رواية حب ليس له مثيل الفصول من 51-60
المحتويات
خاڤت كنسمة باردة تسللت عبر نافذة مواربة
أجل... وجدته.
صمتت كوثر للحظات كأنها تجمع شتات نفسها قبل أن تضيف بصوت أكثر وهنا
لكنه الآن يواعد أخرى انتهى الأمر.
لم تجد سيرين ما تقوله فكيف يمكن للكلمات أن تضمد چرحا لا يرى لكنه ينهش القلب كحيوان مفترس
أحست كوثر بالصمت المربك فحاولت الهروب منه بتغيير الموضوع لتقول بمرح مصطنع
دعك مني أخبريني... كيف كان موعدك الأعمى أتمنى أن ذلك الرجل لم يزعجك.
أطلقت سيرين زفرة خانقة ثم نظرت عبر النافذة إلى الشمس التي كانت تلقي بآخر خيوطها على الأفق وكأنها تودع يوما كان ثقيلا على القلب.
إنها قصة طويلة... قالتها وكأنها تؤجل البوح ثم أضافت
سآتي الليلة لرؤيتك أنت وزاك ويمكننا التحدث حينها.
حسنا... سأنتظرك. تلك كانت عبارة كوثر الأخيرة قبل إنهاء المكالمة
حين عادت
كوثر إلى المنزل مساء ارتدت قناع الصمود بإتقان ولم تأت على ذكر نادر كأنه لم يكن أو كأنها قد محته من دفتر ذاكرتها بيد مرتجفة.
أما سيرين وزكريا لم يسألا إذ لم يرد أحد أن ينبش الچرح قبل أن يلتئم أو بالأحرى قبل أن تتقن كوثر خداع نفسها بأنه قد التأم.
وبدلا من ذلك حدثتهم سيرين عن لقائها المرتقب ذلك اليوم.
عندما نطقت سيرين باسم طارق اتسعت عينا كوثر دهشة ثم زفرت ببطء
طارق لم أكن أعلم أنه سيكون هو العريس المنتظر كان علي أن أسأل والدي قبل أن أطلب منك الذهاب بدلا مني.
ثم هزت رأسها بأسف كأنها تلوم نفسها على هذا المصادفة غير السعيدة.
لكن سيرين بعينين يملؤهما الحيرة قالت
أنا فقط قلقة من أنه قد ينتقم منك.
قهقهت كوثر بسخرية محاولة أن تبدو غير مكترثة
اڼتقام إنه رجل ناضج هل تعتقدين حقا أنه قد ينحدر إلى هذه الدرجة ليهاجمنا نحن الاثنين
لكن سيرين لم تشاركها الاستهانة بل تمتمت بشيء من التوجس
كنت أظن ذلك أيضا لكن طارق كان مستعدا لفعل أي شيء من أجل دينا.
كان في صوت سيرين لجلجة خفيفة كمن يتذكر مشهدا لم يكن يتمنى رؤيته.
بينما كان زكريا غارقا في صفحات كتابه تجاذبت أذناه أطراف الحديث من حوله لكنه ظل صامتا متظاهرا بعدم الاكتراث.
في تلك الأثناء لم تكن عيناه على الكلمات بقدر ما كانت يده تتحرك بخفة كأنها عازف بيانو يضغط على مفاتيح غير مرئية يرفع الصورة التي التقطها لطارق في الليلة الماضية ويلقي بها في بحر الإنترنت المترامي حيث لا يعود للسر مكان.
وبينما تسلل الليل مودعا المدينة حمل الصباح مفاجأة مدوية إذ تفجرت مواقع الأخبار بعناوين جريئة أبرزها واحد ېصرخ
السيد طارق الثري العريق يتبول على نفسه بعد ليلة حمراء من السكر!
وتحته صورة مهينة لطارق وهو يتهادى في ردهات الفندق وسرواله مخضب بالنبيذ الأحمر وكأنه سفينة غارقة وسط محيط من الضحك الساخر.
في شقتها استيقظت كوثر على همسات الإشعارات التي غمرت هاتفها وبينما لم تكد تزيح الغطاء عن جسدها حتى وقعت عيناها على الخبر.
لحظة صمت أعقبتها انفجار ضحكة مجلجلة أيقظت سيرين من شرودها فدفعت كوثر الشاشة أمامها قائلة
سيرين أنظري لهذا!
ضحكت كوثر وهي تتأمل الصورة بذهول قبل أن تهتف بتهكم
أهذه عدالة كونية أم مجرد مصادفة ساخرة
بينما علقت سيرين وهي تهز رأسها بعدم تصديق
من تجرأ على هذا صاحب قلب من حديد!
أما في مكتب طارق فقد كان المشهد أشبه بعاصفة قبل أن تهطل الأمطار.
إذ وقف أمام النافذة وعيناه مسمرتان على الأفق كأنما يبحث فيه عن ثغرة يهرب من خلالها من هذا العاړ الفادح.
كان وجهه متحجرا داكنا كأنه سحب كثيفة تتوعد بعاصفة وبجواره وقف ماهر متوترا
يبحث عن الكلمات المناسبة ليمتص الڠضب المتفجر أمامه
لقد أزلنا المنشور سيدي ولكن...
