رواية حب ليس له مثيل الفصول من 51-60

موقع أيام نيوز

له فالمتعة الحقيقية لم تبدأ بعد.
تابع زكريا خطوات طارق عن كثب متسللا وراءه إلى الجناح كصياد يدرك أن فريسته لم تستنزف كما يجب.
من بعيد وقع بصر شادية على زكريا فاجتاح قلبها شعور دافئ يشبه رعشة الحنين التي تسبق العناق.
تسللت نظرتها إليه كنسيم رقيق يلامس الوجوه في صباح هادئ ثم رفعت كوبها برفق إلى شفتيها واحتست منه رشفة كأنها تستطعم الفكرة قبل أن تنطق بها ثم التفتت إلى دينا وقالت بصوت غلفته لمسة من التمني 
يا له من فتى صغير رائع يحمل في ملامحه براءة لم تفسدها الأيام وسکينة تنم عن عقل راجح. إنه مهذب ومتزن لو قدر لظافر أن يكون أبا لكان طفله على الأرجح صورة منه. 
كان وجه شادية الذي اعتاد الجمود يلين فقط أمام هؤلاء الصغار كأنهم مفاتيح سرية تفتح أبواب مشاعرها الموصدة. 
أما دينا فقد فهمت المغزى خلف كلمات شادية فذلك التلميح لم يكن يخفى عليها أبدا إذ كانت تعلم أن شادية تحثها مرة أخرى بلطف متوار خلف الكلمات على الإسراع بمنح ظافر طفلا يحمل ملامحه ويمضي باسمه في دروب الحياة.
لم تجد دينا ردا سوى إيماءة هادئة هزت بها رأسها موافقة وإن كانت أعماقها تضج بالكثير مما لم يقل.
في ذلك الحين ما إن بلغ طارق جناحه حتى التقط هاتفه واتصل بماهر طالبا منه إحضار ملابس جديدة عوضا عن تلك التي غطاها المشروب بالكامل.
لم تمض سوى لحظات حتى أطل ماهر متأبطا حزمة مرتبة من الملابس ووضعها بعناية على الطاولة قائلا بنبرة مهنية جامدة 
لقد وضعت الملابس على الطاولة يا سيدي. 
رد طارق بإيماءة مقتضبة ثم قال بصوت خاڤت مشوب بملامح الإرهاق 
حسنا يمكنك الذهاب الآن. 
أجاب ماهر بإيجاز
مفهوم يا سيدي. 
أدار ماهر المقبض وخرج دون أن يلقي نظرة على زوايا الغرفة غافلا عن ذاك الصبي الصغير المتكوم عند طرف الأريكة كظل كامن في العتمة يراقب بصمت مترصد إذ لم يخطر ببال ماهى للحظة أن أحدا قد يتسلل إلى
غرفة طارق فغادر مطمئنا تاركا الأقدار تعبث بمسرحها كما يحلو لها. 
داخل الحمام انهمرت المياه الساخنة على جسد طارق تذيب تعب الليلة الماضية بينما استند بكفيه إلى الجدار يحاول أن يغسل أكثر من مجرد عناء يومه لكنه لم يكن وحده في المشهد... 
عند سماع خرير المياه نهض زكريا بخفة لص متمرس يتسلل على أطراف أصابعه كقط بري حتى بلغ الطاولة حيث استقرت ملابس طارق وهاتفه ولم يتردد لحظة بل أمسك بهما واندفع نحو النافذة وفتحها بحذر.
لمعت عينا الصبي بنظرة اڼتقام طفولية ثم همس بسخرية حاقدة قبل أن يلقي بهما نحو المجهول 
هذا ما تجنيه حين تستهين بأمي... 
ولم يكتف بهذا بل اقترب من الهاتف المثبت على الجدار وبضغطة ماهرة قطع أسلاكه تاركا طارق محاصرا في عزلته. 
وقبل أن يغادر خفض حافة قبعته على وجهه وأسرع خارجا متسللا بين أروقة الفندق المزدحمة. 
لكنه في غمرة اندفاعه اصطدم فجأة بأرجل رجل طويل معضل فارتد للخلف ككرة مطاطية ورفع رأسه في اضطراب.
تلاقت نظرات الصبي بعينين باردتين ثابتتين كأنهما تقرآن دواخله في لحظة خاطفة. 
أنا آسف... تمتم زكريا محاولا تفادي أي اشتباه. 
لكن نظرات الرجل اخترقته وسكنه إحساس غريب... كأنه يرى انعكاسا غير واضح لنفسه في تلك العيون.
رد الرجل بصوت منخفض كأنه يزن كلماته بميزان العقل 
لا بأس. 
ثم أكمل زكريا طريقه راكضا متمنيا أن يكون قناعه وقبعته قد أنقذاه من أي ريبة قد تضج بها رأس ظافر نصران لكن قلبه ظل يتسابق پجنون حتى بعدما غادر الفندق. 
