رواية حب ليس له مثيل الفصول من 1-10
المحتويات
بعينين غائمتين وكأنها ترى في كل حبة منها نهاية لمعركة خاضتها وحدها مع عالم لم يترك لها خيارا
الفصل السابع
في قصر عائلة نصران حيث تسكن الفخامة بملامحها الصاړخة وتنطق الجدران برائحة الزمن العتيق استلقى ظافر بجسده المنهك على أريكة غرفة المعيشة الواسعة تلك التي تحمل بين أنسجتها عبق الأيام وذكريات العائلة
عاد للتو إلى المنزل منهكا بعد يوم شاق زفر پاختناق وكأنه يحمل أثقال العالم على كتفيه لم يكلف نفسه عناء تشغيل الأضواء ربما لأن العتمة كانت أكثر توافقا مع فوضى أفكاره
بيده المرتجفة راح يدلك صدغيه في محاولة منه لتخفيف ما علق برأسه من أوجاع عيناه مغمضتان وصدره يعلو ويهبط وكأنما يحاول إفراغ ثقل ما بداخله مع كل زفير
الوقت يمضي والصمت يخيم لكن فجأة انقلب سكون اللحظة على أعقابها وانفتحت عيناه دفعة واحدة وكأنهما استجابتا لنداء خفي اخترق أحلامه المجهدة
استفاق ظافر بجسد مشدود كوتر عود ونبضاته تتسارع كمن يركض هاربا من خطړ غير مرئي كابوس آخر زاره في نومه لكنه لم يكن كسابقه كان كابوسا مشحونا بملامح وجه واحد فقط سيرين تلك الملامح التي باتت تطارده في يقظته كما تطارده في أحلامه
كانت الرؤية غريبة غامضة كمشهد مسرحي من عالم آخر يعرض خصيصا له حاول أن يستجمع أنفاسه أو يفسر ما حدث لكن عقله كان عالقا في تفاصيل الحلم أو بالأحرى في تفاصيل سيرين تلك التي أصبح حضورها أشبه بشبح لا يريد الرحيل
لم يستطع ظافر أن يستوعب الحلم الذي أيقظه في منتصف الليل ذلك الکابوس المروع الذي رأى فيه مۏت سيرين شعور ثقيل بالخۏف تسلل إلى صدره وكأن الحلم كان أكثر من مجرد صورة عابرة من عالم اللاوعي بدا أشبه بنبوءة غامضة مشحونة بواقعية مرعبة
مد يده المرتعشة نحو هاتفه وعيناه تلتقطان بصعوبة تلك الأرقام المتوهجة على الشاشة الساعة تشير إلى الرابعة صباحا
كان يعلم جيدا أن هذا اليوم يحمل معه نهاية شيء كان ذات يوم جميلا نهاية فترة التهدئة التي قررا أن يختبرا خلالها إمكانية استعادة ما ضاع اليوم اتفقا على إغلاق ذلك الباب نهائيا باب زواجهما
دفعه إحساس غامض بالقلق لأن يكتب لها رسالة نصية أنامله تحركت بتردد وكأن الكلمات ثقل على صدره ولكنه كتب في النهاية
لا تنسي أننا سننهي إجراءات الطلاق اليوم
في الجهة الأخرى كانت سيرين تحمل هاتفها حينما انبثقت الرسالة على شاشته في هذه الأثناء شحب وجهها وكأن الكلمات سلبت منها ما تبقى من قوة خفتت أنفاسها وشعرت بأنها على وشك الاڼهيار
هوى جسدها على أول متكأ إذ لم تكن قادرة حتى على الوقوف بثبات ولكن رغم ذلك وبإرادة هشة فتحت تسجيل الصوت وردت بنبرة مرتعشة
آسفة ربما لن أتمكن من الحضور اليوم لكن لا تقلق سنحصل بالتأكيد على الطلاق
لم تكن تماطله فالمۏت لا ينتظر أحدا ولا يعطي إنذارا حينما ستختفي سيرين عن هذا العالم ستكون الحقيقة الصاډمة أنها رحلت ومعها ما كان يربطهما يوما وبوفاتها سينتهي زواجهما بطريقة لم يكن أي منهما يتخيلها
وأخيرا تنفس ظافر بعمق وكأن صدره قد تحرر من حمل ثقيل كان يقيده لسنوات شعور بالارتياح اجتاحه فجأة دون أن يستطيع تفسيره كما لو كان صوتها الذي تردد في أذنيه من خلال الرسالة الصوتية التي أرسلتها قد تسلل إلى أعماقه ليعيد ترتيب فوضى مشاعره كان يعلم بل يوقن أن سيرين رغم كل شيء لن تكون تلك المرأة التي قد تقدم على إنهاء حياتهما معا هي قوية بما يكفي لتحمل عذاباتها أبدا لن تسمح پتمزيق رباط زواجهما مهما بلغ الألم
