفصل كان هناك صبي يدعى دارين الذي تلقى الليلة الماضية مكالمة من كوثر تخبره عن الطالب الجديد وتطلب منه أن يكون صديقا له. 
توقع دارين أن يكون القادم الجديد فتى مفتول العضلات شبيها له ربما حتى أكثر شراسة لكنه لم يكن مستعدا لما رأته عيناه.
زكريا لم يكن مجرد طفل جديد بل كان مختلفا... كان جماله من النوع الذي قد يدفع المرء للحيرة. بل إن دارين وجد نفسه يتمتم في سره بدهشة 
لو كان فتاة لكان أجمل فتاة رأيتها في حياتي! 
لكنه سرعان ما استعاد توازنه ولوح ل زكريا بمرح مشيرا له أن يجلس بجواره وحين استقر زكريا على المقعد مال إليه دارين قائلا بثقة 
إذن أنت زكريا! عمتي كوثر أوصتني بك وهذا يعني أنك الآن تحت حمايتي. 
رفع زكريا حاجبيه ثم ابتسم ابتسامة جانبية تحمل مزيجا من التساؤل والامتنان قبل أن يرد بنبرة هادئة تحمل شيئا من المكر 
يبدو أنني في أيد أمينة إذا.
لم
يكن دارين يتوقع أن يكون صوت زكريا بهذا الدفء وكأنه نغمة موسيقية هادئة وسط ضوضاء النهار فقد راق له ذلك لكنه لم يعلق. 
في الجهة الأخرى من الفصل كان هناك مالك نصران الطفل الذي لم يعتد أن يسرق أحد منه الأضواء.
كان جالسا في ركنه المعتاد مرتديا بدلة صغيرة أنيقة كل زر فيها يبدو وكأنه يساوي ثروة كانت ملامحه تحمل الغطرسة الفطرية لمن اعتاد أن يكون موضع الاهتمام.
وما إن وقعت عينا مالك على زكريا حتى تلاشت ابتسامته المسترخية واستبدلتها بنظرة حادة أشبه بنظرة صياد يتأمل دخيلا في أرضه. 
التقط دارين توتر الأجواء سريعا فاقترب من زكريا وهمس بتحذير خاڤت
هذا هو مالك نصران وريث عائلة نصران العريقة لا تحاول إغضابه فأنا حينها لن أستطيع مساعدتك. 
لم يملك زكريا إلا أن يبتسم في سره إذ كان دارين يشبه كوثر إلى حد مثير للدهشة وكأن الحماية غريزة طبيعية فيهما.
أدار زكريا وجهه إليه وقال بهدوء
لا تقلق لن أرتكب أي حماقة.
في هذه الأثناء ظن دارين أن زكريا من النوع المطيع الذي لا يجلب المشاكل وأعجب أيضا بتلك الميزة فيه.
أخذت أنظار زكريا تتجول المكان باستكشاف فوجد الفصل مليئا بالألعاب والألوان لكن بالنسبة ل زكريا لم يكن أي من هذا جديدا عليه ومع ذلك لم يكن ينوي أن يثير الانتباه أكثر مما حدث بالفعل لذا تصرف وكأنه مجرد طفل آخر بين الجميع لكن محاولته للبقاء بعيدا عن الأضواء قد فشلت تماما إذ سرعان ما بدأت الفتيات بالتجمع حوله يتنافسن في الحديث معه ويقدمن له الحلوى ويتبادلن الضحكات الخجولة حتى أن دارين وجد نفسه مزاحا جانبا ينظر إلى المشهد بإحساس غير مألوف من الإحباط. 
أما مالك فقد شعر بأن شيئا ما داخله يغلي إذ لطالما كان هو نجم هذا الفصل محط الإعجاب والمتلقي الوحيد لاهتمام الفتيات لذا لم يستطع تقبل أن يظهر زكريا فجأة لينتزع منه مكانته.
فكر مالك للحظة ثم ضيق عينيه بتركيز وقرر أن هذا لن يستمر طويلا وحين لاحظ مالك أن زكريا توجه نحو دورة
المياه
انتظر قليلا قبل أن يتبعه بخطوات هادئة فقد كان يعلم أن زكريا لم يدرك وجوده أو على الأقل
تم نسخ الرابط