رواية حب ليس له مثيل الفصول من 21-30

موقع أيام نيوز

من خارج البلاد...
وفي هذه اللحظة تحديدا ظهرت سيارة سيرين الفارهة أمام المقر الرئيسي لمجموعة نصران وتوقفت بثبات كأنها سفينة ألقت مرساتها بعد طول إبحار.
رفعت سيرين بصرها إلى ناطحات السحاب التي ارتفعت شامخة كل واحدة منها تروي فصولا من قصة نجاح بدأت بخطوات ثابتة وانتهت بإمبراطورية تحسب لها ألف حساب.
كل ذلك كان بفضل الإدارة الحديدية لظافر ورؤيته الثاقبة التي جعلت الشركة تحلق في سماء النجاح وكأنها طائر جبار لا يعرف الهبوط.
لكن سيرين لم تكن أقل شأنا أربع سنوات مضت لم تهدرها سدى بل حولتها إلى سلاح ماض فبمساعدة كارم أطلقت سيرين شركتها الخاصة وراحت تنسج خيوط نجاحها بصبر ودقة وراكمت ثروة لم تكن تتخيل أنها ستصل إليها يوما.
أما الآن وقد عادت إلى المدينة فقد جاءت محملة بخطط محكمة ولم يكن مشروع الأمل سوى البوابة التي ستعبر من خلالها إلى قلب اللعبة.
كانت تعلم أن مجموعة نصران بصدد إطلاق هذا المشروع الطموح حيث سيتم ضخ رؤوس أموال ضخمة لتنفيذه على مستوى البلاد لذا وجدت الفرصة سانحة لتقديم اقتراح استثماري يفتح لها الباب للعب دور في هذه المعادلة وللاقتراب من ظافر ليس كمتفرجة بل كجزء من المشهد.
لم تترك شيئا للصدفة كانت تدرك أن مجرد تقديمها لعرض شراكة مالية لم يكن ليكفل لها فرصة لقاء ظافر وجها لوجه لذا اختارت أن تسبق خطوتها الأولى بمفاجأة مدوية.
في الليلة الماضية ظهرت في المزاد الخيري حيث الأضواء تتقاطع والعيون تترقب لم تكن بحاجة إلى أن ترفع صوتها أو أن تثير ضجيجا حضورها وحده كان كافيا ليشعل فضول ظافر ويدفعه إلى الاقتراب... على ظهر أسده الخاص!
عندما انفتح باب السيارة ببطء نزلت سيرين بخطوات واثقة كأنها ملكة تهبط من عرشها على أرض المعركة.
الهواء النهاري لامس بشرتها برقة بينما تراقص ضوء الشمس على ثوبها الأنيق كأنها شهب تائهة في فضاء مظلم.
كان ماهر ممثل مجموعة نصران يقف عند المدخل ينتظر بترقب يشوبه القلق وبمجرد أن
وقعت عيناه عليها انتفضت ملامحه بدهشة خفية.
لم يكن يتوقع أن يكون صاحب العمل... امرأة! بل امرأة تحمل حضورا طاغيا يسبقها بخطوة.
تلعثم لثوان قبل أن ينطق
أنت... تهامي
رفعت حاجبها في مزيج من الاستفزاز والمرح وكأنها تراقب رد فعله كصياد يختبر صبر فريسته.
لم تؤكد ولم تنف بل تركت الغموض يتلاعب بفضوله.
لماذا هل يبدو لك أنني لا أستطيع أن أكون تهامي
ارتبك للحظة ثم حاول التراجع عن سوء التقدير
بالطبع لا أنت... ملاك جميل من الداخل والخارج.
كانت كلماته تتدحرج بسهولة مبالغ فيها وكأنه ينفث دخان مجاملة زائفة.
ابتسمت سيرين ابتسامة هادئة بينما عقلها يدرك الحقيقة لقد وقع في فخها بسهولة.
قادها ماهر إلى قاعة كبار الزوار ثم انحنى قليلا قبل أن يغادر ليستدعي المسؤول.
بقيت سيرين في الغرفة تتفحص المكان بعيني صقر يدرس أرضه قبل الھجوم.
لم يطل انتظارها فسرعان ما تناهت إلى مسامعها خطوات واثقة يتبعها صوت باب يغلق بإحكام خلف الداخل.
رفعت نظرها فتلاقت عيناها بعينين تعرفهما جيدا... عينين كأنهما شفرتان باردتان تستعدان لشق طريقهما إلى أعمق نقطة في عقلها.
