رواية حب ليس له مثيل الفصول من 41-50
المحتويات
الآسر محاطا بهالة من الفخامة لا تتصنع ولا تتكلف.
لم تكن تلك الفتاة البسيطة
التي اعتاد رؤيتها من قبل بل كانت أشبه بأميرة خرجت للتو من حكاية لم تكتب نهايتها بعد.
تقدم ماهر إليها بخطوات محسوبة وحاول أن يبدو رسميا وهو يسألها
السيدة سيرين كيف يمكنني مساعدتك
جاء ردها باردا كحد السيف
أود رؤية السيد ظافر.
عند سماع مطلبها استعاد ماهر توازنه ورفع حاجبيه في لا مبالاة مفتعلة ثم قال بصوت محايد
السيد نصران مشغول اليوم أخشى أنه لن يتمكن من لقائك.
لكن سيرين لم تكن بالسذاجة التي يظنها فقد درست خطواتها جيدا قبل أن تخطوها ومن ثم نظرت إليه بتمعن كأنها تزن كلماته في ميزان لا يخطئ ثم مالت برأسها قليلا وقالت بنبرة ناعمة لكن مشبعة بالقوة
حقا إذن أبلغه أن تعاوننا انتهى هنا.
في تلك اللحظة بدت كلماتها كالقنبلة التي ألقيت في صالة الانتظار الهادئة فتغيرت ملامح ماهر فورا وارتبكت قسماته ثم ابتلع ريقه سريعا وهو يقول
لحظة سيدة سيرين سأتحقق من الأمر مع السيد ظافر!
ثم أسرع أمامها وقد تلاشت تماما تلك الغطرسة التي كانت تلوح في صوته منذ لحظات مفسحا لها الطريق نحو المكتب وكأنها ملكة تعبر البوابة الملكية لمملكتها.
عندما مرت سيرين بمكتب السكرتارية كانت الدهشة تملأ عيون السكرتيرات اللاتي عملن هناك منذ اختفائها الغامض قبل أربعة أعوام.
نظراتهن كانت أشبه بمرايا تعكس الصدمة وكأنهن يشاهدن شبحا ينبعث من رماد الماضي وأسئلة لم تنطق جالت بأذهانهن
هل كانت حقا قد ماټت أم أن الأشباح لم تعد حكرا على الأساطير
المرأة التي وقفت أمامهن لم تكن تلك الفتاة المتواضعة التي عرفنها يوما جاءت إلى هنا ترتدي ثوبا أنيقا تمشي بخطوات واثقة كأنها ولدت من جديد في قالب مختلف يحمل نفس الملامح لكن بروح أخرى.
ولجت سيرين إلى مكتب ظافر تحت وابل من العيون المشدوهة وكأن الزمن قد التف حول نفسه ليعيد مشهدا كان يجب أن يظل في طي النسيان.
في الداخل كان ظافر واقفا عند النافذة صامتا كتمثال يحرس أسرارا لا يجب أن تباح وهناك بدلة مصممة خصيصا تحتضن جسده الطويل وكأنها وجدت لتبرز حضوره الطاغية ظافر نصران.
طرق ماهر الباب ثم قال بصوت خاڤت
السيد ظافر.
انسحب ماهر بعدها في صمت مغلقا الباب خلفه فالموقف الحالي لم يعد يحتمل شهودا.
استدار ظافر ببطء لتلتقي عيناه بعيني سيرين تلك العينين اللتين طالما حملتا سحرا لا يقاوم.
كانت تقف عند الباب في زي أنيق زادها حضورا متوهجا لكن كل ما رآه في تلك اللحظة كان صورة قديمة لصاحبة الكأس المترع بالمشروب وعينيها المغمورتين بسحر آسر كأنها كانت تعقد اتفاقا سريا مع الليل نفسه وذلك عندما كان بالقصر الذي تسكنه عما قريب.
أما هي فشعرت بعدم الارتياح تحت عمق نظراته التي تتفرسها وكأنها تخوض معركة غير متكافئة أمام عاصفة لا تهدأ.
قالت بنبرة حاولت أن تبقيها ثابتة
السيد ظافر لست متأكدة من سبب ضغينة سكرتيرك لي وإصراره على عدم مقابلتي لك ومرافقته لي إلى هنا وكأنني مراقبة أو غير مرغوب في وجودي هنا . هل هناك شيء لا أفهمه
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة تحمل في طياتها مزيجا من التحدي والمرح قبل أن يقول بصوت هادئ لكنه مغو
تعالي إلى هنا.
ترددت لوهلة وكأن عقلها يقاوم الجاذبية التي لا تستطيع تفسيرها ثم خطت نحوه متوقفة على مسافة آمنة.
