رواية حب ليس له مثيل الفصول من 11-20
المحتويات
إليها نادما بعد كل الفراق والخيبات التي تسبب لها بها وكان صوته متهدج وهو يعتذر يمد يده إليها وكأنها طوق النجاة مقترحا عليها أن يتصالحا.
ترددت لكنها بالنهاية استسلمت... إذ ظنت
أن الأمور ستعود
أفضل مما كانت وأن الحب سيغسل كل الجراح.
لكنها لم تكد تذوب في سعادتها حتى اختفى مجددا... وتركها وحدها تماما كما فعل من قبل.
استيقظت فجأة أنفاسها متلاحقة.
علت لتتحسس زوايا عينيها حيث وجدت الدموع تتلألأ بصمت.
قالوا إن الأحلام ليست سوى انعكاس لما يدور في العقل طوال اليوم.
لكنها لم تجرؤ على أن تأمل في ندمه ولم تجرؤ أكثر على التساؤل لو عاد حقا هل كانت ستسامحه
هطول المطر في الخارج كان مستمرا ينسج سيمفونية باردة على زجاج النافذة بينما ساد الصمت داخل الغرفة إلا من أنفاس سيرين التي تخرج متلاحقة كأنها تطارد أفكارها. بعد أن نهضت من سريرها وغسلت الأطباق بآلية رتيبة شعرت بثقل الوقت يتسلل إلى صدرها كأن عقارب الساعة تتباطأ عمدا لتزيد من توترها.
وقفت أمام هاتفها تتأمله مطولا قبل أن تمد يدها نحوه عازمة على الاتصال بظافر
وطلب لقائه في المحكمة لإنهاء كل شيء... ولكن قبل أن تضغط على الرقم جاءها صوت طرقات على الباب حاسما متزنا.
تجمدت في مكانها وهي تحدق في الباب للحظات ثم زفرت ببطء إذ ظنت أنه كارم ربما قد جاء ليطمئن عليها أو ليواسيها بكلماته المعتادة.
تحركت سيرين بخطوات بطيئة نحو الباب وعندما فتحته تجمدت أنفاسها في حلقها... تغمغم بنبرة مصډومة
ماهر!
كان الاخير يقف هناك بملامحه الجادة مرتديا بدلة رسمية بلون داكن تتكامل مع نظارته ذات الإطار الذهبي التي أضافت إلى مظهره وقارا محسوبا بدقة.
لم يكن وصول ماهر مفاجئا تماما فهو دائما يعرف كيف يجدها لكن رؤيته هنا الآن جعلت قلبها يخفق بإيقاع غير منتظم.
رفعت سيرين حاجبيها في تساؤل وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتا
السيد ماهر ما الذي أتى بك إلى هنا
ألقى نظرة سريعة داخل الشقة يتفحصها بعينيه الحادتين كمن يبحث عن شيء محدد.
لم يكن هناك رجل ولا حتى أثر لوجود أحد غيرها مما جعله يعتدل في وقفته قبل أن يجيب بصوته الرزين المحايد حد البرود
السيدة تهامي السيد نصران طلب مني أن أوصلك إلى المنزل.
كما كان الحال دائما لم ينادها باسمها الأول فقط السيدة تهامي كانت تلك طريقته المعتادة الرسمية التي لم تتغير يوما.
أطرقت برأسها للثوان وهي تشابك أصابعها في حركة عصبية ثم رفعت عينيها إليه وقالت بصوت هادئ لكنه مشبع بالتصميم
لن أعود... وبما أنك هنا أود منك إيصال رسالة للسيد نصران... أخبره أنني أريد إنهاء إجراءات الطلاق اليوم.
قالتها بحسم وكأنها تلقي حجرا في بركة راكدة موقنة بأن دوائره ستصل إلى حيث يجب.
في تلك اللحظة تذكرت مكالمة ظافر بالأمس. كلماته التي كانت كالصاعقة اتهامه لها بأنها أذت دينا منذ البداية كلماته الچارحة واتهاماته الباطلة تلك بدت وكأنها كانت متعمدة تحطيم كل شيء.
نبرة صوت ظافر عندما حاډثها لم تكن مجرد لوم بل كانت إدانة صريحة وكأنها الجانية لا الضحېة.
مرة أخرى... تلقى عليها التهم وكأنها وحدها المسؤولة عن كل شيء.
لحظة صمت ثقيلة مرت بينهما. لاحظ بعدها ماهر التغيير في نبرة صوتها وفي عينيها اللتين لمعتا بتصميم لم يعهده فيها من قبل... إذ قد سمع مسبقا عن رغبتها في الطلاق من ظافر لكن رؤيتها تنطق بذلك بنفسها كان أمرا آخر.
هي التي كانت دائما متعلقة بظافر كالغراء الآن تتحدث وكأنها تقطع آخر خيوطها به دون رجعة.