إنه ظافر.
لم يكن بحاجة إلى أن ينطق اسمه فقد كانت نظراته تكتب اسمه في الهواء بينها وبينه.
التقت أعينهما في صمت متوتر لكنه كان صمتا صاخبا بالأسئلة غير المنطوقة.
أما سيرين فقد تظاهرت بالدهشة وكأنها ترى وجها غريبا لأول مرة.
أنت
تضييق عينيه الطفيف كشف عن عدم تصديقه لكنها تابعت عرضها ببراعة ممثلة محترفة.
اقترب منها خطوة فبدا كأن الهواء بينهما صار أثقل وكأن الغرفة ضاقت فجأة.
همس بكلمات ذات مغزى كمن يلقي شبكة من الشك حولها
يا لها من... مصادفة.
تعمد التوقف عند الكلمة الأخيرة ناطقا إياها وكأنه يكشف خدعة سحرية أمام جمهور مذهول.
لكنها لم تترنح بل أمالت رأسها قليلا وحدقت فيه ببرود متصنع
أنت المسؤول عن هذا المشروع
ابتسم ظافر ابتسامة باهتة لكنها كانت تحمل خلفها ألف معنى ومن ثم أجابها بابتسامة واثقة
أنا مسؤول عن مجموعة نصران.
ثم أضاف ببطء مقصود
اسمي ظافر نصران.
نظر إليها نظرة طويلة وكأنه يعيد رسم ملامحها في ذاكرته يبحث عن الفجوات عن العلامات التي قد تكشف سرها.
في ذلك اليوم اختارت سيرين ارتداء ملابس عمل رسمية بألوان حيادية لا تحمل أي رسائل لكنها رغم ذلك بدت أكثر حضورا مما أراد أكثر قوة مما توقع... وكأنها جاءت لتقلب الطاولة لا لتجلس عليها.
قبل أن تطأ قدماها عتبة اللقاء كان ظافر قد فكك اللغز بأكمله.
لم يكن بحاجة إلى تلميحات أو تقارير فالأمر كان واضحا كالشمس التي تشرق على غير موعد.
سيرين لم تكن مجرد ذكرى تائهة في أروقة الماضي بل كانت سيدة أعمال ذات دهاء تؤسس شركاتها في الخفاء وتنسج خيوط المستقبل كما تريد.
منذ شهر كانت قد وضعت حجر الأساس لمشروع الأمل جالسة على طاولة التفاوض مع مدير العمليات في مجموعة نصران تناقش التمويل بعقل بارد وروح جامدة وكأنها لم
تترك وراءها مدينة من الذكريات المهدمة.
والآن ها هي أمامه بكامل حضورها الذي لم يتزحزح قيد أنملة تمد يدها وعلى وجهها ابتسامة رسمية تكاد تفضح أكثر مما تخفي
إذن أنت السيد نصران. يا لها من متعة أن أقابلك.
لم تهتز نبرتها ولم ترف لها عين وكأنها لم تترك خلفها قلبا احترق وكأن هذا اللقاء ليس إلا محطة عابرة في جدول أعمالها الصارم.
لكن ظافر لم يكن من هؤلاء الذين يتركون في الهامش لم يكن من أولئك الذين ينسون بسهولة كفقاعة صابون في مهب الريح.
وقبل أن تتمكن حتى من إنهاء جملتها قطب حاجبيه وقطع حديثها بنبرة تحمل من السخرية بقدر ما تحمل من الألم 
لا أريد التحدث عن العمل اليوم. دعينا نتحدث عن فقدان ذاكرتك.
كان يراقبها بعيني صياد أدرك أن فريسته تحاول التملص يمسك بخيوط اللعبة بإحكام منتظرا أن تنزلق منها كلمة أن يشي وجهها بشيء أن تهرب نظراتها ولو للحظة.
لكن سيرين كانت أقسى من أن ټنهار بهذه السهولة.
عم الغرفة صمت ثقيل لم يكن مجرد صمت عابر بل كان وكأن الأكسجين ذاته قد انسحب من رئتيها تاركا وراءه فراغا يخنق الروح قبل الجسد.
شعرت بأنفاسها تصبح أقصر وكأن الهواء قد أصبح يؤرقها وكأن الغرفة لم تعد تتسع لهما معا.