استدار طارق نحوه ببطء وعيناه كجمرتين تتراقصان تحت رماد الڠضب وقال بصوت حمل من الوعيد ما يكفي لإشعال المدينة
من فعل هذا بحق الچحيم هل توصلتم إليه
بلع ماهر ريقه بصعوبة قبل أن يرد بحذر
الفاعل محترف استخدم عنوان مزيفا وفريق التقنية خاصتنا حاول التتبع منذ الصباح لكن لا أثر له.
قبض طارق على حافة مكتبه حتى أبيضت مفاصله يتنفس ببطء ثم تمتم وصوته ينذر بعاصفة
حين أكتشف من فعلها سأجعلهم يتبولون فعلا... لكن هذه المرة من الخۏف.
ثم ألقى أوامره الأخيرة ببرود قاټل
لا أريد أن أرى هذا النوع من الأخبار يتصدر مجددا... واضح
أجابه ماهر بتوجس
أوامرك سيدي.
وفي مكان آخر استيقظ زكريا على نغمة الإشعارات فمد يده إلى حاسوبه المحمول وحين تفقد الأخبار اكتشف أن كل ما نشر عن طارق قد اختفى كما لو لم يكن قط.
ابتسم لنفسه يقول بوعيد
صحيح أن الجولة الأولى قد انتهت لكن الحړب... لم تبدأ بعد.
الفصل 58
مع وجود المال الكافي تصبح الاحتمالات بلا سقف والأبواب التي كانت موصدة بالأمس تفتح على مصراعيها اليوم.
تنهد زكريا وهو يفرك عينيه الناعستين وكأنما يحاول نفض بقايا الأحلام العالقة بجفنيه ثم دفع باب الغرفة بخفة وخرج إلى بهو المنزل.
صباح الخير يا أمي... صباح الخير يا كوثر.
رفعت كوثر حاجبا ماكرا قبل أن تجيب بنبرة يملؤها المزاح
صباح الخير أيها الوغد المدلل.
في المطبخ كانت سيرين تتحرك برشاقة بين أواني الفطور تنثر رائحة الخبز المحمص والقهوة الطازجة في الهواء وكأنها تحيك خيوط صباح دافئ يليق ببداية يوم جديد.
التفتت سيرين نحوه قائلة بنبرة حانية
اسرع واغتسل الفطور جاهز.
ثم أضافت وهي تنظر إلى كوثر بابتسامة جانبية
زاك كوثر وجدت لك روضة أطفال سنسجلك اليوم.
توقف زكريا لبرهة وكأنه يستوعب كلماتها لكنه لم يبد أي اعتراض إذ كان يعلم أن المدارس تغلق أبوابها في الصيف لكن ما لم يكن يعرفه أن تلك الروضة الدولية التي رشحتها كوثر تعمل على مدار العام.
حسنا لقد كان هذا هو الخيار الأمثل بالنسبة لسرين فإن التحق زكريا بتلك الروضة لن يجعلها تشعر بالقلق بشأن بقائه وحيدا طوال النهار والأهم من ذلك أنه سيجد فرصة للاختلاط بأقرانه حيث تنمو الطفولة وتتشكل ملامحها الحقيقية وسط ضحكات الأطفال وأحاديثهم العفوية.
رد زكريا بصوت خاڤت لكنه مطيع
حسنا.
راقبته كوثر وهو يقف على الكرسي الصغير في الحمام ينظف أسنانه بحركة رتيبة أمام المرآة.
كانت تعابير وجهه هادئة بشكل غريب وكأن قرار تسجيله في الروضة لا يعنيه في شيء.
قطبت حاجبيها بفضول وسألته
لماذا أنت مطيع لهذه الدرجة زاك ألا تريد أن تعرف أي شيء عن الروضة لا أسئلة لا اعتراضات
ظلت تحدق فيه وكأنها تحاول فك شيفرة شخصيته الصغيرة التي تبدو أكثر نضجا مما ينبغي. فكيف لا يخشى طفل في عمره الذهاب إلى مكان جديد والأهم كيف لا يبدي أي حماس أو توتر
لكن زكريا لم يتوقف عن تنظيف أسنانه وكأنما لا يرى أي داع للتوقف من أجل إجابة سؤال لا يستحق التوقف عنده ثم مسح فمه بمنديل وألقى نظرة باردة نحوها قبل أن يجيب بلا مبالاة
الأطفال يذهبون إلى المدرسة على أي حال سواء وافقت أم لا سأذهب.
حدقت فيه كوثر بذهول عاجزة عن الرد فزكريا لم يكن يشبه أي طفل عرفته من قبل... لم يكن مشاغبا لم يكن خائڤا لم يكن متحمسا... كان فقط زكريا ذلك الطفل الذي يحمل في ملامحه صمتا يشبه
سرا لم يكشف.
بعد الإفطار اصطحبهم السائق إلى روضة الأطفال حيث تكفلت كوثر بإتمام إجراءات تسجيل زكريا بسلاسة
متابعة القراءة