بتلك القناعة التي تضخمت في أعماقه كيقين لا يقبل الشك
مد يده نحو هاتفه واتصل بها
على مر السنوات الماضية كانت المكالمات الهاتفية بينهما تعد على أصابع اليد إذ أن ظافر لم يكن من أولئك الرجال الذين يفرطون في الحديث فقد كان صمته أبلغ وكلماته شحيحة يفضل النصوص المختصرة عن المكالمات الطويلة ومع ذلك وفي تلك اللحظة بالتحديد كان دافعه أقوى من روتينه المعتاد
رن الهاتف وسرعان ما التقطت سيرين المكالمة كان صوتها الذي لطالما حمل مزيجا من الحذر والانتظار يتردد بالكاد في البداية لكنها لم تملك فرصة للكلام إذ اخترق صوت ظافر الهواء ببرودة تخللت أذنيها كما لو كان يحمل ثقلا من مشاعر دفينة لم تنطق بعد ولكنه اختار أن يبدأ الحديث بعكس عادته وكأن هذه المكالمة كانت تحمل بين طياتها أكثر مما يبدو
قال ظافر بحزم واه
صبري محدود
يا سيرين أنت من طلبت الطلاق!! هل تشعرين بالندم على زواجنا لأنني لم أعطك المال أراهن أن 300 مليون دولار ليست كافية لإقناعك بالزواج من شخص جديد
انقبض قلب سيرين وشعرت وكأن الهواء من حولها قد تجمد حلقها بات ضيقا كأنها تبتلع غصة مريرة ولم تعد قادرة على استيعاب أي كلمة أخرى مما يقول كل حرف كان يسقط على مسامعها كطعنات خفية تخترق صمتها الموجع
في النهاية قاومت نوبة اڼهيارها فهي تعلم جيدا أنها لم ترتكب ما اتهمت به توا ولم تكن لتتحمل ظلما يطوق عنقها لذا استجمعت شتات روحها ورفعت صوتها المرتجف بكلمات تحمل مرارة وقوة في آن
ظافر لم أهتم يوما بأموالك طوال سنوات زواجنا المال لم يكن يوما دافعي ولن يكون أبدا! ربما لن تصدقني لكنني سأقولها رغم ذلك لم أكن أعلم أن والدتي وأخي قد خالفا العقد حينها ولن أتزوج أي رجل على وجه الأرض مقابل ثلاثمائة مليون دولار حتى لو كانت حياتي تتوقف على ذلك!
كانت كلماتها تتعثر كأن كل حرف يخرج منها يثقل كاهلها أكثر أنفاسها متلاحقة وعيناها تملؤهما العبرات التي ترفض الانحدار
وعلى الجهة الأخرى من الخط كان ظافر يصغي لصوت الرياح التي تصفع نافذتها والمطر الذي يطرق بشدة كأنه يعكس اضطرابها الداخلي
سألها بصوت يقطر قلقا وحيرة
أين أنت الآن
لكن سيرين لم تعد تسمع بل كانت غارقة في موجة من المشاعر المتلاطمة بينما قبضت على الهاتف كأنه طوق نجاة وسط عاصفة هوجاء وعادت تردد بصوت بالكاد يسمع وكأنها تخاطب نفسها أكثر من ظافر
لو كنت أعلم ما فعلته أمي وأخي لما اخترت هذا الطريق لو كنت أعلم أنك أحببت دينا لما وافقت على هذا الزواج من البداية ولو كنت أعلم أن والدي سيصاب في يوم زفافنا لما كنت لأرتدي ثوب العروس أبدا!
كررت العبارة الأخيرة كأنها تحفرها في ذاكرتها لم أكن لأتزوجك وكأنها تعيد صياغة حكايتها بصوت يفيض بالندم والألم لتترك كلمتها الأخيرة عالقة بين صخب العاصفة وضجيج المشاعر
كان ظافر يستطيع دون أدنى جهد أن يلتقط من نبرات صوتها وارتعاش كلماتها مدى الضيق الذي أثقل قلبها طوال تلك السنوات
كان رتمه أشبه برائحة الماضي التي تعصف بالوجدان تلك الرائحة أخبرته دون كلام عن شعور دفين بالندم يتخلل اعترافاتها
وبينما كانت كلماتها تتغلغل في عقله كسم بطئ شعر فجأة بثقل رهيب يخنق صدره وكأن كتلة كالعلقم التصقت بحلقه تمنعه من التنفس حاول التماسك لكن الڠضب والذهول كانا أسرع في السيطرة عليه
بأي حق تندمين على زواجنا! صوته الذي كان عادة ثابتا اهتز هذه
متابعة القراءة