أما ظافر فقد وجد نفسه أمام المرأة التي ظلت تلاحقه كظل في ذاكرته تتسلل إلى أحلامه رغما عنه تطارده كقصيدة غير مكتملة تأبى أن تكتب حتى النهاية.
كيف له أن يصف إحساسه الآن كيف له أن يواجه المرأة التي كانت يوما شغفه الأكبر ثم أصبحت لغزه الأعقد
إذا كنت لا تتذكرينني فمن تتذكرين كارم
لو أن هذه الكلمات كانت قد قيلت لسيرين في وقت آخر قبل سنوات ربما لكانت قد اشتعلت ڠضبا وصفعت الاتهام بعاصفة من الإنكار لكنها الآن ليست نفس المرأة.
الآن هي أم لطفل مريض وأمام ذلك لا شيء آخر يهم.
تنفست ببطء وكأنها تجمع شتات أفكارها قبل أن ترد بصوت لم يحمل أي انفعال 
لا أفهم ما الذي تقصده لكنني لا أكذب عليك ظافر. أنا لا أذكر أي شيء وهذا ليس اختياري... لقد أصبت باكتئاب يلتهم الذاكرة... يحول الدماغ إلى أرض جرداء تتلاشى فيها التفاصيل كما تتلاشى الألوان في لوحة تركت تحت المطر... إنه ليس مجرد حزن إنه مۏت بطيء لما كنته يوما.
توقفت للحظة تبحث عن الكلمات التي ستشرح ما لا يمكن تفسيره ثم أضافت بصوت أكثر هدوءا
قال لي الطبيب إن فقدان بعض الذكريات قد يكون آلية دفاعية... أن العقل أحيانا يمحو ما يؤذيه يطمس الوجوه والأحداث كما تطمس الرياح آثار الأقدام على الرمال ربما لم أشأ أن أتذكر... ربما لو عاد كل شيء سينهار شيء بداخلي لن أستطيع إصلاحه أبدا.
نظر إليها ظافر طويلا كأنما يحاول أن يقرأ ما وراء كلماتها أن
يفك شيفرة مشاعرها كما اعتاد أن يفعل قديما.
لكن الحقيقة الوحيدة التي كان واثقا منها الآن... أنه أمام امرأة لم يعد يعرفها امرأة تحمل ملامح سيرين لكن روحها روحها أصبحت مجهولة... ومع ذلك بات هوسه الأعظم أن يبحر في أغوارها فهي وبجميع أحوالها أشبه بمغناطيس يجذبه إليها.
الفصل 30 
كان ظافر قد ألقى نظرة متفحصة على السجلات الطبية لسيرين منذ أربع سنوات حينها أدرك أنها كانت أسيرة اكتئاب حاد غارقة في ظلامه كما الغريق في بحر بلا شطآن 
حاول أن يفهم طبيعة هذا الاضطراب وجاهد كي يفكك طلاسمه المعقدة لكن مهما تعمق لم يستوعب كيف يمكن للذاكرة أن تخون صاحبها إلى هذا الحد 
صحيح أن الاكتئاب قد يعبث بالذاكرة فهو كفيل بأن يجعلها ضبابية لكنه لا يمكن أن يمحو شخصا بالكامل من الوجود 
كيف لها ألا تتذكره وهو الذي ظل جزءا من عالمها لأكثر من عقد من الزمن 
ظل ظافر هادئا متشبثا بصمته كمن يخشى أن ټنهار جدران روحه إن نطق بحرف 
لكن صوت سيرين ظل يتردد بعقله متذكرا عينيها اللتين كانتا تسبحان في بحر من الحيرة حينما سألته هل التقينا من قبل أم أنك واحد من الغرباء الذين قاموا بأذيتي وإن لم تكن كذلك فلماذا لا أذكرك 
تتذكرك 
كانت كلماتها كالسيف الذي شق طريقه إلى صدره بحد نافذ وكأنها تمزق شيئا ما بداخله لم يكن يعلم بوجوده حتى تلك اللحظة لكنه لم يسمح لصډمته بالظهور بل تبدلت نبرة صوته متحولا إلى برود ثلجي وهو يجيبها 
يبدو أنك تفكرين أكثر مما ينبغي يا آنسة تهامي لقد كنا مجرد سفن عابرة في ليل بلا قمر كل منا مضى في طريقه دون أن يترك أثرا 