كان الهواء مشبعا برائحة خفيفة من السچائر تباينت مع ذاكرة قديمة فظافر لم يكن يحب الټدخين بل كان يمقته حد الهوس يحرص دائما أن تظل ملابسه خالية من أي رائحة قد تلطخ حضوره. لكن الناس يتغيرون أليس كذلك
اقترب منها خطوة أخرى عندما شعر بترددها فكانت المسافة تتآكل ببطء كأنها تسحب إلى نقطة اللاعودة.
ثم قال بصوت لم يكن يحتاج إلى رفعه ليسمع
تدعين أنك فقدت الذاكرة ألا تشعرين بالفضول لمعرفة ما حدث بيننا
نظرت إليه بثبات مصطنع وقالت
ما مضى قد انتهى. لا أريد سوى التركيز على الحاضر والمستقبل.
لكن ظافر لم يكن من النوع الذي يتقبل الإجابات السهلة لذا اقترب أكثر حتى باتت المسافة بينهما تقاس بالأنفاس حتى وجدت ظهرها يستند إلى الحائط وكأنها أصبحت رهينة للحظة لا مهرب منها... ثم.....
الفصل 45
لم يكن ظافر رجلا يكتفي بالإجابات السهلة بل كان كالصياد الذي لا يهدأ حتى يحكم قبضته على فريسته.
اقترب منها أكثر حتى باتت المسافة بينهما عدم لا يذكر وأنفاسه الساخنة تلفح جانب وجهها كأنها وشم من ڼار لا يمحى.
تراجعت سيرين خطوة إلى الخلف فوجدت ظهرها يستند إلى الحائط وكأنها باتت رهينة للحظة لا مفر منها لحظة معلقة بين الخۏف واليقين بين الماضي الذي يطاردها والحاضر الذي يأسرها.
تأملها للحظات وقد طفق بعينيه طوفان من المشاعر خليط مربك من الڠضب والعتاب والحنين مشاعر لم تستطع سيرين أن تفك شفرتها أو ربما لم ترد أن تفهمها.
غمغم ظافر بصوت هادئ لكنه يحمل صدى عاصفة وشيكة
من أين حصلت على كل هذه الأموال للأعمال الخيرية في أقل من خمس سنوات هل منحك كارم إياها
ما لم تكن تعرفه سيرين هو أن ظافر لم يذق طعم النوم منذ رحيلها وأن الأيام القليلة الماضية لم تحمل له سوى أرق يتغذى على صورها مع كارم وبات الأرق بهواجسه بهما غولا ينهش عقله بلا رحمة.
حاولت سيرين أن تحافظ على تماسكها كي تبدو واثقة من حالها وهي تقول
أنا وكارم مجرد صديقين... لقد كسبت مالي بنفسي
لكنها لم تكد تنهي جملتها حتى أحاطت يديه بكتفيها تلك اليد التي هوت عليها ببطء كقيد غير مرئي قبل أن تنزلق إلى أسفل لتلتف حول ذراعيها كأنها تطوقها بوعد مبطن بل كټهديد صامت أو ربما توسل خفي ومن ثم عاود سؤاله بغشم
كيف حصلت على هذا كله! ماذا أعطيته في المقابل سيرين اجيبيني كانت نبرته مشحونة بشيء أعمق من مجرد الفضول شيء يشبه الغيرة لكنه مسمۏم بالشك.
دوى السؤال في رأسها كصدى في كهف معتم فحدقت فيه بعدم تصديق وارتجفت شفتاها قبل أن تنطق ماذا قلت
يداه كانتا دافئتين لكن كلماته كانت بردا يزحف تحت جلدها يجعل أطرافها ترتجف بغير إرادتها.
عضت سيرين على شفتيها پقهر عندما شعرت بالډماء تتدفق سريعا إلى قلبها كأنها تحاول أن تهرب منه لكنها كانت عالقة محاصرة وكأن الجدران نفسها تآمرت مع ظافر لسجنها.
اقترب أكثر حتى كادت أنفاسه تتسلل إلى أذنيها قبل أن يهمس بكلمات حملت سما مغلفا بالعسل
أخبريني كم أعطاك كارم... ومهما أغدق عليك من مال سأضاعفه!
رفرفة جفونها كانت وسيلة لكبح عبراتها إذ لم يكن صوته مجرد كلمات بل كان حبلا يلتف حول عنقها ببطء يجرها إلى هاوية لا قرار لها.
مترددة لكنها تحمل جرأة الجناة الذين لا يخشون العقاپ.
لمساته دقيقة وفي مقټل وكأنه يرسمها بيده أو كمن يرغب في أن يختمها بنسيج روحه أجل فهو يريد أن يسجنها بين ضلوعه إلى الأبد أن يطبعها بسكه كي تكون له إلى ما لا نهاية له هو فقط في هذه اللحظة جل ما كان يريده هو أن يصبغها بألوانه
حتى تصير جزءا منه... مهما كان الثمن.
هل تتذكرين كم تدين لي عائلتك كانت كلماته قاطعة كحد
متابعة القراءة