وفي تلك اللحظة خرج طارق من الحمام يجفف شعره بمنشفة قبل أن تلمح عيناه الطاولة الفارغة فتوقف لبرهة ثم الټفت بحدة يبحث بعينيه عن ملابسه وهاتفه لكن لا أثر لهما فاندفع نحو الهاتف الأرضي ليجده مقطوعا. 
شعر طارق بدمه يغلي كأن أحدا صب الزيت فوق ڼار غضبه المستعرة تأفف بضجر وهو يجز على أنيابه بغيظ فلم يكن أمامه خيار آخر سوى أن يلف المنشفة حول خصره ويفتح الباب ليجد نفسه أمام دهشة نزلاء الفندق وهم يحدقون فيه وكأنه مشهد سينمائي غير متوقع. 
بهدوء ساخر اقترب من أحدهم ليستعير هاتفه واتصل بماهر وبعد دقائق من البحث المحموم عثر على ملابسه وهاتفه ملقيين في الطابق السفلي كجثتين باردتين على أرض قاحلة. 
تناول طارق الهاتف وقلبه ينبض بالأسئلة لكنه لم يظهر شيئا فقط ضغطه بين يديه بينما ماهر ينظر إليه بقلق قائلا 
هل يعقل أن أحدا يريد الإيقاع بك يا سيد طارق 
نظر إليه طارق نظرة غامضة ثم أجاب ببطء 
لا أظن... 
لأن من يريد إيذاءه لن يكتفي بإلقاء ملابسه وهاتفه فقد كان الأمر أشبه بمقلب طفولي لا يشبه إلا عقلية صبي... 
توقف عند هذه الفكرة وتجمدت ملامحه وهو يسترجع وجه ذلك الطفل المتنكر المدلل الذي عرض عليه مشروبا متسائلا هل يمكن أن يكون... 
ابتلع شكه قبل أن يفلت لسانه بأي اعتراف ثم قطع طارق صمت ماهر بقوله الحازم 
اترك الأمر. 
رفع ماهر حاجبيه في دهشة لكنه أطاع وإن كانت في رأسه ألف علامة استفهام. 
وما إن بدأ ماهر
في الحديث عن نتائج التحقيق الذي طلب منه حتى كان عقل طارق في مكان آخر تماما حيث أسئلة لم يكن مستعدا لمواجهتها...
الفصل 57 
نقل ماهر كل ما اكتشفه إلى طارق بصوت منخفض كأنه يهمس بأسرار الكون في أذنه 
كوثر وريثة العائلة العريقة تلك التي خط اسمها على جدران المجالس المخملية والسيدة تهامي كانتا زميلتان في الجامعة نفسها حسنا... اسمع السيدة كوثر قد غادرت البلاد فور تخرجها ثم عادت بعد فترة وجيزة من عودة السيدة تهامي... لكن ما كشفتهوهنا تكمن المفاجأةأن كوثر لم يكن قلبها جامدا كما يظن الجميع. لقد انشغل فكرها بشاب كان يشاركهم مقاعد الدرس يدعى نادر وأظن بل أكاد أجزم أن سبب إقحامها للسيدة تهامي في هذا الموعد الأعمى بدلا عنها لم يكن سوى حبها للسيد نادر. 
تسللت هذه الكلمات إلى أذن طارق كأنها سم حلو المذاق لم يعلق ولم ينبس بكلمة فقط تمادى في صمته بينما عيناه تأرجحتا بين الظلال إذ كان ذهنه يكتب سيناريوهات ويربط الخيوط ويعيد ترتيب الأوراق المحترقة. 
ارتدى طارق ملابسه الجديدة بحركة رتيبة كمن يرتدي قناعا إضافيا يخفي وراءه أفكاره ثم نزل إلى الطابق السفلي.
وهناك على مرمى نظره وقف ظافر ودينا... كان مشهد متقن كلوحة زيتية هو بوقفته الواثقة وهي بنظراتها الناعمة التي لا تخلو من الخبث يبدوان كزوجين خرجا لتوهما من قصة حب خطت بمداد رومانسي متقن. 
توقف طارق لثوان وكأن قدميه التصقتا بالأرض يتأمل المشهد قبل أن يقرر بصمت مطبق ألا يخبر ظافر بما حدث ذلك اليوم فببساطة بعض الحقائق تظل أكثر أمانا حين تبقى طي الكتمان.
في تلك الأثناء ارتجف هاتف سيرين بين يديها معلنا عن اتصال من كوثر كان صوتها على الطرف الآخر مشوبا بالشجن كأنها تحاول إخفاء حزن يفيض من بين كلماتها رغما عنها وتمتمت تقول بخفوت
سأعود إلى المنزل الليلة يا سيرين.
ترددت سيرين للحظة ثم سألت بصوت حذر وكأنها تخشى الإجابة 
كيف كان
الأمر هل وجدته
ارتجفت أنفاس كوثر للحظة كأنها تبتلع غصة مريرة عالقة في حلقها ثم همست بصوت
تم نسخ الرابط