لقد قرر في تلك اللحظة أن يجاريها في لعبتها فإن أرادت التظاهر بالنسيان فلن يكون هو من يوقظ ذاكرتها بالقوة بل على العكس سيتركها ټغرق في هذا النسيان كما تشاء فالحقيقة مهما كانت مؤلمة لم تكن تعني له الكثير منذ البداية 
قبل أن تغادر سيرين وقف ظافر بجموده المعتاد وكأنه قطعة من الجليد لا تذيبها النيران ثم طلب من أحد مساعديه أن يجهز عقد الشراكة معها وكأن الأمر لا يتعدى صفقة باردة لا مشاعر فيها ولا ماض ولا ذاكرة 
عاد ظافر إلى مكتبه يلقي بحمل جسده المرهق على الكرسي الجلدي يزفر مع كل نفس دخان سيجارته كأنما ينفث ۏجعا لا ينقضي اشتعلت بين أصابعه سېجارة تلو الأخرى وكأنها الحبل الوحيد الذي يربطه
بالواقع وسط دوامة أفكاره 
كلمات سيرين كانت تتردد داخله كصدى بعيد في كهف معتم 
هل كنت أحد أولئك الذين آذوني وإن لم تكن فلماذا لا أذكرك 
شعر وكأن صدره قد امتلأ بكتلة من الجمر التي تسللت إلى حنجرته ومنعته حتى من التنفس براحة 
كان يجلس شاردا في ظلام أفكاره يتأمل الجدار المقابل بعينين غارقتين في التيه وكأنما يبحث بين تشققات الطلاء عن إجابة لهذا الفراغ 
عندما دخل ماهر إلى مكتب مديره التنفيذي كان الدخان قد نسج ستائر رمادية في الأجواء
يرخي خيوطه حول المكان كأن الغرفة تحترق في نيران الانتظار 
ماهر كان يدرك أن ظافر منذ اختفاء سيرين قبل أربع سنوات قد أصبح ېدخن بنهم كالباحث عن خلاص في احتراق التبغ لكن السؤال الذي ظل يحيره هو 
لماذا لم يتغير شيء حتى بعد عودتها لماذا لم يضع سيده تلك العادة السيئة جانبا 
رفع ظافر بصره نحو ماهر عيناه كانتا كبحيرتين راكدتين تخفيان عاصفة وشيكة ومن ثم قال بصوت غليظ كأنه مقطع من صخر 
لا يهمني كيف تفعل ذلك لكن يجب أن أعرف ما الذي حدث لسيرين في السنوات الأربع الماضية 
ارتجف قلب ماهر للحظة لكنه حاول أن يبقي صوته متزنا وهو يرد 
سيدي لقد أرسلت شخصا للتحري لكنه لم يتمكن من جمع أي معلومات حياتها في الخارج كانت محاطة بجدار من السرية 
انقبض فك ظافر واشټعل الشرر في عينيه كجمرة وئدت طويلا وعادت للاندلاع بشكل أشرس ومن ثم خفض بصره وهو ينحني إلى الأمام ساحقا سيجارته في المنفضة المسندة على طاولة المكتب أمامه ببطء وكأنه يدعس صبره المتآكل يقاوم قررا حاسما ولكن بات يوقن أن في حربه معها قد تحطمت كل القواعد التي تلاشت معها كل ذرة تعقل غمغم بصوت رخيم 
ثم استخدم قوى أخرى لا يهم أي ثمن يجب أن يدفع أو لمن ستألجأ لتوافيني بأخبارها السابقة 
تردد ماهر للحظة فهو يعلم جيدا ما يعنيه لفظ القوى الأخرى إنه لم يكن مجرد مصطلح عابر بل بابا لا يفتح إلا عندما تحسم الأمور بوسائل لا تعرف الرحمة لطالما استخدمها ظافر لانتزاع منصبه كرئيس لعائلة نصران لكنه لم يشر إليها يوما بسبب امرأة حتى جاءت سيرين 
لم يجرؤ ماهر على السؤال فالتردد لم يكن خيارا حين يصدر ظافر أمرا لذا انحنى برأسه قليلا في امتثال قائلا بصوت هادئ 
سأتواصل مع الأطراف المعنية على الفور سيدي 
ومع ذلك ورغم العاصفة التي اجتاحت صدر ظافر ظل العالم الخارجي غافلا فبعد أربع سنوات من الغياب لم يكن معظم العاملين في مجموعة نصران يعرفون من هي سيرين ولم تثر مفاوضاتها التجارية اهتماما يذكر لكنها بالنسبة له كانت بركانا لفظ حممه ولم يطفأ رماده بعد 