عبست ملامح وجه ماهر قليلا كمن يزن كلماته قبل أن ينطق بها ثم قال بنبرة منخفضة لكنها مشبعة بالتحذير
السيدة تهامي أنصحك بأن تدرسي عواقب الأمور جيدا... السيد نصران غاضب بالفعل الآن.
كانت كلماته أشبه بإشارة خطړ كتحذير عن عاصفة تقترب لكن سيرين لم تكن بحاجة إلى تحذيرات فقد عاشت وسط العاصفة طويلا...
والآن حان وقت الخروج منها مهما كلفها الأمر.
الفصل 13
ماهر لم يكن يقدم لها النصح بل كان يلقنها الدروس
لطالما كان لسيرين نصيبها الوافر من الوعظ غير المرغوب فيه فقد كان بإمكان أي شخص في محيطها أن يتبرع بإسداء نصيحة لهابدءا من أفراد أسرة ظافر مرورا بماهر وصولا إلى السكرتيرات وحتى أدنى الموظفين في القصر لربما كان الجميع يجدون في ذلك متعة غامضة وكأن توجيهها واجب مقدس بينما لم يكن يطلب منها سوى أن تستمع شاكرة وتبتسم امتنانا حتى لو تجرعت مرارة التوبيخ
لكنها لم تعد تلك الفتاة التي تتلقى الأوامر صامتة لقد سئمت من أن تكون هدفا سهلا لمن يهوى التحقير والتوجيه
تصلبت أصابعها المرتخية على جانبيها وانغلقت في قبضة كأنها تكبح زوبعة توشك أن تخرج عن السيطرة
رفعت سيرين عينيها إلى ماهر نظرتها كانت صقيعا خالصا لا دفء فيه ولا تردد ثم نطقت بصوت منخفض لكنه نافذ كالسهم يخترق صدر من يستمع إليه
وما شأني أنا إن كان سيدك غاضبا إن لم يكن لديك شيء آخر لتقوله فأرجو أن تغادر
ردها لم يكن مجرد رفض بل إعلان واضح بأن زمن الامتثال الأعمى قد ولى
تردد صدى كلماتها في أذني ماهر فشعر بقشعريرة باردة تزحف عبر عموده الفقري إذ لم يكن معتادا على هذا البرود منها فقد كانت سيرين دائما مطواعة هادئة سهلة الانقياد أما الآن فقد بدت كشخص آخر تماما
وقبل أن يلتقط ماهر أنفاسه من غرابة ما يسمع وما يرى صفع وجهه بالمشهد الأخيرباب يغلق في وجهه بقرار صارم لا رجعة فيه
كانت تلك أول مرة ترفض فيها سيرين الخضوع لأوامر ظافر كان هو من اعتاد معاملتها بلامبالاة
هز ماهر رأسه بعدم تصديق فمن كان يتوقع أن يأتي اليوم الذي تنقلب فيه الأدوار وهل تجرأت سيرين حقا على التخلي عن إرضائه
كان واضحا أنها تدرك جيدا أن ماهر سينقل له ما جرى لحظة أن تطأ قدماه عتبة القصر ومع ذلك لم ترتبك ولم تخش العواقب
جلست سيرين على الأريكة ثم أراحت ظهرها مطلقة زفرة
هادئة كمن يستعد لمواجهة العاصفة القادمة
في ذلك اليوم زأرت الرياح الهائجة وارتطمت بالنوافذ كأنها كائنات غاضبة تبحث عن مأوى
بينما في الداخل كانت سيرين مستلقية على الأريكة تلتف حول نفسها بحثا عن الدفء رغم أن الصيف كان في بداياته لكن البرد الذي شعرت به لم يكن متعلقا بالمواسم بل بشيء أعمق أكثر تسللا أكثر قسۏة
مر الوقت بلا ملامح بلا إحساس
وكأن عقارب الزمن قد تحللت في سكون شرودها لا تطرق باب وعيها ولا تترك أثرا في إدراكها لم تكن تعلم كم مضى وهي غارقة في غياهب فكرها تتلاشى في متاهة أفكارها كقطرة حبر تذوب في ماء راكد حتى انطلق جرس الباب كان رنينه حاد جاف كحد سکين يخترق السكون القاتم
في البداية لم تنتبه أو ربما
رفض وعيها الاستجابة لكن الرنين عاد متكررا أكثر إلحاحا كأنه يوقظها من سبات عميق
نهضت ببطء دون استعجال كأنها كانت تعرف من يقف بالخارج لم تحتاج إلى النظر عبر العين السحرية ولا حتى أن تتخيله يكفيها أن تشعر بثقله يتسلل عبر الباب قبل أن تراه
وحين فتحته ارتفع نظرها تلقائيا كما لو أن عينيها اعتادتا على
متابعة القراءة