وسط الطريق المغمور بأضواء بعد الظهيرة أمالت سيرين رأسها قليلا تستند إلى نافذة السيارة تتأمل الفراغ الممتد أمامها ومن ثم تنهدت بحزن وهي تلتفت إلى السائق تقول بصوت هادئ لكنه يحمل بين طياته أثقالا لا ترى 
خذني إلى المقاپر هناك بالضاحية الغربية 
قبل أن تصل سيارتها إلى هناك بالجهة المنشودة توقفت سيرين أمام متجر صغير على ناصية الشارع تترجل من السيارة بعد أمرها لقائدها بأن يصف على جانب الطريق واشترت باقة من زهور الأقحوان البيضاء كما
اعتادت أن تفعل كلما زارت المكان 
نظرت سيرين لما تحمله بأعين تفيض حنينا كانت أزهارا نقية كأنها تقطف من ضوء القمر نفسه 
وحينما وصلت إلى حيث يرقد والدها تحت ثرى الصمت انحنت قليلا لتضع الباقة برفق فوق حجر القپر البارد ومررت أصابعها فوق الاسم المنقوش عليه كأنها تربت على كتف الزمن 
تحدثت إليه وروحها تتماهى مع الفضاء من حولها وكأن صوته لا يزال يسكن تجاويف ذاكرتها 
أبي لقد عدت إليك سامحني لأني تأخرت كثيرا في ذلك 
كانت سيرين أكثر هدوءا الآن بل وأقل اضطرابا مما كانت عليه يوما لكن بداخلها كان هناك زلزال لا يهدأ 
أخذت تسرد له بصوت يشوبه الشوق كل ما مرت به خلال السنوات القليلة الماضية كأنها تقلب صفحات عمرها أمامه تطالعه بأحداثها وهمساتها تتناثر بين شقوق حجر القپر كنجوم خاڤتة في ليل معتم 
كنت أود أن أحضر زاك ونوح لرؤيتك لكني أخشى أخشى أن ينتزعوهما مني إن علموا بأمرهما لذا كان علي أن أتركهم في مكان آمن أعلم أنك ستفهم وستسامحني 
رغم أنها تعرف الحقيقة جيدا إلا أنها لم تجرؤ على خوض المجازفة أفراد عائلة نصران لا يخسرون أبناءهم بسهولة فكيف ستسمح لهم بمطالبتها بطفليها إذا عرفوا بوجودهما 
في خضم شرودها اخترق رنين هاتفها سكون المكان فرفعت الهاتف إلى أذنها حتى جاءها صوت رامي الحارس المكلف بحمايتها يقول مختصرا لكن مجمل ما قال كان محملا بالتحذير 
السيدة تهامي شخص ما قادم إليك 
أجابت دون ارتباك 
حسنا 
أغلقت الهاتف واستدارت تستعد للمغادرة لكن قدميها تجمدتا في موضعهما عندما أبصرت شخصا يقف في نهاية الطريق 
تمتمت بخفوت 
طارق 
كان طارق واقفا هناك يرتدي بدلة مصممة بعناية ممسكا بباقة كبيرة من الزهور يداه تحيطان بها كأنها أثمن ما يملك وعيناه عيناه كانتا غارقتين في صمت مريب 
نظر إليها مطولا وكأنما الزمن عاد به إلى لحظة فقدانها وكأن روحه تتهشم من جديد 
ارتجفت أنفاسه حاول أن يقاوم لكن الدموع تسللت إلى عينيه رغما عنه 
في الجهة الأخرى لمع بريق خاطف في عيني سيرين قبل أن تخبو ملامحها إلى حيادها المعتاد وارتفع صوت كعب حذائها في المكان يعلن اقترابها بخطوات راسخة غير مترددة 
أما طارق فشعر وكأن الأرض تشده إلى باطنها تثبته في مكانه وكأن الزهور بين يديه ثقلت فجأة كجبال رواسي حتى أنه لم يقو على حملها 
مرت لحظات بدت وكأنها دهور قبل أن يستعيد طارق وعيه وراح يرمش بعينين متسعتين كأنه يحاول تصديق ما يراه 
لم تكن شبحا لم تكن ذكرى 
سيرين لم تكن مېتة 
ها هي أمامه حية تتنفس وتركل كل ما ظنه حقيقة 

تم نسخ الرابط